رواية انين هوى الفصل الثامن 8 - بقلم امنية مصطفى
"أنين الحب ولوعته يعمي بصيرة المحبين ويتفنن بغدره بهم...ولابد أن النجوم التي شهدت قصتنا ترثيها الآن ببعض الدموع."
السائد في وقت كهذا هو دجن الليل وعتمته، لكنها أحست به -بينما تهتز بها العربة التي يقودها مروان في طرقات المملكة الساكنة أكثر ظلمة من أي ليلة قد عاشتها. كانت فيروزة تحس بذلك الظلام الذي يتخلل مهجتها بالكامل وكد انسكب وفاض على كل ما أحاطها.
ماذا سيحدث الآن؟ أعادت على نفسها السؤال ذاته الذي سألته ليامن حين علمت أنها حامل، أحست حينها بقلبها يهوى إلى قاع سحيق من الرعب، وأدركت حين طالعها يامن بأسى بأن النجاة من هذا الموقف لم تعد خيار، بل هو قرار حتمي وسينفذ مهما حدث.
تنهدت بينما تخبئ نفسها بين البضائع التي أحاطها بها مروان حتى يتمكن من التسلل بها خارج القصر بأمان، ثم بللت شفتيها وانزلت بصرها تلامس بطنها للمرة الأولى بتوجس. تساءلت والأسى يملأها؛ كيف يمكن للحظة انتظرتها لسنوات مريرة أن تكون بكل هذا الهلع والبرود؟
ترقرقرت عبرة حارة على وجنتها المحمرة إثر الهواء البارد الذي أخذ يضرب وجهها بعنف كلما أسرع الحصان في جر العربة نحو وجهته.
وبعد قليل من الوقت أو أكثره؛ لم تكن تنتبه كم مر حقيقة، توقف مروان بالعربة فجأة، فانقبض قلبها وسار الخدر بأوصالها، لامست خنجرها الذي خبأته تحت الرداء الطويل بحزام فستانها، أخذت نفسا عميقا واستعدت للمجهول تتوعده بضراوة.
أرهفت السمع، فأحست بوقع أقدام يقترب من طرف العربة الخلفي حيث تختبئ، ازدردت لعابها، وأخذ نفسها يتسارع وقلبها يخفق بلا هوادة، ثم انكشف الغطاء الذي ألقاه مروان عليها وعلى البضائع، فوجدته يبتسم وبيده مصباح زيتي مردفا:
ـ لقد وصلنا...
ـ كدت تقتلني رعبا يا رجل، ظننت أننا كُشفنا.
قالتها بينما يساعدها مروان على النزول من العربة.
ـ لا يجب أن تكوني متشائمة هكذا يا سمو الأميرة، مازال أمامنا درب طويل من المعارك...
علت زاوية فيهه ابتسامة حذرة بينما يقترب من بيت في بداية أحد الأزقة المظلمة ويطرق بابه بحذر.
تسرب شعاع ضوء خافت من ثقب صغير بالباب ثم ما لبث ان مرت عدة ثوان تبعها فتح الباب بسرعة.
أطلت نيرة من وراء الباب الخشبي وهمست على عجل بينما تتلفت حولها:
ـ أدخلا بسرعة، سيمر عساكر المراقبة الليلية في غضون دقائق.
أومأ لها مروان بينما يشير للأميرة بالدخول سريعا، ابتلعت فيروزة غصة اقتحمت حلقها بشراسة وراحت على مهل تخطو خطوتها الأولى داخل المنزل.
ومن فرط استغراقها في أيكة أفكارها، أفزعها صوت نيرة حين بادرت بحماس بعدما احكم أوصد مروان الباب بإحكام:
ـ لم أتخيل يوما أن يكون أول زائر في منزلنا الخاص هي الأميرة بذاتها.
كانت آيات التيه بائنة بشدة على محياها حين طالعت نيرة، ابتسمت لها بهدوء، وراحت تمسح الغرفة التي وقفوا بها جميعا بحرص.
حمحم مروان وأخذ يشرح لها بتوتر:
ـ منذ توفي الملك الراحل سهيل والتوتر أصاب صفوف الجيش والحرس، الجميع كانوا قلقون من غدر الملك مزدهر بهم بعدما تمكن من زمام السلطة، وحذرني أبي قبل أن يموت، أخبرني بصراحة ألا أثق بأحد منكم فلا أحد جدير بالثقة بعد رحيل الملك...
تنهد يستجمع بقية ما اراد قوله، وبينما يراقب ردات فعل فيروزة وتفاعلها مع كلامه أضاف:
ـ لذا كنت أدخر من النقود ما استطيع حتى أشتري منزل خاص بي وبنيرة، حتى لا يكون القصر الملكي ملجأنا الوحيد في أي لحظة من اللحظات.
ـ كان والدك محقا...كان رجلا رزينا، وحارس شخصي شجاع دافع عن الملك حتى أنفاسه الأخيرة.
بادرت فيروزة بالابتسام لتطمئنه، فبادلها هو بابتسامة حزينة مكسورة.
أحست نيرة بالتوتر الذي كسى الأجواء فجأة، فقالت ببعض الحماس:
ـ أنظر ماذا فعلت يا مروان، أخذت تثرثر وتركنا الأميرة واقفة وارهقتها، هيا اذهب واحضر اطباق العشاء من المطبخ بينما اساعدها لتستقر بغرفتها واطمئن على صحتها.
اومأ لها بهدوء وانسحب نحو المطبخ دون أن ينبس بكلمة.
جذبت نيرة فيروزة بسرعة وقادتها بحماس نحو إحدى غرف المنزل، أنارت بعض الشموع وراحت بابتسامة متشبثة بثغرها تشرح لها:
ـ وضعت لك بعض الملابس بهذه الخزانة، وإن أردتِ أي شيء في أي وقت فلا تتردي في طلبه مني، من دواعي سروري أن أكون في خدمتك يا سمو الأميرة.
ضغطت فيروزة بامتنان على يدي نيرة وراحت تتسلل الكلمات من بين شفتيها شاكرة:
ـ أن أدين بحياتي وحياة طفلي لكما، لولاكما لكنا في عداد الموتى الآن...
ـ ليس عليكِ قول ذلك الآن، مروان يعتبرك صديقة طفولته، وأصدقاء مروان الأعزاء هم أعزاء على قلبي كذلك.
أجلستها نيرة على السرير حين أحست أن علامات الإرهاق أضحت جلية على ملامحها، ثم اردفت دون أن تثير ريبتها:
ـ ارتاحي، وحين تشعرين أنك جاهزة تعالي لنتناول العشاء معا...
●●
قطع يامن الغرفة المظلمة جيئة وذهابا للمرة العاشرة في هذه النصف الساعة، أصابه هلع جم حين أخذ عقله يرسم له سيناريوهات فشل خطته التي قرر تنفيذها في لحظة تهور منه دون أن سمح بأن يلقي عليه عقله أوامره بأن بالتأنى فيما هو مقدم على فعله.
أحس بالتعب يتخلل ساقيه وركبتيه، انحنى يلتقط أنفاسه ويستند بكفيه على ركبتيه، لكن لحظة التقاط الأنفاس تلك لم تدم سوى لدقيقة فقط فقد اقتحم الغرفة شخص لم يتبين هو ملامحه من شدة الظلام الذي تغرق به هذه الغرفة.
لكنه عرفه من صوته حين تحدث بهدوء بعدما أغلق الباب بسرعة:
ـ الأميرة بأمان...
ـ مروان...لماذا تأخرت؟
ربت مروان على كاهله ومضى نحو طاولة بركن الغرفة التي تقع في منزله الصغير بداخل قصر يامن وراح يشعل شمعة حتى يتمكنا من رؤية بعضهما، ثم أردف دون أن ينظر نحوه:
ـ كنت أتأكد من عدم ملاحظة جواسيس الأميرة سلمى لغيابي، كما أن الملك يرسل دوريات عسكرية كل ليلة في الشوارع ليتأكد من عدم وجود تجمعات تقام للحديث عنه وعن نظام حكمه...يبدو أنه يدرك مدى فشله ويخاف أن يفتضح أمره بصوت مسموع.
ـ هل فيروزة بخير؟
سأل يامن بسرعة حين أحس بقدر الخطر الذي يحيط بهم، فأومأ مروان إيجابا وراح يخرج من الخزانة بعض الخبز ويعد مائدة ليتناولا العشاء معا.
وحين جلسا مقابلين لبعضهما يلوك كل منهما لقمته في فيهه ويبتلعها بصعوبة جمة، قال مروان بعد صمت قد طال:
ـ خروجك من الزنزانة ليس كافيا، علينا أن نخرجك من القصر بأسرع وقت ممكن قبل أن تلاحظ سلمى وتدمر كل زاوية بالقصر حتى تجدك.
هز يامن رأسه بينما يبتلع غصته مع لقمة الخبز غصبا؛ أيهرب من قصره وقصر والده ويختبئ كما تلوذ الفئران بالفرار بعدما كان دوقا محترما وقائد جيش تهتز لأجل سيرته صفوف جيوش العدو؟
ثم أخذ يذكر نفسه أنه الآن خارج الزنزانة بفضل فيروزة التي صرخت بالحرس حين حاولوا أن يعصوا أوامرها ويمنعوه من الخروج معها...حدث نفسه يطمئنها بأن كل ما قد يأتي تاليا هو بالتأكيد أسهل ويمكن تلافي مخاطره...سيمضي هذا الفصل العاصف كما مر أشباهه، وسيمسك بزمام أموره مجددا قريبا.
ـ أحتاج ورق وحبر..
نبس يامن بعدما رفع رأسه فجأة حين جال بذهنه أمور من كثرتها استعصى على قلبه تحملها لدقيقة أخرى.
●●
السقف...بنقوشه الشفافة تلك...يا له من محظوظ، ومن حسن حظه أنه لا يجب عليه خوض معارك جمة مع كل شخص قرر العيش على أرض مملكة الجنوب مثلها؛ هكذا قادها التفكير بينما أنتهى بها الحال محدقة بالسقف لساعات فشلت في عدها حتى أكتسى كل شبر بالغرفة بضوء الصباح الجم.
كان السهاد ضيف فيروزة لهذه الليلة، وظنت في قرارتها أنها لن يغمض لها جفن حتى تكون قريرة العين في فراشها ويحيط بجناباتها الآمان الذي عاشت طوال حياتها تفتش عنه.
اقتحم أيكة تفكيرها الصاخبة صوت طرقات خجولة على باب الغرفة، لذا اعتدلت جالسة على الفراش، وحاولت بعد ساعات من الصمت الطويل أن ترفع صوتها:
ـ تفضل...
ـ هل أقلقت منامك؟
نبست بها نيرة حين دخلت فور أن وصل إلى مسامعها صوت فيروزة الناعس.
هزت فيروزة رأسها نافية وراحت تنظم أنفاسها بهدوء لتطرد عن صدرها الهلع الذي أخذ يحتل كيانها من كثرة التفكير طول الليل.
حثت نيرة الخطى نحوها وراحت تجلس بهدوء على طرف الفراش وتسألها بهدوء:
ـ كيف تشعرين الآن؟ هل زارك شعور الأعياء مجددا؟
ـ أنا بخير على ما أظن، لقد جافاني النعاس طوال الليل فقط.
ـ لابد أن الأميرة سلمى أتقنت أختيار تلك المشعوذة
ـ ماذا تقصدين؟
حل صمت لبعض اللحظات قبل أن ترتب نيرة اجابتها وتنطق بها بكل هدوء:
ـ ما أقصده هو؛ أظنها استعانت بمشعوذة ما لتصنع لها دواء ما يجعلك نائمة طوال الوقت...وأظن أيضا أنني طوال عملي كطبيبة لم يمر علي عمل متقن لمشعوذة كتلك المشعوذة التي استعانت بها سلمى.
سكتت نيرة لهنيهة حين أدركت أمر ما ثم استدركت بسرعة:
ـ أنتِ لا تظنين أن العداء بيني وبين الأميرة سلمى في الماضي هو ما يدفعني لقول ذلك أليس كذلك؟
ـ لا بأس، لقد خططت لأذية كل فرد من العائلة، سيكون دربا من الجنون ألا أصدقك.
ابتسمت فيروزة بأسى بينما انزلت بصرها تراقب الأرض.
أحست نيرة بذلك الشجن الذي تخلل نبرة الأميرة الحزينة، فراحت تلامس أناملها داعمة، وأخذت تحكي لها:
ـ كانت سلمى تنافس حتى نفسها حين كنا زملاء في المدرسة الملكية العليا، وكانت تواصل الأعتقاد بأنني شوكة مزعجة في حلقها رغم أني لم أكن سوى ابنة خادم بالقصر حصلت على منحة للدراسة وتحاول التشبث بها بكل طاقتها.
سكتت قليلا تستجمع ما لديها من شجاعة ثم واصلت:
ـ أظنها كانت تجهل حقيقة كونها محظوظة بشدة...
ـ كان الحقد هو طريقتها الوحيدة للتعبير عن نفسها منذ كنا أطفالا.
قاطعتها فيروزة حين أدركت تلك الحقيقة الخانقة.
ثم أنار بريق فكرة ما بعقل فيروزة جعلها تنتفض محلها وتسأل دون تفكير:
ـ هل يمكن لتلك المشعوذة إعطائي دواء ما يجعلني أرى شيء لم يحدث بأحلامي؟
ـ ماذا تقصدين بشيء لم يحدث؟
ـ كنت أشك أن الدوق يخونني...
سكتت للحظة تستوعب قدر الألم الذي غزا مهجتها حين تذكرت ما حل بهم بسبب شكها الغبي، ثم استدركت:
ـ ثم ظهرت تلك المرأة الغريبة وأعطتني ذلك الكأس، وأخبرتني أنه سيكشف لي حقيقة ذلك الأمر...
كسى الخجل وجهها حين أحست بفداحة فعلها الأهوج، وتهورها، ثم أردفت:
ـ في لحظة تهور مني شربته...وبعدها بلحظات كنت غارقة في النوم وأرى كابوس عن كل تفاصيل تلك الخيانة.
طالعتها نيرة وأمارات التعجب التي حاوت بشدة عدم إظهارها تكسو ملامحها، هزت رأسها تحاول أن تضبط نبرتها ثم أردفت:
ـ أظن أن أدوية الهلاوس من شأنها أن تفعل هذا الأمر...مرضى الهلاوس البصرية مثلا يمكنهم رؤية بعض الأشياء وكأنها حقيقة ومن المستحيل أن تجعليهم يصدقون عكس ما رأوا.
صمتت لهنيهة، ثم واصلت بنبرة واثقة:
ـ مؤكد أن ما كان يحتويه ذلك الكأس هو شيء ما يسبب الهلوسة، ولإهتمامك الشديد بأمر الخيانة تلك، صور لك عقلك الباطن ما أردتِ رؤيته.
هوى قلب الأميرة الحزينة في قاع سحيق من الندم والأسى، وراحت بكل ذرة من كيانها تندب حظها وغبائها.
بعد هنيهة من السكون والصمت المقفر، هبت فيروزة واقفة، وطلبت من نيرة والرجاء يتقطر من صوتها:
ـ هل يمكنكِ أن تحضري لي ورق وحبر؟
●●
سمع مروان طرقات على باب منزله بقصر الدوق، وحين أقلقت تلك الطرقات منام الدوق، أحس بصداها يخترق خافقه، انتفض من فراشه، وراح يختبيء خلف الباب بينما يزدرد مروان لعابه، ويتأكد من وجود خنجره المعلق بخصره قبل أن يستجمع ما لديه من جسارة ليفتح الباب.
هوى قلبه في لج الهلع حين رآها تقف إزاءه في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وتحمل بيمناها مصباح زيتي وآمارات الإرهاق والرعب تكسو أساريرها.
سألها بعدما سحبها من كفها نحو الداخل في لحظة خاطفة وأغلق الباب بسرعة:
ـ نيرة...ما الذي أخرجك من المنزل في هذه الساعة من الليل؟
ابتلعت غصتها التي حاربتها طوال طريقها إلى القصر ونبست بأنفاس منقطعة:
ـ اختفت الأميرة...
●●
ـ يتبع ـ عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية