رواية احببت نصابا الفصل السابع 7 - بقلم نسرين بلعيجلي
بقلم نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili
الحلقه 7
أيام قليلة كانت كافية لتتغيّر نور بالكامل. رياض عاد إليها وكأنه رجل جديد؛ صوته محمّل بالحب، كلماته تفيض شوقًا، حضوره في حياتها صار طاغيًا. لم يعد يترك لها وقتًا لتفكر أو حتى تلتقط أنفاسها. كل يوم يرسل لها رسائل طويلة، كل ليلة يتصل بها ليغني لها بكلماته، يضحكها، يطمئنها، يشاركها تفاصيل صغيرة لم تكن مهمة من قبل، لكنها بالنسبة إليها كانت تعني العالم كله.
شيئًا فشيئًا، غرقت نور في هذا البحر من العاطفة. قلبها صار يرفرف كلما سمعت إسمه، عقلها توقف عن طرح الأسئلة، وصارت كلمات صاحباتها مجرد ضجيج في الخلفية.
فيروز قالت لها ذات يوم بقلق :
"يا نور، خلي بالك… الولد ده مش واضح. مش عايزاكِ تنجرحي."
سلمى أضافت :
"إحنا حاسين إن في حاجة غلط. متخليش مشاعرك تعميكِ."
لكن نور إبتسمت إبتسامة هادئة، وأجابت بصوت مرتجف من الحنين :
"إنتوا مش فاهمين، رياض غير أي حد. هو الوحيد اللي حاسس بيا."
فرح حاولت تمسك إيدها وتشدها من الوهم :
"بس يا نور، إنتِ اتغيرتِ، بطلتِ تخرجي معانا، ما بقتيش تردي على مكالماتنا، حياتك كلها بقت هو!"
نور سحبت يدها برفق، وابتسمت إبتسامة حزينة :
"يمكن عندكم حق، بس أنا مش قادرة أبعد عنه. هو دنيتي دلوقتي."
ياسمين، التي عادة ما تكون صامتة، انفجرت هذه المرة :
"لو فضلتِ كده، هتضيعي نفسك، الحب مش إنك تذوبي وتنسي كل الناس حواليكِ."
لكن نور لم تعد تستمع. كانت تسمع أصواتهن كأنها تأتي من بعيد، من عالم آخر لم تعد تنتمي إليه. في تلك اللحظة، إختارت أن تدير ظهرها للشلة التي طالما ساندتها، وتغرق أكثر في حب رجل لم تدرك بعد أنه يقودها نحو الهاوية.
وبينما كانت صديقاتها ينظرن إليها بعيون دامعة، نور مشت بخطوات مترددة لكنها واثقة في اتجاه واحد فقط : _رياض..
منذ أن ابتعدت نور عن الشلة، أصبحت حياتها تدور كلها في فلك رياض. لم تعد تخرج مع فيروز أو سلمى أو فرح أو ياسمين، ولم تعد تشاركهن أسرارها أو مخاوفها. هاتفها لم يعد يرن إلا بإسمه، ورسائلها لم يعد يملأها سوى صوته.
رياض كان ذكيًا في استغلال الفرصة؛ كل مرة يلاحظ بعدها عن صديقاتها، يضاعف جرعة حنانه وكلماته المعسولة.
– "أنا عمري ما شُفت حد زيك يا نور، إنتِ معجزة."
– "من غيرك أنا ما أساويش حاجة."
– "أنا وإنتِ ضد العالم كله."
نور صدّقت كل كلمة. كانت تكتب في مذكرتها :
«أنا ورياض صرنا واحد. لا أحتاج أحدًا بعده. حتى صديقاتي لا يفهمنني كما يفعل هو.»
لكن الحقيقة كانت مختلفة. في الوقت الذي يغمرها بكلمات الحب، كان رياض يجلس في مقهى آخر مع امرأة جديدة، يرسم لها نفس الحلم، نفس الوعود، يبيع لها وهم المستقبل، وفي النهاية يمد يده ليحصل على ما يريد.
صفاء كانت تراقبه عن بُعد، عينيها لا تفوّت شيئًا. ذات ليلة، جلست مقابله وقالت بضحكة باردة :
"أنا وإنت متفقين يا رياض. أنا محتاجة ورقة الجواز قدام أهلي، وأنت محتاج ست تسندك. لكن بيني وبينك، نور دي لازم تخلص منها. هات اللي عندها،
رياض صمت للحظة، قلبه يرتجف بين شيئين: حبه المزيف الذي بدأ يصدّقه مع نور، وقيده الحقيقي الذي يمسك بخناقه مع صفاء.
وبينما هو يعيش هذا الصراع، نور كانت تغرق أكثر، تبتعد عن الجميع، وتكتب في رسائلها له :
"أنا ملكك يا رياض، ملكك وبس."
في الليل، رياض رجع البيت منهك بعد سهرة طويلة. لقى صفاء قاعدة في الصالة، سيجارة في إيدها، وكاس في التانية، وابتسامة غامضة على وشها. رفع عينه لها وقال بصوت متعب :
"إنتِ ليه مش سايباني في حالي يا صفاء؟"
ضحكت ضحكة قصيرة، ورمت نظرة كلها تحدٍ :
"عُمري ما هسيبك يا رياض. إنت مربوط بيا للأبد."
إقترب منها، صوته مبحوح وفيه محاولة للفهم :
"طب قوليلي، إنتِ بتحبيني؟"
إنفجرت في ضحكة سخرية، وهزت راسها باستهزاء :
"أحبك؟! قولي إيه اللي فيك علشان أحبك؟ عندك إيه أصلاً؟ إنت واحد فاشل، ماشي في الدنيا بالنصب والكلام الفاضي. أنا مش عارفة الضحايا بتوعك بيحبوك ليه."
تقدمت خطوتين ناحيته، وصوتها انخفض لكنه كان أكثر قسوة :
"يمكن علشان إنت بتمثّل عليهم، بتلعب دور العاشق، البطل، المنقذ. بس أنا الوحيدة اللي شايفة حقيقتك، أنا الوحيدة اللي عارفة مين رياض بجد. وشك الحقيقي، القناع اللي عمرك ما تقدر تخلعه قدامي."
كلماتها وقعت عليه زي السهام. حسّ بجرح غائر، لكن ما قدرش يرد. وقف قدامها صامت، عيناه غارقتان في مرارة ما بين حب نور اللي بيخليه يحس بإنه إنسان، وصفاء اللي بتفكره دايمًا إنه مجرد نصّاب بلا قيمة.
هنا إنفجر رياض. صرخ، ورمى الكأس اللي على الطاولة فتكسّر والزجاج تناثر على الأرض :
"كفاية يا صفاء! أنا مش عبد عندك! إنتِ فاكرة إنك ماسكة الدنيا كلها من رقبتي؟ لأ، أنا اللي اخترت أبقى هنا، وأي وقت أقدر أسيبك وأمشي"
إقترب منها بعصبية، عيناه حمراء من الغضب :
"إنتِ بتقولي إني فاشل؟! يمكن، بس على الأقل أنا لسه عندي اللي يقدر يحبني بجد! نور بتحبني، شايفة فيا راجل، مش زيك إنتِ اللي شايفة شيطان!"
صفاء ضحكت بسخرية باردة، ولمعت عينيها :
"آه يا رياض، إنفجر، أصرخ، إكسر اللي حواليك. بس في الآخر، هترجع لي. لأنك مهما عملت، إنت ما تعرفش تعيش من غيري."
بص لها رياض بعيون كلها كره، قلبه بيغلي، وصوته خرج متقطع بين الغضب والانكسار :
"إوعي تفتكري إني هافضل تحت رحمتك طول عمري.. في يوم هتشوفي رياض اللي عمرك ما عرفتيه."
وقف رياض قدامها، صوته مبحوح من كثر الصراخ، والزجاج المكسور حوالينه. عروقه نافرة في وشه، وإيده بتترعش. صفاء، بدل ما تتأثر، ضحكت ضحكة باردة زي السكينة وهي بتتغرس في القلب.
قالت وهي تنفث دخان السيجارة في وشه :
"إنت فاكر نفسك هتهددني يا رياض؟ لأ يا حبيبي، اللي ماسك اللعبة أنا. إنت مش قادر تمشي من هنا خطوة."
قربت منه أكثر، بصوت مليان ثقة وقسوة :
"هترجعلي كل فلوس اللي عليك، فاهم؟ الشيكات لسه في جيبي. أقدر أوديك السجن بكلمة. ولو فكرت بس ترفع صوتك عليّ، أنا عندي صبيان ممكن أبعثهملك في لحظة، يضربوك لحد ما يعدموك من الدنيا."
عيون رياض اتسعت من القهر، وصوت نفسه بقى متقطع. حاول يرد، بس هي ما ادتلوش فرصة.
– "أنا أقدر أفضحك في ثانية. عندي كل التسجيلات، كل الضحايا اللي ضحكت عليهم وبكيتهم. كلمة مني تخليهم ييجوا ويمسحوا بيك الأرض."
إتكأت على الطاولة، رفعت كاسها، وكأنها بتحتفل بالهزيمة اللي غرّستهاله :
"حتى شركتك اللي صدعتنا بيها غرقت في الديون وقفلتها زي الكرتونة الفاضية. ماعرفتش تعمل حاجة بعدها غير إنك تعيش عالة على غيرك. إنت دلوقتي هنا تحت رجلي. عارف ليه؟ علشان محدش في الدنيا دي يقدر يستحملك غيري."
سكتت لحظة، رفعت حاجبها بابتسامة ساخرة، وقالت :
"إنت بتقول نور بتحبك؟ خلّيها تنفعك. لو عرفت حقيقة رياض اللي أنا عارفاه، هتجري منك زي باقي الناس. إنت ليا، غصب عنك. لعبة في إيدي، وأنا الوحيدة اللي عارفة إزاي أدوّرك."
كلماتها كانت زي الطعنات. كل جملة بتنزل على قلب رياض زي حجر ثقيل بيغرقه أكتر. وقف قدامها، جسمه متشنج، بس عينه لمعت بدموع قهر حاول يخفيها. تم رمى السيجارة اللي في إيده على الأرض وداس عليها بعصبية، وبصّ لها وهو مكسور :
"خلاص يا صفاء، كفاية. أنا تعبت… تعبت من كل حاجة."
قعد على الكنبة، حط راسه بين إيديه، وصوته خرج متقطع :
– "أنا كنت فاكر إني قوي، فاكر إني أقدر أتحكم في أي واحدة تقابلني. بس إنتِ كسرتيني، خليتيني أضيع، حتى نفسي مش لاقيها."
دموعه نزلت من غير ما يحس، أول مرة يعيط قدامها. بس صفاء ما رقّتش، بالعكس، إبتسمت إبتسامة انتصار، وقعدت قدامه وهي تهز الكاس في يدها :
"إنت إنهرت خلاص، أهو رياض النصاب اللي كان فاكر نفسه أسد، بقى قطة مبلولة تحت رجلي."
رفع عينيه يبصلها، صوته خافت :
"ليه يا صفاء؟ إيه اللي مخليكِ متمسكة بيا كده، وإنتِ عارفة إني مش هتغيّر؟"
ضحكت ضحكة قصيرة، وقالت :
"علشان إنت أضعف من إني أسيبك. إنت لعبتي، وأنا بحب أشوفك بتتقلب بين إيدي زي العروسة الخشب. عمرك ما هتهرب، ولا هتقوم."
في اللحظة دي، رياض انهار أكتر، ساب نفسه يغرق في الهزيمة، وكأن روحه انسحبت منه. حس لأول مرة إنه مش نصاب ولا راجل، حس إنه مجرد ظل، مكسور وتحت رحمة شيطانة ماسكة كل مفاتيحه.
بعد انهيار رياض التام أمام صفاء، خرج من شقتها وهو تايه، خطواته ثقيلة وقلبه مثقل بالقهر. ولأول مرة من مدة طويلة، مسك موبايله وكتب لنور رسالة :
"محتاج أشوفك."
نور ردّت بسرعة، قلبها بيرقص من الفرح :
"أنا كمان يا رياض، وحشتني."
إلتقوا في كافيه صغير على أطراف المدينة. كانت عيونها بتلمع، وابتسامتها مليانة شوق. جلس قدامها، حاول يخبي صراعه الداخلي، لكن بمجرد ما شافها، كل ضعفه اتبدّل لهدوء مؤقت.
نور (بحماس) :
"أنا فكرت يا رياض، خلينا نسيب كل حاجة ونتجوز. مش عايزة أخسر وقت تاني."
كلمتها نزلت عليه مثل صاعقة، بس المرة دي مختلفة. حس نفسه بيرجع يتنفس. رفع عينه لها وقال بصوت مهزوز :
"إنتِ عارفة إني مش في أفضل ظروفي دلوقتي، بس لو إنتِ موافقة، نتجوز بعد أسبوع."
نور شهقت، دموع الفرح غرقت عينيها :
"بجد يا رياض؟ بعد أسبوع؟"
إبتسم إبتسامة ضعيفة :
"آه، بعد أسبوع تبقي مراتي."
خرجوا مع بعض من الكافيه، وإيدها في إيده. ومن اللحظة دي، نور غاصت في دوامة فرح مجنونة. بدأت تشتري فستان الفرح، وتختار القماش الأبيض اللي حلمت بيه من زمان. اشترت قمصان نوم حرير، لوازم عروس، كل قطعة كانت تمسكها وتوريها لرياض عبر الصور أو الفيديو كول.
نور (بابتسامة طفلة) :
"بص يا رياض، ده فستاني! مش مصدقة إني أخيرًا هبقى عروستك."
هو كان يسمع صوتها، يحاول أن يشاركها فرحتها، لكن قلبه يتلوّى من جواه. في لحظة معينة، وهي بتضحك وبتقوله إنها هتكتب إسمه على طرحتها، حس بطعنة في صدره. ضميره صاح فيه : إنت بتضحك عليها، هي بتحلم، وإنت بتبيع لها وهم.
في مرة، وهو معاها، شاف نور واقفة قدام المراية، بتقيس واحد من فساتين البيت الجديدة. ضحكت بخجل وقالت :
"إنت عارف يا رياض، عمري ما تخيلت نفسي عروسة غير معاك."
إبتسم، لكنه في أعماقه كان يئن.
وفي لحظة ثانية، مريم جريت عليه وهي ماسكة لعبة صغيرة، وقالت ببراءة:
"بابا… بص! عملت بيت لعرائس."
الكلمة وقفت في حلقه. نور ضحكت والدموع في عينها، حضنت بنتها وقالت :
"شايف؟ حتى مريم بقت شايفاك أبوها."
هو ركع على ركبته، حضن الطفلة وهو بيكتم دموعه، وقال بصوت مبحوح :
"مريم، يا ملاك."
لكن لما رفع عينه، شاف نور بتبص عليه بحب عظيم. وقتها، قلبه اتعصر. حس إن ذنبه أكبر من إنه يتغفر. إزاي هي وطفلتها شايفين فيه أمان، وهو جواه مجرد نصاب؟
في تلك الليلة غفت نور، وما إن أغمضت عينيها حتى وجدت نفسها وسط نفس الدائرة من النار، ألسنتها ترتفع وتلتف حولها كأفاعٍ حمراء. الدخان خانق، والهواء مليء بصرخات غير مفهومة.
العجوز ظهرت من جديد، ملامحها أكثر صرامة، وصوتها كالسوط يجلد سمعها :
"خلي بالك يا بنتي، النار دي مش ليكِ، إبعدي قبل ما تتحرقي."
نور التفتت تبحث عن رياض، فإذا به ملقى على الأرض، يمد يديه وكأنه يستغيث. فوقه امرأة ضئيلة الجسد، شعرها الكيرلي مبعثر حول وجهها، بيرسينغ يلمع في أنفها مع وهج اللهب، وعيناها سوداوان كأنهما حفرتان من غضب. كانت تطبق يديها على رقبته بكل قوة، وجهها يقترب من وجهه وهي تضغط أكثر فأكثر.
نسرين بلعجيلي
صوت أنفاس رياض بدأ يختفي، جسده يتراخى، وعيناه تنقلبان في محجريهما. صرخت نور بكل ما فيها:
– "لاااااا! رياض!"
النار اشتعلت أكثر، أحاطت بالجميع، والعجوز رفعت يدها محذرة :
"إبعدي يا بنتي قبل ما تتحرقي!"
عندها إنفجر كل شيء…
إستيقظت نور فزعة، شهقتها عالية، قلبها يدق بقوة، والعرق يغرق جبينها. مدت يدها المرتعشة للهاتف واتصلت به وهي تبكي :
"رياض! رياض… أنا شفت كابوس مرعب!"
صوت رياض جاء متقطع من الطرف الآخر، كأن صدره ضاق فجأة:
"خير يا نور؟ مالك بتعيطي ليه؟"
نور بصوت بيرتعش ودموعها بتغرق خدودها :
"شُفتك في الحلم،، كنت واقع وسط النار، وفيه واحدة جسمها صغير، شعرها منكوش، عينيها سودا كأنها بئر، كانت بتخنقك لحد ما نفسك انقطع، وأنا ما عرفتش أنقذك. حسيت إني بضيع معاك."
صمت رياض للحظة، قلبه انقبض، عينه اتسعت كأن حد غرس خنجرا في صدره. الوصف ضربه زي الصاعقة، نفس الملامح، نفس التفاصيل اللي عايشها كل يوم. لكن بسرعة حاول أن يخفي إرتباكه، وعدّل نبرته :
"يا حبيبتي، دا مجرد كابوس. دماغك مرهقة من التفكير. محدش هيقدر يبعدني عنك، ولا يمسّني وأنا معاك."
نور بتصرخ وهي مش قادرة تهدى :
"لأ يا رياض! حسيت إنها حقيقة… حسيت إن النار حوالينا وأنا مش قادرة أخرجك منها."
رياض شدّ نفسه وقال لها بصوت فيه دفء مصطنع :
"بصيلي، أنا بخير. إسمعيني، إنتِ بالنسبالي الروح اللي بتديني حياة. ما تسيبيش الأحلام دي تلعب في دماغك. أنا معاك وهتفضلي معايا، ومحدش في الدنيا يقدر يفرقنا."
نور مسحت دموعها وهي تهمس:
"أنا بس خايفة أخسرك، خايفة أصحى ألاقيك مش موجود."
رياض ابتسم ابتسامة باهتة، وهو يضغط على صدره من الوجع اللي جوّاه :
"إنتِ عمرك ما هتخسريني، ولو في يوم الدنيا ولّعت حوالينا، أنا هفضل ماسك إيدك. صدقيني يا نور، إنتِ الأمان اللي بدور عليه."
لكن في داخله، كان صوته التاني يصرخ :
كيف عرفت؟ إزاي وصفتها كأنها شايفاها؟
كان رياض قاعد في كافيه هادي على أطراف المدينة، سيجارة في إيده، وعينيه شارده في الفراغ. قدامه جلس توفيق، صاحبه القديم وشريكه في بعض الصفقات المشبوهة. رياض حكاله عن الحلم اللي شافته نور بالتفاصيل، وعن الوصف اللي هزّه من جوّه.
رياض (بصوت مبحوح) :
"يا توفيق، البنت دي مش غبية. عندها حس عالي، حسيت إنها شايفة اللي بيحصل معايا كأنها عايشة وسطنا. أنا… أنا ما بقيتش عارف نفسي. كل يوم بضيع أكتر. بس هي… هي النور الوحيد اللي منور لي حياتي في العتمة. حسيت إنها الحاجة الصح في حياتي."
توفيق ضرب كفّ بكف وضحك ضحكة قصيرة، فيها سخرية ممزوجة بالتحذير :
"صح؟ يا عم فوق. إنت ناسي إنت مين؟ إنت اللي ماشي من لعبة للثانية. ودي مش غير لعبة جديدة. إوعى تخلي قلبك يضحك عليك."
رياض اتنهد، حط إيده على راسه وقال بحرقة :
"أنا تعبت يا توفيق. نور مختلفة، مش زي الباقيين. دي بتحبني بصدق. لو حصل لها حاجة، أنا هموت."
توفيق مال لقدامه، عينيه ضاقت بحدة:
– "اسمعني كويس، لو عايز تعيش، لازم تخلص اللعبة بسرعة. خَلّيها تعمل لك توكيل رسمي أو تتنازل عن كل حاجة. كده تبقى مأمن نفسك وتطلع منها كسبان. غير كده، صفاء مش هتسكت. وممكن تأذيها قبل ما تأذيك."
رياض شدّ على صدره، صوته متهزّ :
"بس يا توفيق… دي نور. أنا مش قادر أتخيل إنها تتأذى بسببي."
توفيق ضرب الطاولة بإيده بقوة، صوته مليان حدة :
"حياتك أو حياتها، يا رياض! ركّز كويس. الدنيا ما بتديش إثنين. يا تنجو إنت، يا تضيعوا سوا."
Nisrine Bellaajili
رياض سكت، نظرته اتعلقت في نقطة بعيدة، جواه حرب ما بين قلبه اللي بيتعلق بنور وعقله اللي مربوط بسلاسل صفاء وأوامر توفيق.
إقترب اليوم المنتظر. لم يتبقَ سوى ساعات على كتب الكتاب، المقرر غدًا. نور كانت ترفرف كفراشة في ربيعها الأول، قلبها يغني، وروحها لا تكاد تصدق أن كل هذا يحدث لها. كانت ترتّب البيت بنفسها، تعلق الزينة البسيطة التي اشترتها، وتبتسم كلما وقعت عيناها على فستانها الأبيض المعلّق على الحائط.
رياض جاء إلى بيتها عصرًا، بوجهٍ يحمل خليطًا من ابتسامة مصطنعة وملامح شاردة. فتحت له الباب وهي تكاد تطير من السعادة. ركضت مريم إلى حضنه كأنها عرفت أن اليوم مختلف، ثم أخذت بيده إلى غرفتها، لتُريه فستانها الصغير الذي اختارته ليوم كتب الكتاب.
ضحك رياض بخفة وقال لها :
"إيه يا عروسة، هتخطفي الأضواء من ماما كده."
نور نظرت له بخجل، وسألها فجأة :
"عزمتِ صحابك يا نور؟"
إرتبكت قليلًا، ثم أجابت بصوت رقيق :
"لأ… أنا مش عايزة دوشة ولا ناس كتير. يكفيني أكتب الكتاب معاك ونحتفل سوا، أنا وإنت ومريم. ده يومنا إحنا بس."
إبتسم رياض إبتسامة شاحبة، وكأنه مرتاح أن الأمر سيبقى محدودًا. لكن فجأة، رنّ هاتفه. وجهه تغيّر في لحظة، قلب لونه كأنه نزف من داخله. ضغط على زر "الرد"، وصوته تغير.
إلتفت نحو نور بابتسامة باهتة وقال :
"ممكن تعمليلي قهوة يا حبيبتي؟"
أومأت بحب وذهبت إلى المطبخ، قلبها سعيد أنها ستدلله بكوب قهوة في يومهم الكبير.
لكنه في تلك اللحظة، إتجه إلى البلكونة في الصالة. وقف هناك، يتحدث بصوت خافت، كأنه يهمس للهواء.
نور، التي عادت لتسأله شيئًا، وقفت عند الباب دون أن تقصد، وسمعت الجملة الأولى التي هزّت عالمها :
"ما تفضليش تتصلي كثير علشان ما تحسش ويروح علينا كل اللي إحنا بقالنا فترة بنخطط له."
تجمدت الدمعة في عينيها. الهواء انقطع عنها. قلبها دق بعنف كأن أحدهم يطعنها بسكين بارد.
رياض أكمل بصوت متوتر :
"خلاص، هاعمل اللي قلتِ عليه. بكرة هاخذها عند المحامي، وأخليها تمضي. مش هتاخذ بالها، ورقة التنازل هتكون مع العقود. كل حاجة هتخلص."
نسرين بلعجيلي
نور وضعت يدها على فمها حتى لا تخرج شهقة، جسدها كله يرتجف.
ثم سمعته يسكت لحظة، قبل أن يضيف ببرود :
"أيوه، أوكي. أنا مش هتجوزها رسمي. هخلي توفيق يجيب مأذون على مزاجنا، أقضي معاها يومين، وبعدها آخذ كل حاجة."
سكت لحظة أخرى، ثم خرجت منه الجملة التي كسرت ظهرها :
"يا صفاء إنتِ بس اللي مراتي. هي مش هتجوزها ما تقلقيش."
نور أحسّت أن جدران البيت تدور حولها. قدماها لم تعودا تحملانها، ودموعها انفجرت دون أن تشعر.
رياض أكمل، وكأنه يسكب السم في أذنها :
"قرض إيه بس؟ هي عمرها ما هتوافق. خلاص، أنا هتصرف."
ثم صمت لحظات، وفتح مكالمة أخرى، وصوته تغيّر كليًا. أصبح مليئًا بالدفء المصطنع :
"بحبك… بحبك… بحبك. بصي، الليلة دي هقضيها في حضنك يا جميل… يا عسل."
نور شعرت أن قلبها يُسحق تحت أقدام الحقيقة. كل كلمة سقطت على روحها كحجر يهوي من جبل. رأت أحلامها تتكسر، فستانها الأبيض يتحول في عينيها إلى كفن، وضحكة مريم البريئة تذبحها من الداخل.
جلست على الأرض، ظهرها للحائط، عيناها تنهمر منها دموع لا تنتهي. كل ما سمعتْه لم يكن مجرد خيانة، كان اغتيالًا لروحها.
ترددت في أذنها كلمات العجوز في الحلم :
"إبعدي قبل ما تتحرقي."
لكن النار كانت قد وصلت بالفعل، تحرق قلبها وهي حيّة.
نور لم تصرخ. لم تواجه. جلست فقط في صمت، منهارة كطفلة تُركت وحيدة في عاصفة. كانت تسمع صدى صوته يضحك في الهاتف ويقسم بالحب، بينما هي تموت في اللحظة نفسها.
«أحبت نصابًا… وأدركت متأخرة أن النصاب لا يعرف الحب، بل يعرف فقط كيف يسرق القلوب كما يسرق الأموال.»
وهكذا… إنتهى يومها الذي حلمت أن يكون أجمل أيام عمرها، ليصبح بداية الجحيم الحقيقي.
•تابع الفصل التالي "رواية احببت نصابا" اضغط على اسم الرواية