رواية زواج اشتراكي الفصل السادس 6 - بقلم هيام عمر
الفصل السادس:
انتهى الأسبوع بين مفاهمة وشجار، وفي نهايته كان الزّوجان يضعان آخر اللّمسات على التّقرير الذي سيقومان بتقديمه في النّدوة والذي انتهى سريعا بسبب تعاونهما وتشاركهما للعمل. طلب عزيز من منى غسل ثيابه التي سيحضر بها النّدوة، الّا أنّها سرعان ما قفزت لتذكيره باختياره القيام بتلك الأعمال دونا عن أعمال المطبخ وراحت لتحضر له بعض ثيابها التي تحتاج الغسيل مضيفة ايّاها الى جملة الملابس التي سيغسلها محاولة استفزازه. ثمّ قالت متظاهرة برغبتها في المساعدة:
_" يمكنني أن أريك كيف تقوم بذلك، ان أردت ذلك."
أجاب بثقة:
_" أتظنّين حقّا أنّني لا أستطيع تشغيل آلة؟ سأحسب أنّني لم أسمع عرضك."
لم تدم تلك الثّقة طويلا، فحالما أنهت آلة الغسيل عملها حتّى راح عزيز يحمّل ثيابه في سلّة الغسيل لنشرها، وما ان همّ بإخراجها حتّى شهق ناظرا الى ثيابه وقد صبغت جميعا باللّون الزّهري.
سمعته منى فسارعت الخطى نحوه لتجده فارغا فاها ينظر بصدمة وجمود الى ثيابه المصبوغة. أضحكها الموقف الذي وضع به نفسه حتّى سقطت على ركبتيها من شدّة الضحك وقالت ساخرة: _" لا أصدّق أنّ هذا حدث معك منذ أوّل غسلة، أنا مبهورة حقّا، ماذا تركت للتّجارب القادمة؟" نظر لها عزيز بحنق وقد أفاقته ضحكاتها من صدمته وخرج غاضبا، آسفا على ما قد أصاب ملابسه.
تبعته منى مخفّفة عنه:
_" حسنا، لا تكن سريع الغضب هكذا، اختر بدلة أخرى وسأقوم بغسلها من أجلك."
ثمّ أضافت وهي مبتعدة:
_" لكن لا تنسى نشر الغسيل، لا تتركه حتّى يغفّ، اللّون الزّهري سيبدو رائعا عليك."
قدم يوم النّدوة الصّحفية، فاستفاق الثّنائي باكرا للاستعداد له كما يستعدّ الطّالب لامتحانه.
أعدّت منى الفطور بينما جلس عزيز على طاولة المطبخ يراجع معها بصوت مسموع تفاصيل التّقرير الذي سيقدّمانه.
أنهيا فطورهما سريعا وراحا يجهّزان نفسيهما للمغادرة، في الطّريق ظلّت عينا منى متشبّثة بالسّماء والخضرة المحيطة بهما وقالت كأنّما تحدّث نفسها:
_" أخيرا تنفّست بعض الهواء النّقي، لقد ذكّرتني أيّام الأسبوع الماضي وتعاقبها البطيء وقد لازمنا فيها المنزل بأيّام الحجر الصحيّ وذلك الإحساس الفظيع بالخوف والعجز الذي لم يغادرنا كما لم نغادر نحن المنازل، لا أعادها اللّه علينا."
وصلا أخيرا الى مقرّ الشّركة الجديدة أين ستقام النّدوة فذهلت الفتاة بالحشد الغفير من الصّحفيّين الذين كانوا بانتظارهم واقتربت من عزيز لتهمس له في هلع:
_" فلتقم أنت بتقديم العرض، لا أعلم ان كنت أستطيع فعل ذلك، أنا لم أعتد الحديث أمام العامّة، وخاصّة أمام هذا العدد من النّاس."
قال مهدّئا:
_" حسنا، لا تتوتّري، ان نسيت شيء يمكنني الاكمال عنك، تقريرنا مقسّم الى فقرات نتوالى تقديمها أنا وأنت لذلك لن يكون ذلك واضحا."
ثمّ أضاف مشجّعا:
_" لكن أعلم أنّك لن تحتاجي مساعدتي، هذه فقط رهبة الجهل وحالما نبدأ تقديمنا ستتلاشى على الفور."
لم تكن في موضع يخوّل لها أن تفكّر ما إذا كان تعمّد وصفها بالجاهلة أم هي طريقته لوصف عدم الخبرة بالشيء.
مضت النّدوة لحسن طالعها على أحسن حال وراحا للقيام ببعض الصّور من أجل حملتهم الاعلانيّة، كانت واقفة على بعد ذراع منه حينما جذبها نحوه وطوّق خصرها بذراعه ثمّ همس لها خالقا على شفتيه ابتسامة منمّقة:
_" فلتقتربي قليلا، أعتقد أنّك نسيت أنّنا متزوّجان أمام العامّة وأنّنا هنا كثنائي لتمثيل الوجه الاعلانيّ للشّركة."
بادلته ابتسامته المنمّقة وهمست في حنق:
_" ان لم تبعد يديك عنّي الآن سوف لن ينسى هذا الجمع جلسة التّصوير هذه أبدا."
تبادلا نظرات التّحدّي ووجّه كلّ منهما بظهره نحو الآخر في صمت بينما ترجمت عيونهما ما بخلت به الكلمات.
حينما أكملا، طلبت منى من عزيز مرافقتها الى منزل والدها للاطمئنان على حاله.
اتّصل به على الفور ليخبره بقدومهما وذهب ليشتري بعض الحلويّات لأخذها معهما قبل اصطحابها الى هناك.
سعد أحمد وليلى بقدوم العريسين وأصرّا عليهما البقاء لتناول العشاء معا.
كان وجه السيّد أحمد مصفرّا من شدّة تعبه لكنّه كان يحاول انكار ذلك وهو يتنقّل من مكان الى آخر ومن مهمّة الى أخرى مبد بذلك احتفاءه وسعادته برؤية ابنته بعد مدّة كانت الأطول بينهما. صرّح فجأة بدون تقديمات:
_"حتّى خلال سنوات الجامعة لم تبتعد ابنتي عن ناظري والدها أبدا لمدّة طويلة، وبما أنّنا خصصناك بهذه الميزة والأحقيّة في سرقتها من بين أعيننا، أتمنّى أن تكون قدر تلك المسؤوليّة يا عزيز."
صمت قليلا كما لو أنهكت قلبه عباراته الحزينة ثمّ واصل:
_" أن تكون قدرها ليس اليوم فقط، بل اليوم وغدا والى آخر يوم في عمرك."
قاطع حديثهما صوت منى وهي تنادي والدها في حماس تريد أن تريه مجموعة صور قد اكتشفت وجودهم بين أغراضها حين كانت تبحث بينهم عمّا يمكن أن تحتاجه.
جلست الى جانب والدها تقلّب الصور، بين ضحكة ودمعة لم تفارق مقلتيها، تسترجع ذكريات جميلة رافقتها منذ طفولتها الى أن أصبحت ما عليه اليوم، الى أن وصلت الى صورة لها وهي في الرّابعة او الخامسة من عمرها تمسك يد طفل تكهّنت أنّ عمره يساوي ضعف عمرها في تلك اللّحظة:
_" لم أرى هذه الصّورة أبدا من قبل، من هذا الذي يرافقني يا أبي."
أجاب والدها ضاحكا:
_" ابن الجيران، كنتما تحبّان بعضكما حينها، وكان الحبّ في منظوركما يتلخّص في مرافقتك للمدرسة وتقاسم البسكويت الذي تعدّه أمّك."
أضاف عزيز ناظرا اليها في عطف كاد يذيبها:
_" تبدو الصّورة قديمة قد عقب عليها الزّمن لكنّ صاحبتها لا تزال تؤمن بذلك المفهوم البريء للحبّ وتؤمن أنّ المشاركة أهمّ ما قد يجمع الشّخصان في العلاقة."
ابتسمت منى في وجل بينما طلبت منهم السيّدة ليلى ترك ما بيدهم والجلوس على الطّاولة لتناول العشاء.
عاد كلّ من عزيز ومنى الى المنزل منهكين من يومهما الطّويل وخلدا من فورهما للنّوم.
في الصّباح أعدّت منى الفطور وأعدّت معه حديثا مهمّا لمناقشته مع رفيق سكنها كما تودّ التّعبير عنه.
أكملا فطورهما ولم يفارقا الطّاولة لإكمال النّقاش.
_" أعجبني حديثك بالأمس عن مفهوم المشاركة وأهميّة ذلك، ورغم أنّني كنت أريد إطالة الأمر أكثر قليلا، أودّ أن أخبرك أنّ طريقة تقسيمنا لأعمال المنزل بيننا لم تمثّل أبدا ما قصدته بالحياة الاشتراكيّة.
غير أنّني فقط أردتك أن تجرّب كلّ أنواع العمل المنزلي حتّى تعلم أنّ ما من عمل أبسط من الآخر وأنّهم جميعا بذات الأهميّة والتّعقيد."
صمتت قليلا تجمع كلماتها محاولة تجاهل نظراته الغاضبة:
_" المشاركة ببساطة تعني أن نتعاون على كلّ تلك المهامّ التي ستصبح أتفه بكثير حين نتقاسمها، يعني أن أطبخ أنا بينما تضع أنت الطّاولة، أن أقسّم الغسيل وأغسله بينما تذهب أنت لنشره وكذلك نفعل مع أيّ مهمّة أخرى لأنّ مشاركة أبسط التّفاصيل هي الطّريقة الوحيدة القادرة على خلق بيئة مريحة وتعاونيّة."
سكتت لكنّ نظراته الثّاقبة لم تغادرها فأضافت ضاحكة:
_" نسيت جزئيّة أخرى، أن أقتني أنا حاجياتنا بينما تدفع أنت ثمنها."
فقال أخيرا:
_" ألم يخبرك أحد من قبل أنّك مستفزّة جدّا، كيف طاوعك قلبك على أن تري حالتي بين كلّ تلك الأطباق والخضر وسط المطبخ دون مساعدتي ان كانت هذه فلسفتك؟ انّك هنا قد أخللت بمبدأ الاشتراكيّة الذي وضعته بنفسك."
بدى وجهه طفوليّا بريئا وهو يصرّح، لكن، كان عليها مقاومة براءته تلك لدفع التّهمة عن نفسها _" لا لم أفعل، لقد اتّفقنا على ذلك التّقسيم في البداية، وان كان الأمر كذلك فقد أخللت به أنت من قبلي، اذ لم أرى وجهك في المطبخ الّا وقت الأكل في اليوم الأوّل، تذكر ذلك أيضا صحيح؟"
دائما ما تنجح في رمي الكرة نحو مرماه.
صرّ شفتاه مغتاظا بعد أن هزمته في تلك المحاججة أيضا ووقف من فوره لجمع المائدة.
اجتمعا مجدّدا في غرفة الجلوس، كانت منى تقرأ رواية جديدة اقتنتها منذ مدّة ولم تجد الوقت لاكتشافها حين جلس عزيز في الكرسي المقابل فاتحا التّلفاز لمشاهدة احدى مباريات كرة القدم. _" أرجو أن لا تمانعي صوت التّلفاز."
قال عزيز راجيا في قرارته أن يعيد اليها ولو القليل من استفزازاتها.
_" لا بالطّبع، سأذهب للمطالعة في غرفتي."
أجابت منى بلين لم يعهده منها، وراحت سريعا نحو السّطح تقلب اتّجاه طبق استقبال الأقمار الصّناعيّة رأسا على عقب حتّى تحرمه متابعة مباراته كما أفسد عليها انسجامها في عالم روايتها.
_" كنت لأخشى العاقبة لو لم تفعلي شيئا كهذا."
همهم عزيز مبتسما ثمّ فتح المباراة عبر الإنترانت في التّلفاز وراح يعلّي في الصّوت حتّى أوصله الى أقصى درجة.
لم تمرّ بضع دقائق حتّى عادت منى من غرفتها وقد حرمتها الأصوات المزعجة من التّركيز في روايتها وجلست بجانبه مرّة أخرى لتتابع معه المباراة.
كانت كلّما ركّز المصوّر على احدى اللّاعبين تسأله عن اسمه، جنسيّته، مع أيّ فريق هو؟
حتّى إذا ما رأت الحكم سألت بجدّية واضحة على تقاسيم وجهها:
_" من هذا، ألم يتعب من الرّكض طول المباراة، لم يرتدي لونا مختلفا عن الجميع؟ لم لا يمرّر له أحد الكرة؟"
كانت تسأل دون توقّف عن كلّ تفصيلة، هي لم تكن تدّعي جهلها اذ كانت لا تفقه من اللّعبة شيئا غير أنّها على عكس ما أبدت لم تكن مهتمّة مطلقا بفهمها بل أرادت تشتيته عنها بأسئلتها وازعاجه بها حتّى أغلق التّلفاز مع انتهاء الشّوط الأول ليغادر المنزل لمشاهدة بقيّة المباراة في احدى المقاهي دون ازعاج.
كانت الأجواء ممطرة، فراحت منى تعدّ لها قهوة ساخنة وضعتها على شبّاك غرفتها وجلست تكمل روايتها في جوّ هادئ.
انتهت المباراة فعاد عزيز وقد ترك أثر دخوله بقعا من الطّين طبعها بقدمه من عتبة المنزل وصولا الى عتبة غرفته، ودخل غير آبه لما حلّ بالمنزل للاغتسال، غير أنّه سريعا ما خرج على صوت منى الغاضب بعد أن خرجت لترى آثار أقدامه.
_" لو كنت طفلا صغيرا لربّما تغاضيت عن الأمر لكنّ طولك سيصل للسّقف وسنّك... لا أعلم حتّى كم من السّنوات تكبرني، ما هذا التّصرّف؟"
_" بالنّسبة لسنّي إذا كنت متشوّقة لمعرفته فيمكنك القول أنّني لو كنت قد خلّفت لكانت ابنتي في مثل سنّك الآن."
_" حقّا؟ ومن قال أنّها ستكون فتاة لربّما كان فتى ثقيل الظلّ مثل والده."
_" ما رأيك، ماذا نسمّي طفلنا الأوّل ان كان ولدا؟"
_" أفكّر في اسم معتز، أوّل حرف من اسمي ثمّ أوّل حرف من اسمك كما أنّه مجترّ من اسمك أيضا، عزيز ومعتز ما رأيك؟"
_" واو، هل فكّرت في ذلك الآن حقّا؟ أم أنّك قد سبق أن فكّرت بالأمر؟"
_" عزيز، ان لم تنظّف مخلّفات قدمك هذه فورا أعدك أن ترى الوجه الآخر لأمّ معتز."
•تابع الفصل التالي "رواية زواج اشتراكي" اضغط على اسم الرواية