رواية هاجس الروح الفصل التاسع 9 - بقلم رباب حسين

رواية هاجس الروح الفصل التاسع 9 - بقلم رباب حسين

من الحماقة أن لا نشعر بقيمة الأشياء إلا عندما نفقدها. فنحن غارقون في سيلٍ من النعم، ولا ندركها إلا حين نُحرم منها. كم من شخصٍ فقد حاسةً من حواسه، وكم من آخر فقد طرفًا من أطرافه، ولا يشعر بألمه إلا هو وحده.

أما هذا المخدوع، فلم يدرك عِظم عشقه لها إلا حين اختفت من أمامه. أليس أنت من دفعتها عنك بكل قوتك؟ أليس أنت من ضربتها، وحرمتها حقوقها كزوجة، وجعلتها خادمةً في منزلها؟ رأيت الحسرة في عينيها وأنت تذهب لتكون ملكًا لغيرها، وها أنت الآن تبحث عنها! تشعر بالضياع دونها!

إنها الحماقة ذاتها... أن تتعامل مع من تحب على أنه سيبقى إلى الأبد. فلا أحد يُخلَّد في هذه الدنيا، وفي أي لحظةٍ قد تخسر كل عزيزٍ عليك.
فتمسّك بمن تحب، فربما يكون الفراق أقرب مما تظن.
نظر ريان إلى سعدية، وفي لحظةٍ كأن الزمن توقّف حوله، رحلت؟! أين؟ كيف سأجدها الآن؟! فليس لديّ أي معلومةٍ عنها. لا أعلم أين تسكن، حتى هاتفها بين يديّ.
جلس ريان على فراشها غير مستوعبٍ لما حدث بعد، ثم نظر إلى خزانة الملابس، وفجأة تذكّر الثياب التي كانت ترتديها بالأمس. نعم، كانت ترتدي ثياب النوم، وحتى إن رحلت فلا بدّ أنها بدّلتها. بحث في الخزانة ولم يجدها.
نزل مسرعًا إلى المطبخ وسأل سعدية إن كانت قد أخذت شيئًا من ملابسها، لكنها أكدت أنها لم تفعل.
وقف ريان شاردًا، وشعور غامض في داخله ينبئه بأنّ هناك خطبًا ما. خرج من المطبخ وعقله يعجّ بالأفكار، لكن الخوف والحزن على فقدانها جعلاه يفقد تركيزه، فلم يجد أمامه سوى الاتصال بقصي. حدّثه ريان عمّا حدث، فأخبره قصي بأنه سيأتي إلى منزله على الفور.

بعد وقت، وصل قصي وجلس مع ريان في البهو وقال: طيب، تفتكر حصلها حاجة؟
ريان: معرفش يا قصي، مش عارف أفكر ولا أركز... هتجنن بجد، هي راحت فين؟!
قصي: والله يا ريان، أنا حاسس إن في حاجة غريبة فعلًا بتحصل في البيت ده، وبعدين ريحة البخور دي غريبة أوي بجد.
فتح ريان عينيه في صدمة وقال: أنا هتصل بسلطان، هو اللي هيقدر يفيدني في الموضوع.
قصي: هو إنت لسه مكلمتوش؟!
ريان: أنا أول ما دخلت البيت، رحت عشان أشوف تالين فورًا، ولما لقيتها مش موجودة دماغي وقفت.
قصي: للدرجة دي متعلق بيها يا ريان! طيب ليه بتعذبها كده؟ حتى لو غلطت، هي بررت موقفها وقالتلك إن مكنش قصدها كل ده يحصل. بصراحة، إنت دوست عليها أوي.
زفر ريان وقال: عارف يا قصي، بس إنت بجد مشفتش حالتي كانت عاملة إزاي بسبب موضوع الأشباح ده. لو كنت شفت التعب اللي كنت فيه، وشفت منظري وقتها، كان زمانك بتقولي "تستاهل".
قصي: أنا مش بقول إنها مش غلطانة، بس بقولك إن رد فعلك كان صعب على أي واحدة. يعني مش كفاية إنك ضربتها، لا، ده كمان رحت وخطبت واحدة تانية قدام عينيها، وهي مراتك اللي مخليها خدامة في بيتك!
ريان: طيب، ممكن كفاية لوم وخليني أشوف موضوع سلطان ده الأول؟
قصي: اطلع هات تليفون أسعد بيه واتصل بسلطان... لما نشوف آخرتها.

صعد ريان إلى غرفة أسعد وأخذ هاتفه، ثم اتصل بسلطان على الفور وقال: حضرتك الروحاني سلطان، صح؟
قال سلطان: أيوه، مش ده رقم أسعد الأكرم؟
ريان: أيوه، أنا ابنه. في الحقيقة حصلت حاجة غريبة كده في البيت عندنا، ومحتاج حضرتك تيجيلي في أسرع وقت.
سلطان: كده كده كان فيه معاد بينا النهارده، بس كنت مستني تليفون من أسعد بيه يبلغني بالوقت بالضبط.
ريان: تقدر حضرتك تيجي إمتى؟
سلطان: أنا فاضي دلوقتي، لو مناسب أجي.
ريان: مناسب جدًا، أنا مستني حضرتك.

خرج ريان من غرفة أسعد ونزل إلى أسفل منتظرًا سلطان. وبعد وقت، وصل سلطان، فقصّ عليه ريان ما حدث مع والده أولًا، ثم مع زوجته، وأيضًا ما فعلته تالين من خداع في الأمر.
قال سلطان: بص، أنا من ساعة ما دخلت البيت وأنا حاسس بطاقة غريبة. لما أسعد بيه قالّي على الأشباح اللي إنت بتشوفها، شكّيت شوية في الكلام، بس عشان أتأكد خليتكم تستخدموا البخور ده والملح كمان، عشان لو فيه فعلًا أشباح تظهر. وواضح إن كان فيه فعلًا، بس مش ظاهرة للعين.
قال ريان في صدمة: يعني إيه؟! اللي ظهروا لبابا دول أشباح فعلًا؟!
سلطان: أيوه، للأسف.
ريان: والأشباح دي عايزة إيه؟!
سلطان: أكيد فيه حاجة مستخبية وهما عايزينها تظهر.
شرد ريان يفكر، فقال قصي: طيب وتالين؟
سلطان: أنا مش عارف حصلها إيه، بس لو تالين كانت عارفة حاجة ومخبياها، يبقى ممكن يكونوا خدُوها.
ريان في ذعر: خدُوها إزاي يعني؟! أنا عايزها ترجع!
سلطان: لازم أتواصل معاهم وأعرف هما عايزين إيه، وخدوها فعلًا ولا لأ.
ريان: مستني إيه؟! بسرعة!
قام سلطان بإشعال بعض البخور، ثم جلس يتمتم قليلًا حتى سمعوا أصواتًا مرتفعة في الدور السفلي. وقف ريان وقصي في ذعرٍ من ارتفاع الأصوات، فأشار سلطان إليهما أن يهدآ. ظل سلطان يتمتم حتى انطفأت الأضواء فجأة، نظر قصي وريان حولهما في ذعر، ثم سمعا صوت تالين من بعيد.
وقف ريان وقال: تالين، إنتِ فين؟!
فقال سلطان: الأشباح خدوها.
ريان: ليه؟! خدوها ليه؟!
سلطان: هي كانت بتساعدهم، ولما فشلت خدوها عشان يضغطوا عليك.
ريان: طيب، عايزني أعمل إيه؟!
فجأة اشتعلت الأضواء مرة أخرى، ونظر قصي عاليًا في صدمة. ربت قصي على عاتق ريان، فنظر له ريان ووجد عينيه مثبتتين في الأعلى، وعلى وجهه علامات الذهول. رفع ريان بصره فوجد تالين تقف على السقف، وملامح وجهها تثير الرعب في القلب.
نظر سلطان إليها وقال: ده استغلّوا جسمها.
حاول ريان الاقتراب منها، فأمسك سلطان بيده وقال: إهدى، أنا هتواصل معهم.
اقترب سلطان وقال بهدوء: قولوا، عايزين إيه؟
هبطت تالين فجأة أمامه وقالت بصوتٍ مختلف تمامًا عن صوتها، صوتٍ يدبُّ في القلوب رعبًا: الحقيقة.
سلطان: بخصوص إيه؟
تالين: عايزين ناخد حقّنا من اللي قتلنا.
ريان: مين اللي قتلكم؟!
تالين: إنت عارف.
ريان: مش مصدق اللي بتقولوه، ابعدوا عن تالين.
تالين: مش هنسيبها غير لما تجيب حقّنا، لولاه مساعدتها مكناش قدرنا نخرج ونتكلم، مش هنرجعها غير لما حقنا يرجع.
انطفأت الأضواء مرة أخرى، وبعد وقتٍ قصيرٍ اشتعلت من جديد. نظر ريان حوله في ذعرٍ يبحث عن تالين، حتى سمع صوت غلق باب الطابق السفلي. ركض مسرعًا وحاول فتح الباب، لكنه كان موصَدًا من الداخل.
عاد ريان إلى البهو ونظر إلى سلطان وقال: الباب اتقفل ومش عارف أفتحه، أعمل إيه؟
سلطان: طيب إنت عارف مين اللي قتلهم؟!
نظر له ريان ولم يتحدث فأردف سلطان: الحل في إيدك إنت، للأسف أنا مقدرش أعملك حاجة.
تركه سلطان وغادر ونظر قصي إلى ريان وقال: بص، أنا عارف إن الكلام صعب وميتصدقش، بس لنفرض إن كلام تالين حقيقي، هتعمل إيه؟!
ريان في غضب: لا يا قصي، بابا لا يمكن يكون قاتل.
قصي: طيب براحة، أنا مش بقول إنه قاتل بس على الأقل خلينا نتأكد.
ريان: هنتأكد إزاي طيب؟!
قصي: طيب نكمل في الطريق اللي إنت بدأتَه.
ريان: ولحد ما أوصل للحقيقة بقى هسيب تالين كده محبوسة معاهم؟!
قصي: مش عارف، أنا مش عارف إيه اللي بيحصل ده كله بصراحة.
ريان: روح يا قصي دلوقتي، أنا عايز أقعد أفكر دماغي مشتتة، سيبني لوحدي شوية.
تنهد قصي وقال: طيب هسيبك ترتاح ولو عايز أي حاجة مني اتصل بيا فورًا هتلاقيني عندك.
ذهب قصي وعاد ريان إلى الأسفل محاولًا فتح الباب مرة أخرى لكن دون جدوى. نظر إلى الباب في يأسٍ وظل ينادي باسم تالين. شعر بالحزن يسيطر عليه والخوف من فقدانها جعله في حالةٍ من الضعف لم يشعر بها من قبل.

عاد ريان إلى غرفته وجلس على الفراش، واضعًا رأسه بين راحتيه. لم يستطع إنكار أن هناك جزءًا بداخله يصدّق ما قالته تالين لكن عقله لا يرغب في الاعتراف بذلك. لم يكن يريد أن يرى والده بهذه الصورة؛ فمهما بلغ الإنسان من العمر سيظل يرى والده هو البطل الخارق في قصته.
رفع ريان رأسه متنهّدًا بقوة وفتح عينيه ليرى المسجّل الذي أعطته له تالين في آخر مشادةٍ بينهما. نهض وأمسك به ثم عاد ليجلس على الفراش وظلّ ينظر إليه مطولًا. نعم، الخوف يسيطر عليه ولا يقوى على سماع الحقيقة، لكنه في النهاية استجمع شجاعته وقام بتشغيله.

فلاش باك/
كان أسعد وعادل يجلسان بالمكتب فقال أسعد: وعدتُ ووفيت.
عادل: أنا كنت عارف إن ريان هو اللي هيجي يطلب حور في الآخر، بنتي حلوة وألف مين يتمناها بس احنا كان بينا اتفاق ولازم يتم.
أسعد: وخلاص كده، أظن نقفل بقى على كل الحوارات القديمة ديه.
عادل: نقفلها، والحمد لله واضح إن ريان بقى كويس، عارف لما قولتلي إنه شاف شبح أمه؟ ولا الجواب اللي كانت كاتباه لأختها، أنا قلت بس ريان هيعرف الحقيقة وهنروح في داهية، وخصوصًا لما راح المستشفى وبدأ يدور ورا موت حنان، لولا إن حور جات قالتلي كان زمانك اتفضحت قدام ابنك.
أسعد: عمري ما هنسى وقفتك معايا يا عادل، هي اللي كانت خاينة وتستاهل القتل، بس مقدرتش أخلي ريان يعرف حقيقة أمه.
عادل: والله يا بخت الواد ده بيك، ده أنت حتى مردتش تعمل تحليل تتأكد منه إذا كان ابنك ولا لأ، مع إن واحد غيرك بعد خيانة مراته كان شك في نسبه.
أسعد: حتى لو مش ابني، عمري ما هشيله من على اسمي، أنا مليش غيره في الدنيا.
عادل: طيب، ربنا يخليهولك يا سيدي، هقوم بقى أخد حور ونروح.
عودة من الفلاش باك.
نظر ريان إلى الفراغ أمامه وانسابت دموعه رغمًا عنه.
أمي خائنة! أمي خانت أبي! لذلك قتلها! وهل هو حقًا أبي؟!

صدمةٌ كانت كفيلة أن تُبدِّد كل أفكاره من رأسه، شعورٌ بالانهزام والضعف جعله لا يقوى حتى على النظر إلى وجهه في المرآة.
ما أصعب أن تأتيك الطعنة من أقرب الناس إليك. كيف تحمّل أبي هذا؟! ولايزال يقف أمامي يقول أنه يحبها ولم يستطع أن يتزوج غيرها! أهذا عشقٌ أم مرض؟! لقد طعنته بالخيانة والغدر، طعنت كبريائه كرجل.
كيف فعلت ذلك بعدما انتشلها من الفقر وجعلها سيدة هذا المنزل؟ أهذا ردُّ الجميل؟!
كم من عاشقٍ أُصيب بطعنة الغدر وأبى قلبه النسيان. 

•تابع الفصل التالي "رواية هاجس الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات