رواية احببت نصابا الفصل الثامن 8 - بقلم نسرين بلعيجلي
الحلقه 8
رجفت ركبتاها وهي تسمع صوته من البلكونة، كأن كل كلمة خنجر يغوص أعمق في صدرها. دموعها سالت بلا وعي، لكنها بلعت شهقتها، ومسحت وجهها سريعًا بيد مرتعشة. التفتت بهدوء، وسارت إلى المطبخ كأنها لم تسمع شيئًا.
وقفت أمام الغلاية، يداها ترتعشان وهي تملأ الفنجان. كانت تشعر أن كل حركة تثقل عليها أطنانًا، أن القهوة تغلي ببطء شديد كأنها تُعذبها. همست لنفسها :
"إقوي يا نور.. خليكِ قوية.. ما تظهريش اللي جواكِ."
أخذت الفنجان على صينية صغيرة، وتقدمت بخطوات ثابتة رغم أن الأرض كانت تهتز تحتها. دخلت الصالة، وجدته جالسًا على الكنبة، هاتفه بجانبه، سيجارة بين أصابعه، وعيناه شاردتان في اللاشيء.
إبتسمت إبتسامة باهتة، وضعت القهوة أمامه :
"إتفضل يا رياض."
رفع عينيه إليها، تفحص ملامحها، لكنها كانت قد ارتدت قناعًا من هدوء مصطنع. جلست مقابله، وضمت يديها في حجرها كي تخفي ارتعاشهما.
إرتشف رشفة من القهوة وقال بخفّة :
"إيه يا حبيبتي، شكلك تعبانة شوية."
أجابت بصوت هادئ، مبحوح لكنه متماسك :
"يمكن… يمكن من كثر التفكير. بس أنا كويسة طول ما إنت معايا."
أطرق للحظة، ثم ابتسم لها ابتسامة دافئة. لم يكن يعرف أن تلك الكلمات خرجت من قلب يتفتت. هي، من ناحيتها، جلست تحدّق في ملامحه.. تتساءل بداخلها :
إزاي قِدر يقول "أنا معاك" وهو لسه من دقائق كان بيبيعني على التليفون؟
لكنها لم تُظهر شيئًا. رفعت فنجانها، شربت رشفة صغيرة، وابتسمت ابتسامة هادئة جدًا، إبتسامة كانت أقرب لابتسامة الموت.
جلس رياض على الكنبة، سيجارته تشتعل ببطء بين أصابعه، عيونه فيها بريق غريب، بريق طمع أكثر من أي شيء آخر.
قال بصوت واثق :
"بصي يا نور، أنا فكرت. علشان مشروعنا يكبر بسرعة ويقف على رجليه، لازم ناخذ قرض محترم من البنك. مش مبلغ صغير، لأ، مبلغ كبير يخلينا نتحرك بحرية. ندمج السيولة اللي عندنا بالقرض، وساعتها المشروع يبقى حاجة كبيرة، حاجة تفتح بيوت."
نور ظلت صامتة، عينيها مثبتة في وجهه. كانت تراه يتكلم بحماس ممثل بارع، يلوّن كلماته بالثقة والوعود، وكأن مستقبلهما المشرق يتوقف على هذا القرض.
مال بجسده للأمام، صوته أكثر دفئًا :
"أنا اللي هاتصرف في الميزانية كلها. عندي خبرة، باعرف أحط القرش في مكانه الصح. إنتِ بس وافقي والباقي عليا."
نور رفعت حاجبها بخفة، إبتسمت إبتسامة باهتة وهي تراقبه. بداخلها كانت تصرخ : شايفاك… شايفة الشيطان اللي جواك، شايفة قناعك المرسوم بدقة.
لكنها تماسكت. أخذت نفسًا عميقًا وقالت بهدوء :
"عارف يا رياض، أنا فعلاً أعرف مدير بنك. كان صاحب جوزي الله يرحمه. ممكن يساعدنا في الإجراءات، يسهل علينا الموضوع."
لمعت عيناه، وقف بسرعة، صوته متحمس :
"الله! طب إيه اللي مستنينا؟ لازم نروح له فورًا. مانضيعش وقت. كل يوم يفرق. إحنا قدامنا فرصة ذهبية"
نور نظرت له نظرة طويلة، كأنها تحاول أن تخترق روحه. كانت ترى كيف يضغط عليها بالكلام، كيف يلف الحبال حول عنقها بكلماته المعسولة. في داخلها، رغبت أن تمد يدها وتخنقه، أن تسكت هذا الصوت المليء بالخداع.
لكنها أطبقت يديها على فخذيها بقوة، حتى كادت أظافرها تغرز في جلدها، وقالت لنفسها بصوت داخلي :
"لازم أبقى أقوى منه، لازم أكون أذكى. لو ضعفت دلوقتي، هو اللي هينتصر."
إبتسمت له إبتسامة رقيقة، وقالت :
"تمام يا رياض، نشوفه بكرة."
انفجر بابتسامة انتصار، مد يده ليأخذ يدها، وضغط عليها بقوة وهو يقول :
"إنتِ هتشوفي… مشروعنا ده هيغيّر حياتنا كلها."
لكن نور، في داخلها، لم ترَ سوى الحقيقة : لم يكن مشروعًا، بل كان فخًا، وحبها القديم صار هو الشبكة اللي يحاول يصطادها بيها.
جلس رياض ممسكًا يدها، يحدق فيها باندفاعة اعتادها؛ ثم شعر فجأة بشيءٍ غريبٍ يختلج صدره. نظراتها لم تعد كما عرفها. لم تحمل الحماس الذي كان ينعش قلبه، ولا اللهفة التي كانت تطير به. كانت عيناها ساكنتين، باردتين؛ كأنّها تخفي في أعماقها بحرًا لا يعرفه أحد.
إبتسم ابتسامة مصطنعة، لكن داخله اطلع له اهتزاز. همس في نفسه بعجبٍ مكبوت : «معقول… سمعتني؟»
خفق قلبه بسرعة، وقطرت منه قطرات عرق بارد على جبينه. هزّ رأسه سريعًا محاولًا طرد الفكرة، وقال بصوتٍ داخليٍّ مصمم : «لا… لا مستحيل. لو كانت سمعتني ما كانتش هتقعد قدامي بالهدوء ده. نور غبية وعصبية، لو عرفت حاجة، كانت إنفجرت، صرخت، مسكت فيا من هدومي، مش كانت تقعد تبتسم وتقول "تمام يا رياض".»
ضحك ضحكة قصيرة، محاولًا أن يقنع نفسه، ومع ذلك بقيت عيناه تترصّدها بغيظٍ وحذر. صار كل لفظ منها سببًا للريبة، كل ابتسامة بداخله مرآة تكشف وجهه الحقيقي، وكل حركةٍ منها باتت تحت المجهر.
ونور كانت جالسة أمامه، تحتمي بمظهر العادية، لكن قلبها كان ينزف صامتًا. هي رأت فيه الممثل البارع، وحفظت تقاسيم التمثيل جيدًا، أما لسانها فظل صامتًا، بينما عقلها ينقش خطةً جديدةً بعناية: «أيوه يا رياض، العب لعبتك. بس أنا كمان عندي دور، ومش هسيبك تخلّص عليا زي باقي الضحايا.»
كان رياض ما زال ممسكًا بيدها، صوته يقطر إصرارًا لا يقبل نقاشًا.
قال وهو يبتسم ابتسامة ظاهرها طمأنينة وباطنها ضغط :
"بصي يا نور، أنا مش عايز الموضوع يتأخر. إتصلي بمدير البنك دلوقتي، خلينا نحدد معاه ميعاد، ولو نقدر نقابله النهاردة يبقى أحسن. كل يوم بيعدّي بيفرّق في المشروع."
نور شعرت كأن الجدران تضيق عليها. قلبها متلخبط، عقلها يصرخ : هو بيحاصرني، مش مديّني حتى نفس ألتقطه.
لكنها تماسكت، إرتدت نفس الإبتسامة الباهتة، وأومأت برأسها بهدوء :
"تمام يا رياض، هكلمه."
أخرجت هاتفها، وضغطت الرقم بيد مرتعشة، بينما هو يراقبها بعينيه كالصقر. لحظة الاتصال كانت ثقيلة، وكأن الزمن يتباطأ.
لكن من حسن حظها، جاءها صوت مدير البنك سريعًا، وبعد دقائق من الكلام البسيط، وافق على مقابلتهم بعد ساعة واحدة.
أغلقت الخط، رفعت عينيها نحو رياض، قالت بهدوء متزن :
"إدانا ميعاد بعد ساعة."
تهلّل وجهه بابتسامة انتصار، كأنه صاد سمكة وقعت في شباكه وقال :
"برافو! كده الصح. مش عايزين نضيّع أي فرصة."
أما نور، فجلست صامتة، تخفي ارتجاف قلبها. داخليًا كانت تتمتم : يا رب.. يقيني فيك كبير. إنت مش هتسيبني. لازم أفضل أمثل عليه لآخر لحظة، علشان أعرف أنقذ نفسي وبنتي من غير ما يشك.
وضمت كفيها في حجرها، وعينيها تلمعان بمزيج من الخوف والإيمان، ممثلة دور العاشقة الواثقة، بينما بداخلها نار تشتعل وتخطط للنجاة.
خرج رياض من مكانه، وقف يتحرّك في الصالة كأنه ملك الموقف. سيجارته في يده وصوته مليء بالثقة :
"أنا هتكلم معاه في كل التفاصيل. إنتِ بس أسكتي، خلي الكلام كله عليا. مش عايز أي حاجة تبوّظ الصورة اللي أنا عاملها."
نور أومأت برأسها، إبتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها موافقة، بينما في داخلها كانت تردد : هو فاكرني دمية في إيده، فاكرني مش شايفة القناع اللي لابسه.
جلس بجانبها من جديد، أمسك يدها وضغط عليها بقوة :
"إنتِ عارفة يا نور، المشروع ده مش ليا لوحدي، ده لينا. أنا عايز أعملك ملكة، أخلي الناس كلها تبصلك وتقول : دي مرات رياض اللي عملت الإمبراطورية دي."
نور اكتفت بالصمت، عينيها ثابتة في وجهه، لكنها لم ترَ إلا الشيطان يختبئ خلف كلماته. قلبها ينزف، لكن عقلها بدأ يخط خُطوط النجاة : لو لعبت غلط دلوقتي هو هيلتهمني أنا ومريم. لازم أسايره لحد ما ألاقي الثغرة اللي أقدر أهرب منها.
مرت الدقائق ثقيلة. رياض كان يشرح بحماس، يرفع صوته ويخفضه كأنه يلقي خطابًا، يرسم أحلامًا من ذهب، يلوّن المستقبل بألوان زائفة.
أما هي، فكانت تهز رأسها فقط، تبتسم ابتسامة هادئة، وتهمس أحيانًا :
"عندك حق يا رياض، أكيد كله هيبقى تمام."
لكن داخلها كان يموج بعاصفة : أنا مش غبية زي ما إنتَ فاكر، وأنا مش ضعيفة. المرة دي، يا رياض، إنتَ اللي هتتحرق مش أنا. النار اللي أنا شفتها في الحلم هتولع فيك إنتَ.
دقّ جرس الساعة، اقترب الموعد. وقف رياض بسرعة، أطفأ سيجارته، وأخذ مفاتيحه بلهفة :
"يلا يا نور، معادنا قرب. النهارده بداية حياتنا الجديدة."
نور وقفت ببطء، رفعت عينيها للسماء وهمست في سرها :
"اللهم دبر لي فإني لا أحسن التدبير."
ثم حملت حقيبتها، وسارت بجواره، بخطوات هادئة من الخارج، لكنها من الداخل كانت تتهيأ لمعركة مصيرية تعرف أن الفوز فيها لا يكون إلا بالذكاء والصبر.
ركبت نور سيارتها وجلست خلف المقود، يداها على الدركسيون تتماسك رغم الارتجاف الخفي في أصابعها. رياض جلس بجوارها، ألقى جسده للخلف وكأنه مرتاح، لكن عينيه لم تفارق شاشة هاتفه. كان يكتب باستمرار، يرد بسرعة، يضحك ضحكات قصيرة متقطعة.
نور كانت تتابعه من طرف عينها، قلبها يغلي. مين اللي بيراسلها طول الوقت؟
تذكرت صوته وهو يقول : "أنتِ بس اللي مراتي." ثم صوته مع التانية : "بحبك يا جميل."
الأسئلة تقاتلت في رأسها:
– هل هو متزوج فعلًا؟
– ولا دي عشيقة؟
– ولا فيه عصابة وبيأدي أوامر؟
كل الاحتمالات دارت كالسكاكين، تمزقها.
تنفست بعمق، وهي تحاول تثبيت عينيها على الطريق. يا رب.. أنا كنت غبية للدرجة دي؟
أمسكت الدركسيون بقوة، كأنها لو تركته لحظة سيسقط العالم كله.
رياض التفت إليها فجأة، لاحظ أن ملامحها ليست هي نفسها. لا لهفة، لا ابتسامة عفوية. في عينيها شيء مختلف.. شيء لم يعرفه من قبل. ضيّق عينيه وهو يراقبها : إيه اللي جرى لك يا نور؟ معقول سمعتني؟
إبتسم ابتسامة جانبية، يحاول أن يخفي ارتباكه. لكن قلبه ارتبك أكثر.
أما هي، فكانت تحاول أن تخفي ارتجافها بالدعاء. شفتاها تتحركان بصمت، قلبها يهمس في سرها :
"اللهم اجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه."
كلما ردّدته، أحست بطمأنينة خفيفة، وكأنها تحيط نفسها بسور من نور وسط هذا الظلام الجالس بجانبها.
كان الطريق صامتًا إلا من صوت محرك السيارة، لكنه في داخلها كان عاصفة. وبينما هو يكتب رسائل جديدة، كانت هي تكتب خطة أخرى بخيوط الدعاء والإيمان والصبر.
السيارة شقت طريقها وسط الزحام، وكل ثانية كانت كأنها ساعة. نور قبضت على عجلة القيادة، تنظر إلى الأمام بثبات مصطنع، بينما قلبها يلهث داخليًا.
رياض بجانبها، مازال ممسكًا بالهاتف، أصابعه تتحرك بسرعة، عيناه تلمعان بخبث لم يعد يستطيع أن يخفيه. بين حين وآخر، يطلق ضحكة قصيرة وهو يكتب :
"ما تقلقيش، كله ماشي زي ما خططنا."
ثم يضغط على زر الإرسال، وكأنه يغرز سكينًا جديدًا في قلبها.
نور كانت تسمعه دون أن تنظر، كل كلمة تزيد يقينها. هو مش لوحده، في حد وراه. وأنا كنت مجرد طُعم.
بينما السيارة تقترب من قلب المدينة، عيناها انعكستا في المرآة. لم ترَ وجهها المعتاد، بل امرأة أخرى. امرأة مكسورة، لكنها مصممة ألا تُكسر أكثر.
– "اللهم اجعل كيده في نحره، وأرني فيه قدرتك."
رددت الدعاء بصوت منخفض، كأنه وقود يمدها بالقوة.
Nisrine Bellaajili
رياض التفت إليها فجأة، صوته فيه نغمة ريبة :
"مالك ساكتة ليه؟ شكلك مش زي العادة، إيه يا نور، زعلانة مني؟"
إبتسمت ابتسامة صغيرة، متعبة، لكنها أخفت العاصفة بداخلها :
"أنا بس مركزة في الطريق، عايزة أوصل بسرعة."
ضحك بخفة :
"إنتِ دايمًا كده، قلبك أبيض زيادة. سيبيني أنا أتصرف، وكل حاجة هتمشي زي الفل."
لكن داخله، كان ناقوس الخطر يدق. نظرتها مش مطمّنة، فيه حاجة اتغيرت فيها.
ومع ذلك، هز رأسه وقال لنفسه : مستحيل، لو كانت سمعت حاجة، ما كانتش قاعدة تسوقني دلوقتي. دي كانت عملت حفلة فضايح.
السيارة توقفت أمام البنك. مبنى مرتفع، زجاجه يلمع تحت شمس ما بعد الظهيرة. نور ركنت السيارة ببطء، أغلقت المحرك، وجلست لحظة قبل أن تنطق.
نور:
"يلا يا رياض."
قالتها بابتسامة رقيقة، بينما قلبها يصرخ : اللهم ثبتني، خليني أعدي من المصيدة دي.
عدل جاكيتته، مسح على شعره، وأمسك يدها قبل ما ينزل :
"النهاردة بداية جديدة، هتشوفي."
لكنها، وهي تسحب يدها بهدوء، فكرت :
أيوه، بداية جديدة. بس مش زي ما إنت متخيل يا رياض.
دخلت نور إلى البنك بخطوات ثابتة، رغم أن قلبها كان يرتجف بداخلها. المكان فخم، الأرضية من الرخام اللامع، والموظفين يتحركون بلباقة، يوزّعون ابتسامات رسمية على العملاء.
رياض كان بجانبها، متألق كالعادة بمظهره المرتّب، يحاول أن يخفي توثره بابتسامة واثقة. ما كفّش عن الكلام طول ما هم ماشيين ناحية المكتب :
"بصي يا نور، هنقول إن المشروع قايم ومستقر، وإنتِ ضامنة معايا. المدير صاحبك هيفرح إنك داخلة معايا وهيسهّل كل حاجة."
نور أومأت برأسها، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفايفها. لكن في عينيها كان فيه شيء مختلف، شيء رياض ما قدرش يفسّره.
وصلوا إلى مكتب المدير. رجل خمسيني، أنيق، بشوش الملامح، وقف يسلّم على نور بحرارة :
"أهلًا أستاذة نور، من زمان ما شفناكيش. إتفضلي، اتفضلي."
إبتسمت وهي تسلّم عليه :
"إزيك يا أستاذ سامي؟ ماعلش على الغيبة، الحياة خدتنا."
إلتفت سامي ليرى رياض، مدّ إيده يسلم عليه :
"حضرتك تبقى…؟"
رياض ابتسم ابتسامة ساحرة :
"أنا رياض، خطيب نور. جايين نتكلم مع حضرتك في موضوع مهم."
جلسوا جميعًا. سامي طلب قهوة، وبعد دقائق بدأ رياض يعرض فكرته. صوته كان مليان ثقة وحماس :
"بص يا أستاذ سامي، إحنا عايزين ناخذ قرض محترم. مشروع إستثماري كبير، مضمون النجاح. أنا معايا خبرة في المجال ده، وكل اللي محتاجينه سيولة أولية علشان نتحرك بسرعة. وصدقني العائد مضمون."
سامي رفع حاجبه، ونظر إلى نور :
"وإنتِ شايفة إيه يا أستاذة نور؟"
هنا، نور أخذت نفس عميق. عينيها قابلت عيني سامي، وفيها رسالة صامتة : ساعدني. من غير ما هو يشك.
قالت بابتسامة هادئة :
"أنا واثقة في رياض، هو شايف إن المشروع هينجح. وأنا هنا علشان أدعمه. بس طبعًا أنا محتاجة ضمانات واضحة."
رياض قاطع بسرعة :
"أكيد، أكيد! أنا اللي هتصرف في الميزانية كلها. إنتوا بس وافقوا على القرض، والباقي عليا."
نور لمعت عينيها، وهي ترد بنبرة عادية لكن حادة :
"بس يا رياض القرض هيبقى باسمي برضه. يبقى لازم أنا أكون متابعة كل التفاصيل. مش هوقّع على ورقة إلا وأنا فاهمة."
رياض ضحك وهو يهز راسه :
"يا حبيبتي، أنا وإنتِ واحد، إيه يعني التفاصيل الصغيرة دي؟"
نور ضحكت بخفة :
"مش صغيرة يا رياض، دي حياتي وحياة بنتي."
سامي تدخّل وهو يحاول كَسْرَ التوثر :
"أنا شايف إننا نمشي بالخطوات الرسمية. نجهز الأوراق، ونحدد قيمة القرض، وبعدها نشوف خطة الصرف. وكل حاجة لازم تكون واضحة ومكتوبة."
نور بصت لمدير البنك، وشكرته بعينيها.
رياض، رغم ابتسامته المصطنعة، كان بيغلي من جوّا. حس إن نور مش نفس البنت المستسلمة اللي عرفها. كان شايف في كلامها قوة، وفي عينيها تحدي.
وهو بيوقع على ورقة مبدئية، عقله كان شغال : معقول سمعتني؟ لا… لا مستحيل. بس ليه عينيها فيها اللمعة دي؟
أما نور، وهي بتوقع بدورها، كان عقلها بيقول :
النهاردة بداية لعبة جديدة. وهو مش عارف إن الليلة دي أنا اللي ماسكة خيوطها.
–
خرج رياض ونور من باب البنك. الجو كان مشمس لكن قلب نور غارق في عاصفة. رياض أشعل سيجارة بسرعة، وابتسم ابتسامة مصطنعة وهو بيقول :
"شُفتِ؟ الأمور ماشية زي الفل. أهو مدير البنك صاحبك فتح لينا الباب على مصراعيه."
نور أومأت برأسها، إبتسمت ابتسامة دافئة وقالت :
"الحمد لله، إنت فعلاً عندك نظرة يا رياض."
لكن وهي بترجع تبص قدامها، كانت عينيها بتتغير، بتلمع بغضب مكتوم. في داخلها كانت بتقول : نظرة نصاب، مش راجل.
ركبوا العربية. رياض كان ماسك تليفونه طول الوقت، إيديه مشغولة يكتب رسائل بسرعة. نور كانت سايقة بهدوء، ملامحها عادية، بس عقلها شغال بأقصى طاقته.
بدأت تسأل نفسها :
مين اللي كلمها وقالها "ما تتصليش كثير"؟ هو متجوز؟ ولا بيلعب على أكتر من واحدة؟ ولا دي شبكة… عصابة كاملة؟
إيديها كانت على الدركسيون، ثابتة، لكن جواها كان فيه زلزال. ومع كل شك، كانت بتردّد في سرها :
"اللهم اجعل كيده في نحره.. واحفظني أنا وبنتي."
رياض بص لها فجأة، وهو بيولع سيجارة تانية. لاحظ الهدوء الغريب اللي لابسها :
"مالك يا نور؟ ساكتة ليه؟ مش فرحانة إننا قطعنا أول خطوة؟"
إبتسمت وهي لسه عينيها على الطريق :
"فرحانة يا رياض، إنت اللي مخليني مطمّنة."
ضحك ضحكة قصيرة، بس قلبه كان بيرجف. دي مش نفس نور، فيه حاجة مختلفة. عينيها مش عينين الحب اللي متعود عليها.
في دماغه صرخة : مستحيل تكون سمعتني، لو سمعت، ما كانتش قاعدة سايقة كده بهدوء. نور دي عاصفة لو اتعصبت. لأ… لأ مستحيل.
لكن رغم محاولاته يقنع نفسه، فضلت نظراته تراقبها في صمت.
ونور… كانت بترسم خطتها في ذهنها : لازم أبان عادية. لازم ألعب لعبته وأطلعه من جحره بنفسه.
بعد ما خرجوا من البنك، الجو في العربية كان تقيل كأن السقف بينزل عليهم. رياض ماسك الموبايل بإيده، كل شوية يكتب بسرعة ويبعث رسائل، لكن ما يردش على المكالمات اللي بترن.
نور كانت سايقة، قلبها بيخبط في صدرها. من أول ما شافت طريقته في البنك، حسّت إن في حاجة مش طبيعية. كان مركز زيادة، كأن كل كلمة بتتقال بتتخزن عنده.
نسرين بلعجيلي
فجأة قال بنبرة عادية جدًا، كأنه بيتأكد من شيء عابر :
"إنتِ متأكدة من كلام مدير البنك؟ يعني بجد هيخلص لينا القرض بالسلاسة دي؟"
نور عضّت على شفايفها، وبصت لقدام. ردّت بهدوء :
"أيوه… أنا متأكدة. الراجل ده كان صاحب جوزي الله يرحمه، وهو اللي كان بيخلص له كل حاجة قبل كده."
هزّ رياض راسه، إبتسم ابتسامة صغيرة مصطنعة، وقال بنبرة باردة:
"كويس، علشان أنا سجلت كل اللي اتقال، ولسه هراجع التسجيل تاني عشان أتأكد من التفاصيل."
الكلمات غرست في قلبها زي خنجر. ما علّقتش. بس جواها، عرفت الحقيقة : هو ما بيكلمهاش، هو بيراقبها. ما يديهاش ثقة حقيقية.
نور بصت له بسرعة وهي بتسوق، ولاحظت وشه اتغيّر، كان متوتر، وعينيه فيها قلق مش مفهوم. في اللحظة دي حسّت إن رياض مش مجرد نصاب، ده مربوط بناس أكبر منه.
هي ما قالتش كلمة. فضلت ساكتة، بس جواها ارتفع الدعاء :
"اللهم اجعل كيده في نحره… اللهم نجني وابنتي من شره."
وصلوا البيت بعد يوم طويل. نور دخلت وهي تحاول تبان هادئة، لكن قلبها كان بيخبط في صدرها كأنه ناقوس خطر. رياض دخل وراها، رمى جاكتتُه على الكنبة، مسك سيجارة وأشعلها بسرعة.
الموبايل رنّ مرة… واثنين … وتلاتة.
هو مسكُه، وبسرعة راح على البلكونة.
نور وقفت مكانها تتابعه بعينين مرعوبتين. شافت ضهره وهو واقف، كتفه متشنج، إيده بترتعش وهو ماسك التليفون. صوته كان غاضب، عالي رغم إنه بيحاول يهدّيه:
"أنا قُلتلكم سيبوني أخلصها على راحتي!… آه… فاهم. بس مش كده."
إتسعت عيون نور وهي تسمع نبرة امرأة ترد بعصبية من بعيد. ما فهمتش الكلمات، لكن نبرتها كانت مليانة تهديد. رياض رفع صوته أكتر، عصبيته واضحة :
"خلاص! هخلص كل حاجة بكرة، ما تقلقوش. بس إوعوا تفكروا إني مش عارف إنتوا بتلعبوا إزاي."
إنتهت المكالمة وهو يزفر بقوة، مسك رأسه بيده كأنه هيطير من الضغط.
نور، اللي كانت واقفة في الصالة متجمدة، اتجهت للمطبخ بخطوات متسارعة. وقفت قدام الحوض، مسكت كوب مية، بس إيدها بترتعش لدرجة إن المية اترشّت على الأرض.
"بكرة كتب الكتاب… بكرة هيضيعني ويمضيني على كل حاجة."
جملتها الداخلية كانت بتدور في دماغها كطاحونة. حاولت تفكر بسرعة : إزاي تهرب؟ إزاي تحمي نفسها وبنتها؟
لكن عقلها كان مثقل، وأفكارها متشابكة. مسكت الرخامة بكل قوتها علشان ما تنهارش.
وفجأة… سمعت خطواته وراه.
التفتت بسرعة، وصرخت شهقة مكتومة.
كان واقف في باب المطبخ، ضله ممدود على الحائط، عينيه حمرا من الغضب والتعب، ملامحه غامقة… وكأنه شيطان طالع من الظلام.
ابتسم ابتسامة باهتة، لكن عينيه كان فيها بريق قاتل.
تقدّم خطوة ناحيتها، صوته خارج هامس ومرعب :
"إنتِ فاكرة تقدري تضحكي عليا يا نور؟"
نور تراجعت خطوة، ضهرها اتسند للرخامة، إيديها بتترعش. هو قرب أكثر … وأكثر … لحد ما صارت أنفاسه الحارّة على وشها.
المطبخ غرق في صمت مخيف.
في اللحظة دي، نور حسّت إنها واقفة قدام نهايتها.
يتبع
•تابع الفصل التالي "رواية احببت نصابا" اضغط على اسم الرواية