رواية هاجس الروح الفصل الثامن 8 - بقلم رباب حسين

 رواية هاجس الروح الفصل الثامن 8 - بقلم رباب حسين


أما هي، فقد نظرت إلى الأشباح أمامها بصدمة، نعم، يبدو عليهما أنهما حقيقيان. ظلت تجوب بنظرها إليهما وإلى ريان، الذي يقف أمامها بكل جراءة، ليس بقوة شخصيةٍ منه أو عدم رهبة، بل لظنه أن هذا فخ جديد منها، فوقف ينظر إليها بغضب، بينما هي ظهر عليها علامات الخوف بشدة، خاصةً عندما اقترب منها أحد الشبحين وقال بصوتٍ عجيب: شكرًا.

كان عقلها لا يفكر في هذه اللحظة سوى بشيءٍ واحد: كيف ستبرر موقفها أمام ريان الآن؟
فهو ينظر إليها نظراتٍ مليئة بالشك، وفجأة اختفى الشبحان من أمامهما، فنظر ريان لها وأخذ يصفق بقوةٍ وقال: كل مرة بتثبتيلي إنك هتفضلي حقيرة.
قالت تالين خائفة: أنا معرفش حاجة عنهم، ريان دول حقيقيين، أنا معملتش حاجة.
ريان بغضب: كفاية بقى، كل أما أصفالك ترجعيني تاني لنقطة الصفر، وبعدين شبح إيه اللي يظهر يقولك شكرًا ويمشي؟! إنتِ عايزة تطلعيني أهبل وخلاص؟
تالين: يا ريان صدقني، أنا مليش دعوى باللي حصل ده.
قاطعهما صراخ أسعد وهو ينادي بقوة: ريااااان!
خرج ريان مسرعًا، ولحقت به تالين، ودخلا الغرفة ووجدا الشبحين يمسكان بأسعد، وقد تبدلت ملامحهما إلى الغضب الشديد.
فتراجع ريان إلى الخلف خوفًا من هيئتهما، ووقفت تالين خلفه في ذعرٍ، وأمسكت بملابسه بقوة، فصاح ريان: سيبوه، إبعدوا عنه!
نظر له أحد الأشباح وعادت ملامحه إلى الهدوء، فقال ريان: أبعدوا عنه حالًا.
فتركاه واختفيا من أمامهم، فغاب أسعد عن الوعي من هول ما رأى، فاقترب ريان منه في ذعر وصاح: بابا! بابا، حصلك إيه؟
لم يُجب، فأمسك هاتفه واتصل بسيارة إسعاف لتنقله إلى المشفى سريعًا.
ثم اقتربت منه تالين وقالت: إهدى يا ريان، إن شاء الله هيبقى كويس.
ريان بغضب: إخرسي بقى! إنتِ مش شايفة نتيجة اللي إنتِ عملتيه؟! لو بابا جراله حاجة يا تالين، مش هيكفيني غير روحك أطلعها بإيدي من جسمك!
تالين: متظلمنيش، بقولك مش أنا اللي بعمل كده، يا ريان ده بيختفوا فجأة وشكلهم بيتغير، هعمل أنا ده كله إزاي؟ حكم عقلك شوية.
ريان: آه أحكم عقلي، عشان المرة ديه يتقال عليا مجنون واترمي في مستشفى المجانين، صح؟ بقولك إيه، أنا مش فايقلك دلوقتي، غوري من وشي.
تالين: هغير هدومي وأجي معاك المستشفى، مش هسيبك لوحدك.
ريان: لا طبعًا، حور أكيد هتيجي، وهي أولى تبقى معايا، مش إنتِ.
تالين: هي أولى إزاي يعني؟ وأنا اللي مراتك!
ريان: بذمتك مصدقة نفسك؟! أنا مش طايق أبص في وشك. برا يا تالين، غوري على أوضتك لحد ما أطمن على بابا، غوري!

نظرت له تالين في حزن وذهبت من أمامه، وبعد وقت جاءت سيارة الإسعاف، وقام ريان بنقل أسعد إلى مشفى وصعد معه بالسيارة ووصل إلى مشفى دكتور عادل، واتصل به ليبلغه بالأمر، فذهب مسرعًا ومعه حور.
وبعد الكشف عليه، خرج الطبيب وقال:
خير يا دكتور عادل، متقلقش، واضح إنه اتعرض لموقف صعب شوية، فالضغط ارتفع جدًا، وده سبب الإغماء. إحنا هنحطه تحت الملاحظة في العناية، هنزل الضغط، والحمد لله مفيش جلطات ولا حاجة.
ريان: يعني هيفضل هنا؟
الطبيب: يومين بس نطمن على الحالة، ويروح معاك إن شاء الله.
ريان: شكرًا يا دكتور.

ذهب الطبيب، ونظر ريان إلى عادل وقال: آسف يا عمي، نزلتك في وقت زي ده.
عادل: لا طبعًا، مفيش داعي للاعتذار، الحمد لله إنه كويس. بس إيه حصل مرة واحدة كده؟
ريان: ها، لا، تقريبًا من الفرحة. إنت عارف بابا من زمان وعايز يجوزنا أنا وحور.
عادل: ممكن، الحمد لله إنها عدت على خير، يلا نروح يا ولاد، وبكرة الصبح نيجي.
ريان: ماينفعش أفضّل معاه؟
حور: لا حبيبي، ديه عناية مركزة. متقلقش، أنا بكرة الصبح هتلاقيني جنبه، وهو إن شاء الله هيبقى كويس، وتيجي تقعد معاه وتكلمه بكرة.
ريان: ماشي، يلا طيب نروح.
عادل: تعالى أوصلك في طريقنا.

ذهبوا معًا، أما تالين فقد كانت تجلس في غرفة ريان وتنظر حولها في ذعر، وحين تتذكر أن حور مع ريان الآن تزفر في ضيقٍ من شعور الغيرة الذي يتخلل صدرها، لكنها تحاول أن تبعد هذا الشعور وتحاول أن تركز على ما حدث اليوم وظهور تلك الأشباح بهذا الشكل.
ثم تذكرت التسجيل الذي وضعته في غرفة المكتب عند أسعد، فنزلت على الفور، ودخلت المكتب سريعًا وأخذته، وعادت إلى غرفة ريان، وقامت بتشغيل المسجل وسمعت الحوار الذي دار بين أسعد وعادل، لتفتح عينيها في صدمة، وقررت أن تعطي هذا التسجيل لريان ليعرف الحقيقة كاملة.

بعد وقت، وصل ريان إلى المنزل، وصفّ عادل السيارة لينزل ريان ويشكره على توصيله.
فقالت حور: ريان، ممكن أنزل أشرب؟
ريان: آه طبعًا، تعالي.

نزلت حور من السيارة، وانتظر عادل بالخارج، ودخلا معًا المنزل.
وعندما سمعت تالين صوت السيارة، خرجت من الغرفة سريعًا، ولكنها توقفت واختبأت بجانب أول الدرج عندما رأت حور تدخل معه.
ثم تركها ريان ودخل المطبخ ليحضر لها الماء، وخرج وهو يحمل الكوب بيده، فأخذت حور الكوب منه ولمست يدها يده، فظهر الارتباك على ريان من لمستها.
نعم، هو لا يريد أحدًا غيرها ولا يرى غيرها.
أبعد يده وشربت حور الماء، ثم نظرت إليه وقالت: شكرًا.

مد يده ليأخذ الكوب، فأبعدت حور الكوب وأمسكت يده واقتربت منه، ونظرت داخل عينيه وقالت: هو أنت مش عايز تقولي حاجة؟
تحمحم ريان وقال: حاجة إيه؟
حور: إنت عارف إني بحبك يا ريان، كان حلمي نبقى لبعض، وعمري ما اتمنيت حاجة تانية في حياتي غيرك، وربنا استجابلي وبقيت ليا، بس نفسي تكمل، واسمع كلمة بحبك منك.
ريان: ما أكيد خطبتك عشان كده يا حور.
حور: عشان إيه؟ عايزة أسمعها منك، مش طالبة حاجة تانية.

وقف ريان متخبطًا، نعم، هو قرر الزواج منها، ومن حقها أن تعلم حقيقة مشاعره.
وعندما سمع هذا الرجاء وبهذه الطريقة، وقف عاجزًا لا يرى خيارًا آخر أمامه سوى الكذب، فقال: بحبك يا حور.
ابتسمت حور له في سعادة، وتراقص قلبها عندما سمعت هذه الكلمة، على عكس تالين التي وصلت الكلمة إليها كسيفٍ يقتل روحها ويقطع قلبها إلى فُتات، وانسابت دموعها على وجهها بألمٍ لا يوصف.

حتى غادرت حور، وصعد ريان الدرج وهو يشعر بالغضب من ذاته لقوله هذه الكلمة لها وهو غير صادق بها.
وعندما وصل أعلى الدرج وجد تالين تقف ودموعها تملأ وجهها، فعلم أنها سمعت ما قال، فنظر إليها بجمودٍ عكس حزنه الذي يدفنه داخل صدره وقال: واقفة كده ليه؟
تالين: بتحبها؟
ريان: مش شغلك، روحي على أوضتك، مش طايق أشوفك.

تركها ببرود أعصاب ودخل غرفته، فلحقت به وهي في قمة غضبها وقالت: لا، شغلي! إنت جوزي أنا وحبيبي أنا، ومش مسمحلك تحب ولا تتجوز غيري!
جلس ريان على الفراش في هدوء وقال: وهتمنعيني إزاي إن شاء الله؟
تالين ببكاء: بطل برود يا ريان، أنا عارفة إنك بتحبني ومش هتحب غيري، إنت قولتلي كده، قولتلي إنك بتحبني أنا وبس ومش شايف غيري.
ريان: وحاليًا مش شايفك أصلًا.
تالين: أنا عارفة إني غلطت، ومستعدة أعتذرلك طول عمري على غلطي ده، بس متعملش فيا كده.
وقف ريان أمامها في غضب وقال: أنا مشفتش بجاحة زي ديه قبل كده! إنتِ مش شايفة بابا فين بسببك النهارده؟!
تالين: بسببي ليه؟! قولتلك مليش دعوى باللي حصل من شوية.
ريان غاضبًا: والمفروض أصدقك، صح؟! إنتِ كدابة يا تالين، وأنا مش هعرف أصدقك تاني!
أنا مش عارف إنتِ متخيلة إزاي إني ممكن أشوفك زي الأول وأفضل أحبك بعد اللي عملتيه فيا؟! وكمان جاية تكملي على الموضوع بعملتك السودة النهارده، وعايزاني أفضل مخلص ليكي؟! ده أعمله إزاي؟ وبأي عين واقفة دلوقتي وبتحاسبيني على اللي بعمله؟! حاسبي نفسك الأول!
تالين: أحلفلك بإيه إني مليش دعوى باللي حصل النهارده؟
ريان: آه؟ اتفضلي إكدبي تاني، وخليني أصدق إن فيه أشباح فعلًا في البيت! اتفضلي، الأهبل واقف قدامك ومستني يصدق كدبك! ما هو أنا لو صدقته تاني أبقى أهبل يا تالين! بصي من الآخر، بعد اللي حصل في بابا النهارده، إنسي أي حاجة كانت بينا، ده حتى لما حاولت أصفالك، جيتي وعملتي عملتك الهباب ديه، وبابا بين الحيا والموت بسببك، أنا مش مصدقك بجد.
تالين: وليه متقولش إن الأشباح ديه ظهرت فعلًا بسبب اللي والدك عامله؟ اتفضل، اسمع التسجيل ده.
أمسك ريان المسجل ونظر إليه في تعجب وقال: إيه ده كمان؟!
تالين: ده تسجيل لأسعد بيه ودكتور عادل، لو سمعته هتفهم كل حاجة.
قذف ريان المسجل أرضًا بقوة وقال: تاني؟! برده بتحاولي بكل الطرق تطلعي بابا قاتل وخلاص! لسه مصدقة اللي مامتك قالتهولك، وكمان عايزاني أقتنع بيه غصب عني؟! بصي يا تالين، أنا آخر حاجة أقدر أعملهالك عشان محسش إني ظلمتك، إني هخليكي على ذمتي ومش هطلقك دلوقتي عشان سمعتك، والناس متقولش إنك إتجوزتي تصليح غلطة لما يعرفوا إنك اتطلقتي بعد كام يوم، وده مش عشان بحبك، لأ، عشان إنتِ في الأول والآخر بنت خالتي. لكن غير كده، أنا كنت طردتك من البيت ده دلوقتي حالًا.
تالين ببكاء: يا ريان حاول تصدقني، طيب اسمع التسجيل بس.
صاح ريان غاضبًا: مش عايز أسمع! مش عارف أصدقك، أنا مبقتش عايزك يا تالين، افهمي بقى!

نظرت له في حسرةٍ، شعورٌ بالانكسار والخسارة والندم جعلها تفقد الأمل في كل شيء. لأول مرة ترى هذه النظرة داخل عينيه، نعم لقد كرهها حقًا. لم تتحدث فقط تركت الغرفة بهدوء تحت نظرات ريان الغاضبة، التي تحولت إلى حزن بعد أن غادرت الغرفة بهذه الهيئة.
هو لا يستطيع أن يصدقها، بل يرفض ذلك لا يريد أن يتحطم عالمه بهذه الطريقة، لا يريد أن يرى والده قاتلًا والقتيلة هي أمه.

أحيانًا نخاف من رؤية حقيقة الأمور، فنرفض حتى تصديق أي شيء يؤدي إلى رفع غطاء الكذب عن أعيننا، وهذا ما كان يشعر به ريان.
فأسعد هو كل عائلته ووالده، ولا يملك سواه في هذه الحياة. يحاول أن يبعد تلك الشكوك عن رأسه، مذكرًا ذاته بكل الأفعال الجيدة التي فعلها أسعد معه ولأجله، فكيف يصدق ذلك عنه ويقف ليشير إليه بأصابع الاتهام؟

أما تالين، فعادت إلى غرفتها منهزمة ترفع قدمها عن الأرض وتتقدم بصعوبة. فقدت ريان، كرهها، أصبح ملكًا لغيرها، وهي السبب.

بعد ساعات قليلة، سطعت شمس النهار وبدّل ريان ثيابه وذهب إلى المشفى سريعًا ليرى أسعد.
وعندما وصل، أبلغه الطبيب بأنه ما زال لا يقوى على الحديث، ومن الأفضل أن يتركه حتى يرتاح قليلًا.
فذهب إلى الشركة وباشر العمل بدلًا عن والده، وكان يبدو عليه الحزن والشرود ولاحظ قصي ذلك، فلم يترك له مجالًا حتى قص عليه ما حدث.
فقال قصي: يا ريان، تالين معاها حق، ما هي واقفة جنبك هتعمل ده كل إزاي؟ وبعدين، إنت بتقول شكل الأشباح اتغير وكمان اختفوا من قدامك فجأة مش زي ما كانت تالين بتعمل.
ريان: مش عارف يا قصي، وبعدين إنت تقصد إنها معاها حق في اللي بتقوله على بابا؟!
قصي: لا طبعًا، بس كل اللي بقوله إن ممكن فعلًا يكون في أشباح. ما تتصل بسلطان ده وافهم منه إيه اللي بيحصل، يمكن يفيدك.
ريان: ده أنا نسيته خالص، تصدق إنه قال نشغل البخور ده، والملح يبقى في البيت لمدة أسبوع؟
قصي: هو كده الأسبوع خلص؟
ريان: آه، النهارده تقريبًا آخر يوم، أنا لما أروح هتصل بيه من على موبايل بابا، عشان مش معايا رقمه.
قصي: هتعمل إيه مع تالين؟
ريان: مش عارف، أنا كنت متعصب وخايف على بابا، وعكيت الدنيا معاها، وكمان سمعتني أنا وحور فمعرفش بقى، أنا مش عارف أصدقها يا قصي.
قصي: أو رافض تصدقها. ساعات الحقيقة بتوجع بس مهما هربت منها، هتظهر هتظهر.

نظر له ريان ولم يتحدث، وبعد وقت عاد إلى المنزل، وعندما دخل، لم يستطع أن يفكر بشيءٍ آخر سوى تالين، فوجد نفسه يتوجه إلى غرفتها على الفور وفتحها ليجدها فارغة.
ولحقت به سعدية سريعًا وقالت: مكنتش عارفة أقولك ولا لأ، ولا يهمك الموضوع أصلًا يعني يا ريان بيه، بس تالين مش موجودة في البيت.
نظر لها وهو يعقد حاجبيه وقال: يعني إيه؟!
سعدية: يعني تالين سابت البيت، دخلت الصبح أشوفها ملقتهاش في الأوضة.
ريان: اتصلتي بيها؟
سعدية: ما ده الغريب، تليفونها وهدومها هنا، معرفش راحت فين، وسابت كل حاجة، حتى الفلوس مش موجودة.

نظر لها ريان في صدمة، وظل ينظر بالغرفة، ووضعت سعدية الهاتف بيده وتركته وذهبت.
وتخلل إلى صدره شعورُ فقدانها الذي جعل كل شيءٍ ينهار أمامه في لحظة. عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية هاجس الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات