رواية زواج اشتراكي الفصل السابع 7 - بقلم هيام عمر

 رواية زواج اشتراكي الفصل السابع 7 - بقلم هيام عمر

الفصل السابع:
في الغد كان الثّنائي مدعوّا للعشاء في بيت السيّد عمر، الذي رحّب بهما أشدّ ترحيب رفقة زوجته السيّدة مريم والتي لم تدّخر من جهدها هي الأخرى في اظهار فرحتها بقدومهما.
أعجبت منى بمظهر السيّدة مريم بشعرها الكستنائي المنساب على كتفيها وثيابها الجميلة ذلك بجانب ما شهدته لها من أخلاق وطيبة حيث سرّها وجودها بجانبها وراحت تحدّثها طويلا عن أجواء النّدوة الصّحفيّة وحال والدها وما ينتظرها من دراسة متراكمة متفادية الحديث عن علاقتها بابنها وما يجانبها من مواضيع.
ثمّ راحت تساعدها في اعداد الطّعام وحينما بدأت بإعداد الطّاولة وقف عزيز من فوره لمساعدتها في ذلك.
جلس الجميع لتناول العشاء فطلب السيّد عمر من ابنه مرافقته الى مكتبه بعد تفرّغه من الأكل ليقوما بمناقشة بعض الأعمال، أكملت العائلة عشاءها في صمت ونهضت منى تلملم الطّاولة بمساعدة عزيز.
نظر الأبوان الى بعضها البعض في ابتسامة خفيّة وهما يريان ابنهما يساعد لأوّل مرّة في الأعمال المنزليّة.
حين فرغوا، أعدّت منى قهوة لكلّ من السيّد عمر وعزيز ليأخذاها معهما، ثمّ أعدّت أخرى لها ولحماتها حملتها الى غرفة الجلوس أين جلسا يتسامران بينما يحتسيان القهوة.
شكرت منى السيّدة مريم على العشاء وراحت تمدح طبخها فأجابتها وقد طبعت على شفتيها ابتسامة ملؤها الدّفء:
_" بل أنا من يجب عليه شكرك بنيّتي، لاحظت اليوم كم أنّ عزيز تغيّر للأحسن خلال أيّام قليلة."
خجلت الفتاة وراح الدّم يتجمّع في خدّيها بينما تتذكّر أجواء ومسبّبات ذاك التّغيير الذي تلمّح له حماتها.
تأخّر عزيز وهو يراجع الأعمال مع والده فرافقت السيّدة مريم منى الى غرفة ابنها مصرّة عليها للخلود الى النّوم وعدم انتظارهم أكثر من ذلك.
جلست الشابّة تتفحّص الغرفة بينما غادرت الأمّ للنّوم هي الأخرى.
كانت الجدران محمّلة بعدّة صور لعزيز مع أصدقائه وأفراد عائلته، وكانت احداها صورة جماعيّة له مع زملائه في المدرسة.
ظلّت تبحث عنه بين وجوه الأطفال البارزة في الصّورة، لكنّها توقّفت عند طفل بينهم ظلّت تتفحّص ملامحه للحظات ثمّ قالت في صدمة:
_" انّه ذات الطّفل الذي كنت ممسكة بيده في الصّورة التي وجدتها في غرفتي."
أطرقت مفكّرة لبرهة ثمّ تساءلت في قلق:
_" أيعقل أن يكون عزيز هو هذا الطّفل؟"
لم تكن تستطيع كبح نفسها حتّى الصّباح لذلك أخذت الصّورة وتوجّهت من فورها الى غرفة السيّدة مريم راجية ألا تكون قد سبق ونامت.
طرقت بضع طرقات خفيفة متوجّسة قبل أن يأتيها صوت الأمّ تأذن لها بالدّخول.
ففتحت الباب وخطت خطوة الى الأمام قبل أن تقول:
_" أتمنّى ألّا أكون قد قطعت نومك."
أجابت مريم مطمئنة:
_" لا عليك يا ابنتي، لم أنم بعد، أنا معتادة على قراءة ورد من القرآن قبل النّوم اذ لا أستطيع التّفرّغ له بين أعمال المنزل خلال النّهار."
_" تقبّل اللّه منك."
أجابت منى في خجل دون أن تضيف شيئا فدعتها الأمّ للجلوس بجانبها والافصاح عمّا يجول في خاطرها.
_" حقيقة، لقد كنت أشاهد الصّور المعلّقة في غرفة عزيز وقد شدّتني هذه الصّورة."
أجابت مشيرة الى الصّورة التي بيدها ثمّ واصلت:
_" لكنّني لم أعلم أيّهم هو عزيز، أعتقد أنّ ملامحه تغيّرت كثيرا خلال مراحل نموّه."
ضحكت الأمّ حاملة الصّورة تتمعّنها قبل أن تجيبها:
_" أجل، لقد كان يملك ملامح مختلفة كلّ مرحلة من مراحل نموّه، حتّى أنّ عينيه كانت خضراء اللّون حين ولد لكنّها أصبحت عسليّة بمرور الوقت."
نظرت اليها ثمّ أشارت بإصبعها على احدى الأطفال مواصلة الحديث:
_" ها هو عزيز، صاحب الملامح الطّفوليّة والبريئة، هو للآن يحمل هذه البراءة بين تقاسيم وجهه."
حرّكت منى رأسها مؤيّدة وراحا يتحدّثان لبرهة عن عزيز وطفولته قبل أن تغادر الغرفة مودّعة ايّاها
_" تصبحين على خير"
ردّت الأمّ تحيّتها مقبّلة إياها.
عادت منى الى غرفة زوجها حاملة معها انتصارا وحيرة.
لقد انكشف السّبب الكامن وراء سعي والدها الى تزويجها من عزيز فلماذا كذب مرّة أخرى حين أرته تلك الصّورة ليدّعي أنّ الطّفل الذي كان يرافقهما فيها، والذي اتّضح أنّه عزيز، ابن الجيران. أتكون عائلة السيّد عمر كانت تسكن بجانبهم في الماضي؟ وحتّى ان كان الأمر كذلك، كان من الأسهل والأصحّ أن يخبرها أنّ الطّفل هو عزيز زوجها الحالي.
أحسّت بعبثيّة أفكارها ولم تعرف ما عليها تصديقه فأعادت الصّورة الى مكانها وخلدت الى النّوم.
أكمل عزيز العمل مع والده في وقت متأخّر فعاد الى غرفته ليجد منى نائمة.
غيّر ملابسه ثمّ اقترب منها جالسا بجانب السّرير يراقبها بينما تغطّ في نومها.
كانت ملامحها بريئة ملؤها السّكون كما لو لم تكن ذات الفتاة التي تحاول دون توقّف، طالما عيناها مفتوحتان، افساد مزاجه.
نامت المسكينة مرتدية حجابها وقد تقدّم حتّى كاد أن يخنقها.
اقترب منها أكثر ليبعد الحجاب عن وجهها حتّى لا تختنق، غير أنّها فتحت عيناها في ذعر وقد كان وجهه قريبا منها ووقفت من فورها فوق السّرير صارخة في صدمة:
_" ماذا تفعل؟"
انقضّ على فمها بسرعة يغلقه قبل أن تفزع بصراخها والديه، وقال هامسا بينما لا تزال يده مطبقة عليها:
_" كنت على وشك الاختناق بحجابك لذلك حاولت مساعدتك، لا تجعليني أندم على عدم السّماح لقطعة القماش تلك بأن تكتم على نفسك وتريحني منك."
أبعدت يديه عن شفتيها في غضب ونظرت اليه مضيّقة عيناها في شكّ ثمّ قالت منبّهة:
_"وماذا تفعل هنا أصلا؟ لا تحلم أن تنام معي في نفس الغرفة، فلتجد لك مكانا لتنام فيه."
_" حسنا، سأذهب لأقول لوالديّ أنّ زوجتي لا تريدني معها في ذات الغرفة، ولتتحمّلي حينها أسئلتهم التي لا تنتهي."
أجابت في غضب:
_" هذه مشكلتك، ما كان عليك التّأخّر هكذا في العمل، لو لم تفعل لما اضطررنا للنّوم هنا، فلتجد حلّا الآن."
_" لا تريدين النّوم في ذات الغرفة، حسنا، لن ننام إذا فلنبقى مستيقظين حتّى الصّباح، نفطر مع العائلة ونغادر لننام في المنزل."
حين اقترح الفكرة، كان عزيز يراهن على عدم قدرتها على مقاومة النّوم وأنّها سريعا ما ستغطّ في نومها لتتركه بذلك يهنأ بنومه هو الآخر، غير أنّها أجابت في تحدّ وجديّة واضحتان على ملامحها:
_" حسنا اذن كما تريد."
خرجت لتغسل وجهها من آثار النّوم ثمّ عادت سريعا لتضيف:
_" سأعدّ قهوة لنفسي، تريد كوبا؟"
أدرك حينها أنّه أخطأ التّكهّن فقال في استسلام:
_" سادة كالعادة."
غابت لعدّة دقائق ثمّ عادت بالقهوة وبعض البسكويت:
_" صباحا سأخبر الخالة مريم أنّك من شعر بالجوع ليلا وقضى على كلّ البسكويت في المطبخ."
قرّب اليها الطّاولة الصّغيرة التي كانت مركونة بجانب النّافذة لتضع عليها الصينيّة وجلب الكرسيّ ليجلس عليه بينما جلست هي على طرف السّرير.
ترشّفا القهوة في صمت ينظران الى بعضهما البعض في ترقّب الى أن نطق عزيز أخيرا:
_" ان أردت ألاّ ننام عليك التحدّث قليلا حتّى ننشغل عن التّعب، والّا فأؤكّد لك أنّ هذا الكرسي خشبيّ القلب لن يثنيني عن النّوم."
_" فلنلعب لعبة إذا حتّى لا يقودنا الملل الى النّوم."
_"لعبة؟ لم تبدو كلّ أفعالك وأقوالك صبيانيّة؟"
_" حسنا دعك من طفولتي المتأخّرة الآن، سأقترح أن نلعب صراحة أم تحدّ بما أنّها لا تتطلّب تنقّلا ولا ضجيجا."
نظر اليها بريبة ثمّ قال في حماس مفاجئ:
_" من سيبدأ اذن، أنا أم أنت؟"
_" أنا صاحبة الفكرة لذلك أنا من سيبدأ، حقيقة أم تحدّ؟"
_" أنا متعب للغاية لن أقوم عن هذا الكرسيّ الّا للنّوم أو الإفطار، لذلك أختار حقيقة."
_" متى كانت أوّل مرّة التقيتني فيها؟"
_" ان كان هذا ما أردت معرفته من خلال هذه اللّعبة فقد كان عليك فقط أن تسألي دون مراوغة."
_" لا تفترض ما لم أقله، لربّما هذا سؤال تمهيدي فقط."
ضحك من اجابتها قبل أن يجيب:
_" منذ الطّفولة."
رفع يديه موجّها اليها كلتا كفّيه دلالة على صدقه بينما يكمل اجابته:
_" لم أكن أخفي الأمر أساسا، أعلم أنّك رأيت الصّورة المعلّقة لي مع زملاء الصفّ الخامس لأنّك لم تحسني ارجاعها الى موضعها الأوّل، ولا بدّ أنّك ربطت بين تلك الصّورة والصورة التي جمعتنا والتي قد وجدتيها مؤخّرا في غرفتك وعلمت أنّني حبّ طفولتك."
ضحك مكملا:
_" لكن لم يخبرك أحد بذلك لأنّني لم أرد أن تفكّري بي بشكل خاطئ خاصّة وأنّنا كنّا على أبواب زواج ومجبوران على العيش في بيت واحد وما كنت حينها لتثقي بي أبدا."
بينما يحدّثها تذكّرت منى ما قاله في لقائهما الأوّل عن كونها حبّ طفولته وكلّ ذلك التّصريح العاطفي فأسرعت لسؤاله:
_" إذا هل يعني ذلك أنّ ما قلته في لقائنا الأوّل على سبيل المزاح كان حقيقيّا؟"
أجاب في محاولة للتّهرّب:
_" آسف، يسمح لك بسؤال واحد فقط، أيّتها الخبيرة في الألعاب."
تبسّمت ابتسامة لا تخفي اغتياظها وأجابت قبل أن يسأل:
_" حقيقة، لأنّ ظاهري كباطني ولا أخشى الحقائق."
ناظرها في تحدّ ثمّ سأل مبتسما:
_" ما رأيك بي؟"
ارتبكت عيناها بعد أن كانتا مليئتان ثقة وقالت غير قادرة على إخفاء توتّرها:
_" عكس ما قد تظنّ لا أحمل شيئا ضدّك، أنت شخص جيّد حقّا عيبك الوحيد هو أنّك دخلت حياتي بالقوّة."
_" إذا تقولين أنّك كنت لتقعي في حبّي لو التقت طرقنا بطريقة أخرى؟"
_" للأسف القواعد لا تنطبق فقط عليّ، يسمح لك أيضا بسؤال واحد فقط."
أجابت مبتسمة بعد أن استطاعت ردّ استفزازه الّا أنّ صوت هاتفه قطع حديثهما.
قالت منى في استغراب:
_" من هذا الذي يتّصل بك في مثل هذا الوقت؟"
_" وما شأنك؟"
_" لا تنسى أنّك رجل متزوّج الآن أيّها السيّد المحترم."
قالت ذلك خاطفة الهاتف من بين يديه وأجابت سريعا واضعة المكالمة على مكبّر الصّوت.
جاء صوت أمّها الباكي من الجهة الأخرى تخبرهما أنّ والدها قد ساءت حالته وهو في المشفى الآن، أخبرها عزيز أنّهما سيلتحقان بها على الفور وخرجا من فورهما نحو المشفى

•تابع الفصل التالي "رواية زواج اشتراكي" اضغط على اسم الرواية

تعليقات