رواية قصر خازور الفصل السابع 7 - بقلم سماهر جمال
الفصل السابع
طوى رفعت الأوراق الموجودة بيده، ثم أعاد وضعها داخل دفتر المذكرات مرةً أخرى. كانت الشكوك تنتابه تجاه أمرٍ ما، لكنه لم يُلقِ له بالًا في الوقت الحالي. رمق الجميع بنظرةٍ حذرة، ثم قال وهو يتحرك مغادرًا بالفعل:
_"هيا بنا الآن، لا أظن أن هناك ما قد يثير اهتمامنا بعد."
قاطعه عمران قائلًا وهو يدعوه للتريّث:
_"تمهّل يا أبي، فكما فهمت، كنتما تبحثان عن تلك الأوراق ووجدتماها في هذه الغرفة، لكن ربما نجد ما هو أهم إذا بحثنا أكثر. فمن الأحمق الذي يُخفي غرفةً كهذه ليُخبّئ بضع أوراقٍ ممزقة فقط؟"
أخذت ليلى تفكر في حديثه لبضع ثوانٍ، ثم هزّت رأسها نافية وقالت وهي تنضمّ إلى رفعت:
_"أنا مع الأستاذ رفعت، هيا بنا نغادر. أشعر أننا قد نجد ما هو أهم في الأدوار العلوية من القصر، فقبلاً لم تتح لنا الفرصة للبحث في غرف الدور الثاني."
رفع عمران كتفيه دلالةً على قلة حيلته، ثم تبع والده وليلى وهما يخرجان من الغرفة بالطريقة نفسها التي دخلا بها. وما إن استقرّ الجميع على الدرج مرةً أخرى، حتى لمح عمران هذه المرة ظِلّ شخصٍ يتحرك بسرعة، ويبدو أنه كان يراقبهم، لكنه غادر مسرعًا فور إدراكه لخروجهم.
جَرَى عمران خلفه محاولًا اللحاق به، بينما كان والده يناديه متسائلًا عن سبب ركضه.
وفور وصوله أمام إحدى الغرف الأرضية — وللمصادفة كانت الغرفة نفسها التي وُجدت فيها مذكّرات الجد توفيق — لم يجد شيئًا هناك، شعر أن عيناه تخيلت ذلك ، كل شيء في موضعه الدقيق، لا أثر لوجود أحد، ولا حتى لظلٍّ متبقٍ من اللحاق بذلك الشخص المجهول.
وقف عمران في منتصف الردهة متأملًا، يتفحّص الجدران كمن ينتظر أن تبوح له بسرٍّ ما. اقترب والده ببطء وهو يلهث من أثر الجري، وقال بنبرةٍ تحمل القلق:
_"ما الأمر يا عمران؟ لِمَ تجري بهذا الشكل؟"
أجابه عمران وهو ما يزال يُلقي بنظراته المتفحصة في أرجاء المكان:
_"رأيت ظلًّا يتحرك نحونا، كان يتعقبنا منذ أن غادرنا الغرفة المخفية، لكنّه اختفى بمجرد أن لاحظ خروجنا."
تقدّمت ليلى خطوةً إلى الأمام، تنظر نحو الأركان المظلمة وقالت بنبرةٍ حذرة:
_"هل أنت متأكد؟ ربما كان مجرد خيال انعكس من ضوء الخارج."
هزّ رأسه نافياً، وقال بثقةٍ ممزوجة بالحيرة:
_"لا، كنت واثقًا مما رأيت، لم يكن خيالًا. كان هناك شخص هنا بالفعل."
ساد الصمت للحظات، لا يُسمع سوى أنفاسهم المتقطعة وصوت الريح يتسلل من بين الشقوق القديمة في الجدران.
ثم قال رفعت وهو يتنهد:
_"كفانا هذا القدر لليوم، فلنغادر القصر الآن، وسنعود لاحقًا بعدما ننتهي من قراءة الأوراق المستجدة يبدو أن في الأمر ما يستحق الحذر."
لم يُجادله أحد، فقد شعروا جميعًا بأن شيئًا غامضًا يحيط بالمكان، شيئًا يتربّص بهم بصمتٍ مريب، كأن الجدران نفسها تُخفي قصةً لم تُكتَب بعد.
******
انضمَّ عمران إلى والده، يشاركه الجلوس على الأريكة المريحة في منزلهما. فبعد أن اطمأنَّ على عودة ليلى إلى شقتها المؤقتة، عاد هو ووالده إلى منزلهما الذي يبعد نحو خمس عشرة دقيقة عن القصر.
أخذ عمران زمام الحديث قائلًا بتعجبٍ مازح:
_"أبي، أودّ أن أسألك شيئًا: كيف استطعتَ تحمّل تلك الفتاة طيلة هذا الوقت دون أن ينفلت منك شعورك رغمًا عنك؟!"
ضحك والده، فبانت أسنانه البيضاء وهو يقول برضا:
_"مثلما استطعتُ تحمّلك تسعًا وعشرين عامًا دون اعتراض."
لم تُعجب الإجابة عمران، فصاح باعتراض:
_"أبي!"
تعالت ضحكات رفعت مرةً أخرى على أفعال ولده الصبيانية البعيدة عن شخصيته الجادّة، فمال يربت على يده الموضوعة بجواره، وقال مُراضيًا:
_"اهدأ، أمزح معك فحسب. سأخبرك بشيءٍ... هذه الفتاة لطيفة للغاية، وبرغم أنني لم ألتقِ بها إلا ثلاثة أيام، إلا أنني علمت أنها شغوفة بعملها، وحماسها لا ينطفئ أبدًا. تذكّرني بذاتي حين كنتُ في مثل عمرها. لذا، لا تضعها في بالك على الدوام، والأهم ألا تحكم عليها نتيجة لاجتماعٍ عابرٍ معها لساعتين فقط. بنيَّ، أنا أثق بك وبعقلك الرزين، وأعلم تمام العلم أنك القادر على مساعدتنا في فك هذا اللغز. لديك من الخبرة ما يكفي للوقوف بجوارنا، لذا أرجوك، أَجّل تشاجركما الآن، حتى ننتهي من هذا، ولن تراها بعد ذلك مطلقًا."
تنهد عمران، وأجاب والده باستسلام:
_"حسنًا، أبي، لك هذا."
ابتسم له رفعت بحبٍّ وحنان، وكاد أن يُكمل حديثه، إلا أن صوت زوجته صفاء، والدة عمران، قاطعهما من الداخل وهي تنادي عليهما.
نهض رفعت أولًا وقال وهو يغادر الصالة:
_"يبدو أن والدتك قلقت في نومها، لذا سأذهب لأجاورها. وأنتَ، ادخل غرفتك وخذ قسطًا من الراحة، فغدًا سيبدأ العمل الصعب."
*****
في الوقت ذاته، وتحديدًا في منزل ليلى المؤقت، وكعادتها في الآونة الأخيرة، كانت تراقب القصر من شُرفتها المقابلة له منذ عودتها مع رفعت وعمران.
ظلّت لنصف ساعةٍ تراقب القصر، فلم تجد ما يثير شكوكها، فالجميع نيام، والمحلات مغلقة، ولا يُسمع صوتٌ سوى صفير الرياح العاتية وهي تُحرّك أوراق الشجر من جذوعها.
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحًا حين همّت بإغلاق أبواب الشرفة لتدلف إلى الداخل وتغفو قليلًا، غير أنها، في اللحظة الأخيرة، لمحت رجلًا يتلفّت حوله كل ثانيتين، ليتأكد من أنّ أحدًا لا يُراقبه.
ظنّت في البداية أنه لصٌّ سرق أحد محلات الحيّ الذي تقيم فيه، غير أنها ما إن دقّقت النظر حتى عرفته فورًا، إنه السيد ربيع، الرجل الخمسينيّ وصاحب محلّ البقالة البسيط المجاور للباب الرئيس للقصر.
كانت قد صادفته من قبل، وقد لاحظت كيف كان يُطيل النظر إليها كثيرًا، لكنها لم تُعر الأمرَ اهتمامًا آنذاك.
تابعته ببصرها بضع دقائق متواصلة، حتى رأته يدلف من البوابة الرئيسية للقصر، ليختفي بعدها عن أنظارها تمامًا.
•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية