رواية قصر خازور الفصل الثامن 8 - بقلم سماهر جمال
أمسكت ليلى هاتفها لتُحادِث السيد رفعت وتُطلِعه على المستجدّات. ظلّت متردّدة لبعض الوقت في الاتصال به نظرًا لتأخر الساعة، لكنها حسمت أمرها أخيرًا وضغطت على رقمه الظاهر أمامها على الشاشة.
استمعت إلى رنين الهاتف لثوانٍ، ثم فُتح الخط من الطرف الآخر، وصوت عمران يقول ببرود:
_"ماذا الآن؟ أظن أن الوقت متأخرٌ جدًا للاتصال بأبي."
شتمت ليلى في سرّها وأغمضت عينيها غيظًا، وضغطت على شفتيها حتى لا تقول ما لا يُحمَد عُقباه، ثم أجابته ببرودٍ مماثل لنبرته:
_"أعتقد أنني هاتفت السيد رفعت وليس أنت، لذا فهو وحده من يملك الحق في الحكم على ملاءمة اتصالي به الآن أو لا."
تمتم عمران بشتمةٍ خافتة لم تصل إلى مسامعها، فقد كان لا يزال مستيقظًا يجلس على فراشه. كان النوم يُعانده، فرغم رغبته في أخذ قيلولةٍ قصيرة تُمدّه ببعض النشاط، أبت عيناه ذلك. وما زاد الأمر سوءًا هو تصاعد رنين هاتف أبيه الذي — وللصدفة — كان قد نسيه معه قبل أن يذهب لغرفته ليلًا، فلم يرد أن يزعج نومه بإعادته إليه.
لكن تلك المصيبة كما وصفها أزعجت راحته أكثر، وهي تتابع قائلة:
_"والآن، إن كان السيد رفعت مستيقظًا، فأرجو أن تسمح لي بالتحدث إليه في أمرٍ هام."
أجابها بهدوءٍ مصطنعٍ يخالف ما يعتمل في صدره من غيظٍ مشتعل:
_" أبي نائمٌ الآن، فالشمسُ على وشك أن تُشرق، وقد تجاوزت الساعة الرابعة صباحًا، ولا أحد يُجري مكالماتٍ في مثل هذا الوقت المبكر!"
تمتمت ليلى بيأسٍ وهي تقول بصوتٍ خافتٍ سمعه عمران من الطرف الآخر:
_" كيف سأُخبره بالمستجدّات الآن؟ لا أستطيع الانتظار بعدما اكتشفتُ أحداثًا جديدة."
تساءل عمران بفضولٍ لم يستطع كبحه:
_" ما الأمر؟ وما هي الأحداث المستجدّة؟ فحتى الساعة الواحدة والنصف كنا معًا، ولم يحدث جديد سوى ذلك الظلّ الذي رأيته."
أخبرته ليلى بما رأته دون أن تُخفي عنه شيئًا، فهتفت بسرعةٍ خشية أن تنسى تفصيلاً:
_" بعد أن عدنا من القصر وذهب كلٌّ منّا إلى منزله، كنت أراقب القصر في حوالي الثانية صباحًا، وأثناء ذلك لمحتُ العمّ ربيع، صاحب محلّ البقالة المجاور للقصر، كان يُلقي نظراتٍ متلفّتة حوله كمن يخشى أن يراه أحد، ثم دلف إلى القصر واختفى عن أنظاري. انتظرتُه في الشرفة حتى خرج عند الثالثة تمامًا. حتى الآن لا أعلم ما الذي دفعه إلى الدخول، ولا سبب بقائه داخله ساعةً كاملة."
ردّ عمران بدهشةٍ واضحة في نبرته وهو يقول:
_" ما مصلحته في دخول القصر في تلك الساعة المتأخرة؟ ولماذا انتظر ساعةً كاملة بداخله؟!"
تابع وهو يقول بشكٍّ ظاهر في نبراته:
_"أشعر أنه هو نفسه الشخص الذي خُيِّل إليّ ظلُّه أثناء تواجدنا في القصر. اسمعي، مرّي علينا في الساعة العاشرة صباحًا، سأكون في انتظارك في منزلنا. يجب أن نُكمل قراءة الأوراق التي وجدناها في الغرفة المخبّأة، لعلّنا نفهم منها بقية الأحداث الغامضة. وفي المساء من اليوم ذاته، سنراقب القصر من بعيد من شقتك. الآن سأرسل لكِ عنوان المنزل، نتقابل غدًا بإذن الله."
بدت الحيرة على وجه ليلى، وتردّدها في الموافقة على الذهاب لمنزله و انعكس هذا في صوتها وهي تقول بارتباك:
_"لا مانع عندي من كل ما قلت، لكن... هل يستلزم الأمر أن أذهب إلى منزلكم غدًا؟"
تنهد عمران، ومسح وجهه بكفّه اليمنى، ثم قال بنبرةٍ مراضية:
_"ليس بالضرورة، لكن عندما عدنا مساءً، فُوجئتُ بمرض أمي، وشقيقتي غير موجودة لتتولى رعايتها، لذا لا يمكنني تركها بمفردها في المنزل. وبالتالي، لا يوجد حل آخر سوى أن تأتي أنتِ إلى هنا."
تأثرت ليلى بكلماته، وحزنت لما أصاب والدته، فوافقت الحضور وهي تتمنى لها الشفاء العاجل.
*****
وفي الساعة العاشرة والنصف صباحًا، دوّى صوت الطَرق على باب منزل السيد رفعت مُعلنًا قدوم ليلى.
مضت دقائق تبادلت خلالها التحية والسلام مع الجميع، وتمنت الشفاء للسيدة صفاء، والدة عمران.
عرض عليهم السيد رفعت الجلوس في إحدى الغرف الفارغة إلا من بعض الكراسي، لتكون أكثر هدوءًا وملاءمة للحديث.
فمنذ الصباح، كان عمران قد أخبره بكل ما قالته ليلى في الليلة السابقة، فوافقه على الفكرة، إذ لم يكن بوسعه ترك زوجته المريضة في هذا الظرف.
جلس الجميع في أماكنهم، وبادر رفعت بالحديث قائلًا:
_"نعتذر لكِ يا آنسة ليلى على ما سببناه من عناءٍ ومجيءٍ خصيصًا إلى هنا، ولكن كما أخبركِ عمران، لا يمكننا ترك السيدة صفاء بمفردها."
ابتسمت ليلى بمجاملةٍ، ثم قالت بهدوءٍ:
_"لا عليكَ يا أستاذَ رفعت، أتمنّى لها الشفاء العاجل."
ردَّ عليها بابتسامةٍ وصمت، فتقدّم عمران وهو يُحَرِّك الأوراق التي بين يديه قائلاً:
_"دعونا نستغلّ ثباتَ والدتي الآن ونقرأ ما لم نستطع قراءته البارحة."
وافقاه الاثنان، فبدأ عمران يقرأ الورقة الثانية بصوتٍ خافتٍ، تحسبًا ليفاق والدته :
_"كنتُ أعلمُ نيةَ حسن تجاه الصغيرةِ خديجة، لذا حاولتُ جاهِدًا أن أحميها منه. كان والداي — هاشم وحسن — يعلَمَان كلّ الأماكن السرّية والمخابئ داخل القصر باستثناء مكانٍ واحدٍ لا يعرفه إلا شخصان: أنا ومن أنشأه. كان ذلك مخبئي السّريّ الذي أخفيته عن أبنائي. في شبابي حلمتُ بمخفى مماثلٍ للطوارئ، وعندما أتيحت لي الفرصة لم أتردّد لثانيةٍ واحدة في إنشائه. أخبرت الصغيرةَ خديجة بهذا المكان السريِّ، وجعلتها تقسم ألا تخبر أحدًا به.
وما إن ازدادت نظراتُ حسنِ نحو الطفلة واستمرّ بقاؤه في القصر لأيامٍ متوالية، أدركتُ أنه يفكّر في أمرٍ كبير. طلبتُ من سعاد أن تأخذ الصغيرةَ في رحلةٍ ريفيّة أو تزور أهلَها في محافظة القاهرة، فكان همّي كيف أُخفي خديجة عن أنظار حسن بوسائلَ متنوّعة. لكن ما لم أضعه في الحسبان أنّي بذلك سَلَّمْتُها لهما على طبقٍ من ذهب."
زمّت ليلى شفتيها وقالت بارتباكٍ:
_"ماذا يعني ذلك؟ لم أفهم المقصود تمامًا."
تمتم عمران بسخريةٍ لم تَسمعها إلا والده:
_"وكأنّكِ تفهمين أصلًا!"
ابتسم الأب لابنه ولم يُظهر انزعاجًا مما سمع، ثم أوضح قائلاً:
_"المقصودُ أنَّ سعاد حين أخذت الصغيرة أمام السيد توفيق — إما لزيارة أهلها أو لرحلة ريفية — لم تُحدِّد له الوجهة بدقّة. وقد تكون كذبت عليه ثمّ سلّمَتِ الطفلةَ لحسن."
شهقت ليلى بغضبٍ، ثم انفجرت بلسانٍ حادٍّ:
_"تلك الشمطاء! كيف تفعل هذا بابنتها الوحيدة وهي تدرك مصيرها على يد حسن؟ لو كانت أمامي الآن لَقطعتُ شعرها وجلدُها، لَجعلتها تتمنى لو لم تُولد!"
ضحك عمران ووالده عليها بيأس، ثم أشار رفعت لابنه أن يستكمل القراءة مرة أخرى.
تابع عمران القراءة بعدما أمسك بالورقة التالية:
_"في اليوم التالي من ذهاب سعاد وبرفقتها الصغيرة إلى إحدى القرى الريفية بالفيوم، رأيتها تدخل القصر بمفردها، لا حقائب معها ولا خديجة.
وقفتُ من مقعدي أتأملها بدهشة من عودتها السريعة، وما كدت أن أتحدث حتى رأيت حسن هو الآخر يجاورها الوقوف، وكلاهما ينظران إليّ بنظراتٍ مختلفة وخبيثة.
كانت نظرات الكره تنبع من عيني حسن حتى شعرت بها تكاد تقتلني، بينما سعاد كانت تنظر إليّ بشماتةٍ واضحة.
حاولت الثبات في موضعي ووجهت إليها سؤالي عن الصغيرة، فأجابت كاذبة بأنها تركتها برفقة والدتها في القاهرة وعادت اليوم لأن لديها بعض الأعمال المهمة.
كنت أعلم أنها تكذب، ولكن لم أُبدِ ذلك، فقط أومأت لها برأسي وتركتهما وغادرت المكان ذاهبًا إلى غرفتي."
هتفت ليلى بفضول فور أن لاحظت توقف عمران عن القراءة:
_"هيا تابع، ماذا بعد؟ ما الذي حدث بعدها؟"
أجاب عمران وهو يطوي الورقة بعدما وصل لنهايتها:
_"لا يوجد شيء آخر في الورقة، فقد أنهيت قراءتها. سنرى الورقة الأخيرة إذًا."
فتح الورقة الثالثة والأخيرة وقرأ:
_"حينها تركتهما وصعدت إلى غرفتي، أخذت دوائي وقررت أن أستريح، ولكن كان لابني رأيٌ آخر، إذ صعد خلفي وجلس بجانبي على الفراش، ودون مقدمات سألني سؤالًا واحدًا لم أستطع الرد عليه حتى الآن:
«بابا، أود أن أسألك عن شيء... لماذا أحببتَ هاشم أكثر مني؟ بل لماذا زوّجته سعاد رغم معرفتك بإعجابي بها؟ والأهم، لِمَ هو المفضل لديك دومًا؟»"
توقف عمران عن القراءة عندما وصل لنهاية الصفحة ولم يجد بها شيئًا آخر، فتحدث بحنق:
_"انتهت الكلمات من الورقة، ولا توجد رسائل أخرى. كيف سنتمكن من فك هذا اللغز الآن؟"
أجابه والده بهدوءٍ حكيم:
_"بل الآن بدأنا في فك اللغز يا عزيزي."
تعجب عمران من إجابة والده، وشارَكته الدهشة ليلى التي لم تستطع الصبر، فقالت بتسرّعٍ فضوليّ:
"وكيف ذلك يا أستاذ رفعت؟ كيف نكون قد بدأنا في حلّ اللغز، ولا يوجد شيء آخر يساعدنا على فهم ما حدث في الماضي؟"
أرضى رفعت فضولَهما وأجاب بثقة:
"إذا استطعنا معرفة المكان السري الذي يقصده السيد توفيق، فسنجد عنده كل الإجابات التي نبحث عنها، وسَتحلّ جميع الألغاز. فما دام قد حرص عليه إلى هذا الحد، فلابد أن ما أُخفي فيه كان أعظم."
•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية