رواية انين هوى الفصل السادس 6 - بقلم امنية مصطفى
"مادام الضوء يزعجنا...لنقتل حامل الشعلة"
كان مروان يركض في طرقات سرداب القصر بتيه جلي وأوصال مرتعشة، لا يعرف كيف وصل حتى زنزانة الدوق، ولا بأي طريقة أقنع الحرس المناوبين بالدخول إليه رغم الخناق الذي تحكمه عليه سلمى بعدما سيطرت على القصر بكل من فيه، كل ما كان يذكره أنه دخل إليه مشدوها شاحب الوجه ومقطوعة أنفاسه.
أصاب هلع لا يحتمل قلب يامن حين رآه بهذه الهيئة وهرع نحوه يتمسك بذراعيه ويهزه متساءلا. رفع مروان رأسه وقال دون أي تطويل:
ـ الأميرة فيروزة حامل.
كمم يامن ثغر مروان بيديه سريعا، وألصق جسده بالحائط البارد، ومن شدة المفاجئة غير المتوقعة همس له محذرا:
ـ أصمت أيها الأحمق...
تلفت الدوق حوله بحذر وراح يكمل بهدوء:
ـ لن يعلم أحد بهذا الخبر أبدا...ولن أوصيك يا مروان مستحيل أن يصل خبر كهذا إلى سلمى، إن علمت بهذا فلن تنتظر طلوع شمس الغد حتى تردينا جميعا قتلى، بمن فيهم أنت، هل فهمت؟
هز مروان رأسه بشدوه، بينما ما يزال يامن يكمم فاهه بكفه البارد.
افلته يامن وابتعد، راح يجلس على طرف السرير المعدني شاردا تكسو أساريره معالم الإرهاق، فرغم سعيه وفيروزة المضني للحصول على هذا الطفل كل تلك السنوات، إلا أن توقيت الخبر لم يكن مناسبا ابدا، أصيب قلبه بصاعقة جعلته حائرا في أمره، فكيف لذلك الطفل أن يولد في جحر الأفاعي هذا؛ والده مسجون بلا وجه حق وأمه مهددة حياتها بالأنهيار.
فكر بينما يغادر مروان الزنزانة بهدوء؛ إما ان يعيش ذلك الطفل، وإما أن تكون كارثة يروح ضحيتها الجميع هنا بلا رحمة.
●●
كانت فيروزة الصغيرة تقفز قفزات متقطعة بينما تجمع في سلتها الصغيرة من القش بعض زهور عباد الشمس المحببة لقلبها الغض، وكانت مربيتها تحاول بخطوات متعثرة اللحاق بها وبخطاها المتحمسة.
بدت في ذلك الفستان السماوي الذي يصل حتى بداية قدمها في السادسة من عمرها، وبان في مقلتيها العسليتين رغم الحماس توتر طفيف في كل التفاتة كانت تلتفتها من حين لآخر لتتأكد أن لا أحد يراقبها تمارس هوايتها المفضلة في جمع الأزهار.
تعثرت فجأة قدمها الصغيرة في حشائش طويلة غادرة ولامست بركبتهيا وكفيها الرقيقين الأرض متألمة تأن بوجع. سارعت نحوها المربية، وأخذت تحاول معاونتها على النهوض، لكن نهوضها لم يكتمل حين ظهرت أمامها سلمى التي بدت أساريرها الفاتنة، طولها المتوسط وشعرها البني الداكن الذي يرفرف خلفها حتى منتصف ظهرها في الثانية عشر من عمرها.
نزلت راكعة حتى تصل بطولها إلى فيرروزة التي ماتزال مستندة على خضرة الأرض بركبتيها، قالت ونبرة التعاطف المزيفة تغدق حروفها:
ـ أوه...فيروزة الصغيرة سقطت مجددا.
ثم استطردت مستهزئة بفجاجة:
ـ أتنتظرين كالعادة أن يأتي أبي ويحملك إلى الداخل حتى تنهضي أيتها المدللة؟
طالعتها الصغيرة بمقلتين يترقرق بهما الدمع الطفيف، فأكملت تواصل إضافة الملح على الجروح السابقة بينما تلتفت نحو صديقاتها الائي حاوطنها كثلة من التابعين:
ـ غريب، كيف يمكن لشخص حرم أخوته من أمهم أن يعيش كبريء لم يقترف خطأ يا فتيات.
طالعتها فيروزة بتيه، لا تفهم لماذا قد تحدثها أختها الكبرى بتلك اللهجة اللاذعة. ركلت سلمى سلة الأزهار التي استقرت جوار فيروزة، وراحت تدهس بتلات زهرات عباد الشمس تحت كعب حذائها العالي. بكت الصغيرة وراحت تنشج من هول صدمتها، وحين حاولت منع أختها عن فعلها الوحشي، داست سلمى على كفها الصغير بوقاحة دون أن تلتفت لصراخ أختها الصغرى.
صرخت بها المربية تحاول رضعها:
ـ سلمى توقفي عن فعل هذا...يكفي
ـ اسمي الأميرة سلمى، كونك مربيتنا لا يسمح لك بتخطي الألقاب.
قاطع وصلة وقاحاتها تلك صوت تسلل من خلفهم صارما:
ـ وهل من أخلاق الأميرات الإعتداء على شقيقاتهن؟
سلمى التفت بلهفة حين تبينت هوية المتحدث من نبرته التي تخترق في كل مرة شغاف قلبها، ردت حين تأكدت من هويته بنبرة مترددة تبرر:
ـ آه..يامن، كنت أحاول مساعدتها على النهوض، ولكنها تصر على البكاء فقط كالعادة...مدللة.
لم يكلف يامن الذي بدى في عمر سلمى تقريبا بزيه النبيل الذي أضفى على هيئته رغم صغر سنه هيبة واضحة- عناء النظر نحوها، تخطاها وراح ينحني بجزعه ليصل لفيروزة ويمسك بكفها التي تألمت وبان الإحمرار عليها ويعاونها برفق على النهوض.
عانقت فيروزة بنظراتها الهلعة الأرض تراقب أزهارها التي راحت ضحية حقد أختها. انتبه يامن لشرودها بسلتها المبعثرة، فراح يلملم لها ما نجى من الأزهار بداخلها مجددا.
نهض تحت أنظار سلمى المغتاظة، وراح يمسك بيدي فيروزة ويحكمهما على السلة.
نبس يهدئ من روعها ويرمي بالحديث نحو سلمى التي تكاد تموت غيظا:
ـ حين يحاول أحدهم التنمر عليك يا سمو الأميرة، دوسي له بكعب حذائك على قدمه بقوة.
وراح يمثل لها مبتسما كيف تفعلها، ثم استطرد حين راحت هي تتأمل وجهه البشوش:
ـ حتى وإن كان ذلك المتنمر أميرة، وتدعى بالصدفة سلمى.
انهى جملته وامارات الانتصار تعلو اساريره.
مسحت بظهر يدها وجهها المغدق بالعبرات واقتربت من اختها الكبرى التي راحت تطالعها بكبرياء وغرور جلي، ابتسمت لها فيروزة ببراءة، رفعت قدمها تهوي بها بقوة على قدم شقيقتها الكبرى المذهولة والتي صرخت إثر فعلتها المفاجئة...أحست فيروزة الصغيرة حينها أن كلمات يامن نفضت الغبار عن شخصيتها القوية التي كان من المفترض أن تكون عليها أميرة مثلها.
ـ هذا يكفي يا فتيات...دعينا نعود للداخل يا فيروزة.
انهت المربية الجدال تجر ساعد فيروزة وتسحبها نحو القصر.
التفتت فيروزة بسرعة حينها تطالع يامن الذي راح يراقب رحيلها بترقب تتعلق بثغره ابتسامة فخورة.
وحين اختفت هي والمربية بالداخل، محى صوت سلمى الغاصب ابتسامته واخذ كلامها المسموم يرن بأذنيه كالطنين:
ـ هل يعلم الدوق منتصر أن ابنه الحبيب يحرض اطفال القصر على العنف؟
ـ وهل يعلم جلالة الملك ان ابنته تتنمر على شقيقتها وتحملها ذنب لم تقترفه؟
راقب رد فعلها البارد لوهلة، ثم استطرد يرفع سبابته في وجهها محذرا:
ـ لستِ الوحيدة التي فقدت أمها، تلك الصغيرة لم تسنح لها الفرصة حتى لرؤيتها، بينما انتِ عشتِ معها لست سنوات كاملة... أما هي فولدت ووجدت نفسها بلا أم وتحت رحمتك انتِ...أتحسدينها على تربيتة رأس تحصل عليها كل حين من الملك؟
عقدت حاجبيها بغضب وراحت تصرخ في وجهه بلا رادع:
ـ لا تملي عليّ أفعالي يا هذا..
ـ أنتِ أنانية مدللة...كفي عن تصرفات الأطفال هذه يا سمو الاميرة.
وغادر دون ان ينتظر ردها حينما لمح صديقه مروان يقترب نحوه بيده السيوف الخشبية ليتدربا على المبارزة.
●●
أحست بألم إصابة كفها الذي دعسته سلمى تحت حذائها، فراحت تتململ في نومها وتحاول بجهد جهيد أن تفرق أجفانها. أزعجها ضوء النهار الذي أحست به يحاوطها، وراحت همهمات متوارية تتسلل إلى مسامعها لكنها كانت مشوشة. كانت الكلمة الواضحة الوحيدة التي سمعتها هي:
ـ استيقظت...
فتحت عينيها، وراح الإرهاق المتشبث بأهدابها يعانق مقلتيها. راقبت ملامح غرفة نومها هي والدوق بشرود، تحاول استرجاع آخر ومضة بذاكرتها المتعبة.
قطع تأملها وشدوهها صوت نيرة القلق جوارها:
ـ سمو الاميرة هل تسمعينني؟ أتعرفين أين أنتِ؟
هزت فيروزة رأسها بوهن بعد لحظة من السكون، وأخذت تطالع نيرة بينما تزدرد لعابها لترطب حلقها الذي جف إثر نومها الطويل، ثم نبست بصوت مبحوح:
ـ ما الذي حدث لي؟
ـ سأشرح لكِ كل شيء، لكن عليّ أن أخبر مروان أولا بأنك استفقتِ.
راحت نيرة تتراجع للوراء خطوات عديدة بحماس مشوب بالتوتر، وحين اقتربت من الباب، تذكرت شيئا هاما وعادت مهرولة تقترب من الفراش، وتحذر الأميرة هامسة:
ـ لا تخرجي من الغرفة حتى أعود...وإن دخل أحد في غيابي لا تجعليه يعلم أنك مستيقظة.
بان التيه على ملامح فيروزة المتسائلة، فهزت نيرة رأسها بسرعة توضح:
ـ هذا من أجل سلامتك...اعتبرِ أن هناك خائن يحاول اذيتك، ساعديني واحمي نفسك حتى أعود مع مروان.
وغادرت مسرعة بعدما شدت على يدي الأميرة بإحكام تطمئنها.
رفعت فيروزة رأسها تستند بها على مسند الفراش خلفها، تكالبت عليها الذكريات دفعة واحدة فأصبحت لا تعرف أيها حقيقة وأيها كان كابوسا. بان على أساريرها الموجوعة الألم الشديد. تأوهت حين أصبح كل شيء من حولها لا يحتمل، وراحت تزيح الغطاء من فوق جسدها بلهفة متوترة. انزلت ساقا وخلفها الأخرى ولامست بقدميها العاريتين الأرض الباردة. وقفت بصعوبة جلية، وأخذت تترنح في سيرها تحس في كل خطوة تخطوها بأن الدنيا ترجها رجا..
●●
رنت نغمات البيانو بإيقاع هادئ. كانت أصابع سلمى تنساب بإحتراف على المفاتيح بينما تغمض عينيها تتلذذ بمذاق كل نغمة تصدرها أناملها العازفة.
أخذ الإيقاع يرتفع رويدا، ومع علوه جالت بذاكرتها مشاهد دفعها لفيروزة التي كانت في سن المراهقة حينها من على كرسي البيانو باستمتاع، تمنعها عن الإقتراب منه.
ارتفع الإيقاع أكثر، ترنمت بينما تتذكر شعورها بالنشوى والمقصلة بنصلها الحاد تهوى على رقبة زوجها السابق وتهلكه.
ثم علت موجة الموسيقى بدرجة ملحوظة، جعلت لج الذكريات يخطفها نحو ذكراها الأسوء...ضغطت بأهدابها على مقلتيها ورأت يامن ينزوي بفيروزة في حديقة القصر ويخبرها بهيام أنه سيطلب يدها من والدها الملك اليوم.
خالجها شعور الخذلان نفسه الذي طعنها حينها، وعبست أساريرها حين تذكرت كم كانت متحمسة لتعترف له بعشقها الأزلي منذ الصغر.
أخذ إيقاع الموسيقى يرتفع ويرتفع، أطراف أصابعها ترتطم بمفاتيح البيانو بقوة أكبر وأكبر...جال بذهنها لذة الانتصار حين رأت والدها على فراش الموت، ثم فيروزة الواهنة بفراشها...ويامن المسجون مكتوف اليدين يصرخ بها حين ذهبت لترى الهزيمة في عينيه، أخذت الابتسامة تشق ثغرها رويدا رويدا، وحين ابتسمت باتساع كانت المقطوعة قد انتهت.
تنفست براحة حين عم الهدوء غرفة الموسيقى بقصر الدوق. قاطع لحظات نشوتها تلك دخول مزدهر المفاجئ دون إنذار.
التفتت له بهدوء ثم نبست:
ـ جئت سريعا...ظننتك ستأتي غدا.
ـ رسالتك لم تكن مطمئنة...ماذا عنيتِ بأن وقتها ينفذ؟
ـ يعني أنني قررت أن وقتها قد نفذ...لا أفهم ما الذي يجعلنا نماطل كل هذا الوقت.
ـ جنونك هذا سيجلب المصائب فوق رؤوسنا...علينا التريث قليلا.
عادت تبتسم بعدما جمد وجهها تحاول فهم ما يرمي إليه، وراحت تجلس قبالته على الكرسي الوثير، بينما كان هو جالسا على الأريكة واضعا ساقا فوق الأخرى.
ـ لماذا أرى جلالة الملك متوترا؟ هل هذه أول مرة نفعلها يا أخي؟
ـ أخرسي...
هب مكانه معتدلا يهدر والغضب يعانق كل ذرة من كيانه.
انقلبت اسارير سلمى المستريحة إلى العبوس فجأة، واستطردت:
ـ لماذا الغضب الآن؟أليست خططي هي التي جلبت لك العرش إلى تحت قدميك يا سمو الملك؟ كف عن تمثيل البراءة أمامي على الأقل.
ـ حين تخلصنا منه كان ذلك لأنه عجوز خرف سيهلك المملكة بأفكاره القديمة، كان على استعداد لتنفيذ كل فكرة يجلبها له يامن دون تفكير...أما الآن، فأنا لا أفهم المغزى وراء ما نفعل.
علت ابتسامة مستهزئة زاوية ثغر سلمى إثر كلماته، وراحت تحدثه والبراءة المزيفة تقطر من كل كلمة تنبس بها:
ـ لسانك عاجز حتى عن ذكر اسمه، يا لقلبك الرقيق...ألهذه الدرجة ضميرك يؤنبك على قتل والدك وسرقة العرش؟
●●
ـ يتبع ـ عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية