رواية انين هوى الفصل السابع 7 - بقلم امنية مصطفى

 رواية انين هوى الفصل السابع 7 - بقلم امنية مصطفى


"كنت قاعدة مستثناة لطيفة من بين قواعد الدنيا الصارمة كلها..كنت كالعودة إلى الديار في نهاية المعركة."

انتفض مزدهر، وهب واقفا يقترب من سلمى حيث جلست. قبض على وجهها بكفه الضخم، وراح بصوت كالفحيح يهمس جوار أذنها:
ـ لم اقتله وحدي...قتلناه معا، ولم يكن والدنا هو الضحية الوحيدة يا سلمى، لا تجعلي الأمر يبدو كما لو كنت أنا المستفيد الوحيد من تلك الواقعة.
شدد على كلمة "والدنا"، ثم نفض وجهها عن يده حين افرغ ما بجعبته، فالتفتت هي بجمود تنظر حيث حرك هو رأسها غصبا، أما هو فراح بخطى واثقة يقترب من الشرفة التي كانت خلف البيانو يوليها ظهره.
تنهد، ثم أخذ يردف مستطردا بنبرة هادئة ومغايرة تماما عن تلك الغاضبة التي قذف بها الكلمات في وجهها منذ قليل:
ـ ولم تخططي لتساعديني أنا من الأساس، أعلم جيدا أن هدف خطتك الأساسي كان التخلص من زوجك..كنتِ على استعداد تام أن توسميه بالخيانة وتصبحي أرملة إن كان ذلك هو السبيل الوحيد لخلاصك منه.
لامست سلمى وجهها تتحسس موضع قبضته بألم بينما ترن كلماته في أذنيها كطنين يكاد يفقدها حاسة السمع. كان جليا على ملامحها أن وقع أفعالها ونواياها التي لم تفصح عنها علنا من قبل ثقيل جدا على مسامعها.
نهضت تقترب منه، كانت على وشك الرد وإيقافه عند حده، رأت أنها في طريق تحقيق رغباتها أعطته سلطة تكاد تدهسها، وفي أثناء تنفيذها لخططها نست أمره تماما، نست أن مزدهر في لحظة من اللحظات سيكون هو بذاته جلادها ويدمرها. كانت بداخلها ترفض بشدة أن تكون الشرير الوحيد الذي يهزم في نهاية الرواية. فكرت أنها على الأقل لو هزمت، فلن تسمح بأن تطال الهزيمة رأسها وحدها...ستجعل حينها المقصلة تتسع لرأسين غصبا.
زفرت تجلي الضيق الذي اختلج به صدرها، لكن صوت تهشم شيء زجاجي يتسلل من خلف الباب الموصد قطع عليهما جلسة إعترافاتهما تلك وقذف بقلبيهما الآثمين رعب لا يحتمل، وما زاد من وطئة ذاك التوتر هو التفاتة سلمى المذعورة، حين لاحظت أن الباب كل ذلك الوقت كان مواربا ولم يكن في أي لحظة من اللحظات مغلقا.
●●
سقطت هي الأخرى جوار المزهرية الزجاجية التي تهشمت حين استندت بكل ثقلها على الطاولة التي تجاور الباب، أفقدتها جرعة اعترفات اخويها المكثفة صوابها، فلم تقوى ساقاها على حملها أكثر.
ثم أدركت فجأة فداحة ما حدث، لقد كشفت نفسها، سيتخلصان منها هي أيضا بسهولة جمة بهذا الجسد الضعيف الذي يكبله وهن المرض.
نهضت تتشبث بالجدران، وراحت تركض في طرقات قصرها تائهة لا تدري إلى أين يمكنها الفرار...أين يمكن ان تفر من رأسها ومن ضجيجه؟ وإلى أين تذهب حين يصبح عدوها الأخطر هما الذان تجري بجسديهما نفس دمائها؟
كان خافقها يضرب بصدرها بعنف، وكانت بداخلها تأمره ألف مرة ان يتوقف ويخلصها من ذلك الألم المضني.
وجدت نفسها بلا وعي تسلك طريق السرداب، لا تدري لماذا ألحت عليها رأسها أن تتجاهل تحذير نيرة وتخرج من الغرفة. خرجت عارية القدمين بلا هدى، سمعت صوت البيانو فتبعت نغماته، حتى قادتها ساقاها إلى هلاكها.
اخترقت ذكرياتها ويامن أيكة أفكارها المشعثة بينما تتشبث بالجدران تحاول أن تتماسك حتى تصل إلى زنزانته، تذكرت إحدى حفلات والدها الملك، ورأت للمرة الأولى نظرات سلمى التي اخترقتها حين قدمها والدها إلى الحضور أولا بغير قصد. ظنت في المرة الأولى أنها تتخيل فقررت أن تعمي بصرها عن تصرفات أختها. لكن حين أنشغل الملك عنهما بباقي الضيوف، وقفت سلمى جوار فيروزة التي كانت تبلغ وقتها التاسعة عشر، وقالت دون أن تنظر نحوها مشغولة بمراقبة الحفل:
ـ لا تنخدعي بكلام أبي، لستِ بذاك الجمال، كان يحاول فقط أن يطيب بخاطرك كعادته بينما أنتِ مسخ النظر نحوه لا يطاق..
ثم التفتت نحوها بهدوء، ابتسمت باتساع حين رأت آيات إنكسار فؤاد أختها الصغرى بائنة على وجهها، وراحت بعدها تنضم للحفل بحماس حين طلب منها أحد الحضور أن تعزف لهم مقطوعة اعتادت هي عزفها في كل الحفلات على البيانو.
خرجت حينها راكضة بعيدا عن الحفل بغير هدى، انزوت بركن في الحديقة وأخذت دموعها تترقرق على صدغيها بلا رادع، أحست حينها أن شيئا قاسيا قد اخترق صدرها، وشعرت أنها لو كانت سرابا لا يرى سيكون أهون ألف مرة من وجع خافقها الذي ينهش بصدرها الآن.
سمعته حينها يحمحم خلفها، أحست به يجاورها على المقعد، ورأت بزاوية عينها منديله الذي مده نحوها بهدوء. أرادت في ذلك الحين أن تبتلعها الأرض من تحتها، لكنه بدد لديها كل المشاعر حين نبس متساءلا:
ـ لماذا دائما تسكتين لها؟
ـ هل ستسافر للدراسة مجددا؟
سألته تتهرب من سؤاله الذي تجهل إجابته، كانت لا تفهم لماذا تصبح بهذا الضعف أمام سلمى، كانت تسأل سؤاله هذا لنفسها في اليوم ألف مرة.
ـ لقد عدت للأبد..
سكت لهنيهة يتأمل عينيها التي ملأها الإنكسار، ثم استطرد:
ـ يبدو أن هناك من يحتاج منديلي ليمسح به دموعه في هذه المملكة...وأنا لا أعيش بعيدا عن منديلي ابدا.
مد يده مجددا بالمنديل نحوها، فأخذته بأنامل ترتجف. رق قلبه حين لاحظ ارتجاف كفها، لكنه لم يكن يعلم أن تلك الإرتجافة بالذات كانت ارتجافة الأمان الأولى التي شعرت بها، وكان هو مصدرها.
تناهى لسمعه نغمات البيانو، فالتفت لها ونهض واقفا، سألها بينما يضع ذراعه اليسرى خلف ظهره ويمد اليمنى نحوها:
ـ دعينا لا نفوت الرقصة يا سمو الأميرة.
طالعت كفه الممدودة نحوها بدهشة، كانت تعلم أن الأميرة لا يمكن أن ترقص إلا مع زوجها أو أحد أفراد أسرتها، وكانت متأكدة من علمه بذات الشيء.
نهضت تقف أمامه، فمثل هو أنه يمسك بكفها دون أن يمسكها، وبيده الأخرى حاوط ظهرها دون أن يلمسها، جارت مسرحيته تلك وراحت تضع يدها على كتفه دون لمسه، وراحا يرقصان ونغمات البيانو التي تعزفها الأميرة سلمى تحيطهما وتبارك على قصتهما الساحرة.
رفعت رأسها حين أنتهت الذكرى من بث الصور برأسها، رأت أنها تقترب من زنزانته التي رمته بها بيديها، فشهقت تنتحب مع كل خطوة حين تذكرت أنها كانت كلما تنهشها سلمى بكلماتها الوقحة تجده بطريقة ساحرة يظهر من العدم ويضمد جراحها بإتقان...كان يجيد التربيت على قلبها الهش دون أن يشعرها بأنها تثقل عليه حياته، كان دوما يشعرها بأنها فراشة من فرط الخفة التي تتملكها جواره.
أصاب الثقل أقدامها حين أصبحت تقف أمام الزنزانة، أحست بالخجل يأكلها، فكيف لأول بادرة شك أن تقذف بقلبها القسوة نحو فؤاده الرقيق؟
تساءلت كيف نست كل ذلك الحب وهو الذي كان دوما يشعرها بأنها استثناءه الوحيد؟
فتح الحارس الباب لها حين أطالت الوقوف دون أن تنطق. رأته يرفع رأسه الذي كان يخفيه بين ذراعيه جالسا على الأرض، رق قلبها لحاله ولامت نفسها في تلك اللحظة ألف مرة على تلك الحال التي وصلا لها بسبب غبائها.
حين عانقت عيناه عيناها، هب واقفا من هول صدمته، ظن لوهلة أنه جن من كثرة جلوسه بمفرده في هذه الزنزانة الموحشة، وأنها مجرد هلوسة تتجسد أمامه بوضوح.
ولما دلفت إليه بخطى مترنحة، لحق بها قبل أن تسقط على الأرض، أمسك بذراعيها بهلع، أصابت هيئتها وارتجافاتها المستمرة فؤاده بسهام الخوف، لاحظ قدميها العاريتين فانقبض صدره، وراح يسأل بكلمات ترتعش على شفتيه:
ـ استيقظتِ أخيرا...ما الذي حدث؟ كيف جئتِ وحدك؟ وأين مروان؟
كانت مقلتاها سابحتين في لج الفراغ حولها، فأخرجها هزه لها من تلك الهوة، طالعته مشدوهة، وأخذت بدون مقدمات تنتحب والكلمات تخترق قلبها من حدتها حين نطقتها وأصبح الأمر واقعا ينطقه لسانها:
ـ قتلا أبي...قتلاه بلا رحمة...كيف؟ كيف استطاعا؟
فهم أنها علمت ما خشي على قلبها منه طوال تلك السنين، لقد جاهد بكل ما لديه من قوة أن يمنع عن روحها هذا الألم الذي لن يحتمله أي انسان، ألم أن يتجسد الخذلان أمامك في هيئة أخوتك.
حاول أن يمسح على ظهرها برفق، لكن أوصاله ارتجفت إثر هلعها الذي كسى الأجواء من حولهما، كانت محاولات بائسة منه في تهدئة روعها، وكان يعلم أن لا مواساة في هذا العالم قد تقوى على تضميد جرح كهذا.
انزلقت بجسدها واهنة حتى الأرض، انهارت وسقطت على ركبتيها وراح هو يتبع حركتها ويجلس أمامها مكتوف اليدين، ولما أحس أن الكلمات قد خذلته في مواساتها، جذبها برفق إلى أحضانه، فراحت مستسلمة تستند برأسها على كتفه وتنشج في صمت. أحست للمرة الأولى -منذ استيقظت من مرضها بعودتها لديارها حين تناهى لسمعها دقات قلبه الذي شعرت به ينبض ألما من أجل قلبها.
رفعت رأسها عن كتفه، ازدردت لعابها بألم، وراحت تتحاشى عيناه بينما نبست شاردة:
ـ أنا أسفة...أنا حقا آسفة على كل ما حدث لنا بسببي.
تطلب الأمر منه هنيهة حتى يتبين ماهية ما تتحدث عنه، وحين عاد إلى الواقع، وتسلل الخدر إلى أطرافه إثر برودة الزنزانة التي أدرك أخيرا منذ دخلت هي أنه ملقى بها منذ ما يقرب من عشرة أيام يحارب وحده على جبهة الظنون والهلع.
هز رأسه، أراد أن يخبرها أن وقت الإعتذار بالتأكيد ليس الآن، أرادها أن تهدأ حتى ينجو بها وبطفلهما على الأقل في الوقت الراهن.
قاطع كلماته التي كانت على طرف لسانه مداهمة مروان للزنزانة بهلع صارخا:
ـ سمو الأميرة...كدت تصيبيني بسكتة قلبية.
وزع نظراته الهلعة بينها وبين يامن بينما يتنفس الصعداء. أرسل يامن نحوه نظرة ذات مغزى، ففهم من هيئتها وانهيارها أنها علمت بالكارثة التي أخفياها عنها منذ وقعت.
نهض يامن من على الأرض، وساعد فيروزة ذات الأوصال المرتعشة على الوقوف بثبات. لامس كتفيه يدعمها، وراح يسألها مقررا:
ـ أتريدين الثأر؟ هذا قرارك وحدك، ولا يمكن لأي كان أن يتدخل به...حتى أنا.
كانت شاردة، تائهة في متاهة مرعبة من الأفكار، كانت تفتقد أن تكون صاحبة قرار، أن تكون ممسكة بزمام أمورها هي على الأقل، لكن حين أصبح الأمر في حيز التنفيذ، أحست انها تود الإختباء أو الموت.
رفعت رأسها، وقرأت في عينيه القوة التي يقدمها نحوها، رأته يحثها ان تتحلى بالثبات حتى يصلا لبر النجاة، فهزت رأسها إيجابا دون وعي حين بثها هو الأمان الذي كان قلبها يموت عطشا لأجله.
شدد قبضته على كفها الباردة، التفت نحو مروان والقى بأوامره نحوه مقررا:
ـ ستأخذ الأميرة إلى مكان آمن خارج القصر...الأميرة وطفلها أمانة في رقبتك.
سحبت يدها من كفه بهلع كان جليا على أساريرها، وسألته يمتزج تنفسها المتسارع مع كلماتها الهلعة:
ـ طفلها؟!
ـ يتبع ـ عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات