رواية قصر خازور الفصل السادس 6 - بقلم سماهر جمال

 رواية قصر خازور الفصل السادس 6 - بقلم سماهر جمال

في الليلة الثالثة، وقبل منتصف الليل بقليل، كانت ليلى تنتظر في ساحة القصر، تتأمل المكان بعينٍ يختلط فيها الفضول بالخوف. كان الليل ساكنًا إلا من حفيف الأشجار وصوت الرياح وهي تمرّ عبر فتحات السور القديم.
رفعت رأسها حين لمحت ضوءًا يقترب من بعيد، ولم تلبث أن تميّزت ملامح الأستاذ رفعت وهو يقترب بخطواتٍ ثابتة، وإلى جواره شاب بدا عليها لأول مرة.

تبادلت مع رفعت نظرة سريعة تحمل سؤالًا صامتًا مضمونه من يكون هذا الشاب، فأشار بعينيه نحو الشاب وكأنه فهمها دون كلام. ابتسم بخفة وقال وهو يقرّب المسافة بينهما:
_"أقدّم لكِ عِمران، ابني الأكبر، قررت أن ينضم إلينا، فقد نحتاج إلى عقلٍ جديد في هذه القضية."

نظرت ليلى إلى عمران بنظرة متفحّصة، فبادلها نظرة مترددة تنمّ عن ضجرٍ واضح. ثم قال ببرود:
_"أبي لم يترك لي خيارًا، كنت أفضل قضاء هذه الليلة في مكتبي بدلًا من مطاردة خرافة قديمة."

أطلقت ليلى ضحكة خفيفة وهي ترفع حاجبيها قائلة:
_"خرافة؟ صدّقني، بعد ما رأيته في الليلتين الماضيتين، ستغيّر رأيك."

رمقها عمران بنصف ابتسامة، ثم التفت إلى أبيه قائلًا:
_"هلّا أخبرتني ما الذي سنفعله بالضبط الآن؟"

رد رفعت وهو يفتح كشافه الصغير موجّهًا ضوءه نحو البوابة:
_"سنراقب المكان أولًا، لا نريد تكرار ما حدث في المرة السابقة، شيءٌ ما يحدث هنا يا عمران، شيءٌ لا تفسير له."

ساد صمتٌ لثوانٍ، لا يُسمع فيه سوى أنفاسهم وصوت احتكاك أوراق الشجر المجاور لهم. ثم قالت ليلى وهي تشير نحو النافذة الخلفية:
_"القفل الذي كان هنا بالأمس، اختفى."

تبادل الثلاثة نظرات الدهشة، وتقدّم عمران بخطوةٍ بطيئة نحو النافذة ليتحقق منها بنفسه، ثم تمتم بنبرةٍ هادئة:
_"حسبما فهمتُ من أبي ونحن في الطريق، أنكما ليلةَ أمسَ وجدتما الأبوابَ والنوافذَ مغلقةً بأقفالٍ قوية، لذا لم تستطيعا الدخول. إذًا، من الذي قام بإزالة القفل مرةً أخرى؟"

تبادلَ رفعتُ وليلى النظراتِ ولم ينطق أيٌّ منهما، فتابعَ عمرانُ حديثه قائلًا بنبرةٍ أقرب إلى التقرير منها إلى السؤال:
_"أظنّ أن هناك من علمَ بدخولكما القصر، فبات يتلاعب بكما أو يحاول إخافتكما. من المؤكد أنّ شخصًا ما يريد أن يمنعكما من الدخول بكلّ السبل، أليس كذلك؟"
أجابه والده وهو يتحرك نحو البوابة الداخلية للقصر:
_"هذا ما سيُجيب عليه الباب الداخلي للقصر فورَ رؤيتِنا له."

تحرّك الثلاثة نحو البوابة الداخلية للقصر، وكان رفعتُ أولَ من صعد السلالمَ الخشبيةَ المتهالكةَ بفعل الزمن والغبار.
تفحص البوابة بحرصٍ والتي اتضح خلوها من أيِّ أقفالٍ جديدة أو قديمة!
كانت ليلى هي أول من تحدث هذه المرة، فقالت بدهشةٍ واضحة:
_"كيف هذا!، أستاذ رفعت، ألم تكن البوابة مغلقة ليلة أمس؟، أشعر أن رأسي سينفجر من كثرة الأسئلة العالقة به."

تنهد رفعت بيأس، لمَ يزداد الأمر سوءًا؟ من له مصلحة في حيرتهما؟
تحدث عمران وهو يدفع البوابة ويهمّ بالدخول:
_"دعونا نترك تلك التساؤلات لوقتٍ لاحق، هيّا بنا الآن ندخل القصر حتى تفعلا ما جئتما لأجله، ثم أعود إلى المنزل لأن لدي ما هو أهم."

تقدّم الثلاثة داخل القصر، وكانت نظرات الدهشة والتعجّب واضحة على وجه عمران تحديدًا، فهو رغم معرفته ببعض المعلومات عن هذا القصر والخرافات التي أُشيعت حوله، إلا أنه لم يُعر الأمر اهتمامًا من قبل، ولم يفكّر في دخوله ولو لمرةٍ واحدة.
كان والده يراقبه بحذرٍ، محتفظًا بنظرات الرهبة والإعجاب التي ارتسمت على وجهه دون أن ينتبه له الآخر، إذ كان لرفعت رؤيةٌ خاصة في إشراك عمران معهم، فبرغم عدم اقتناع ابنه بالبحث في ماضي هذا القصر، إلا أنه الأكثر قدرة على مساعدتهما في فكّ الشفرات التي اعترضت طريقهما.

أشارت ليلى إلى رفعت نحو الأعلى لتدعوه للصعود، غير أنه لم ينتبه لها، إذ كان تركيزه منصبًّا بالكامل على أحد الأبواب الخشبية المتهالكة، تحديدًا باب الغرفة التي تناثرت شظايا الكوب الزجاجي أمامها، وهي ذاتها الغرفة التي وجدا فيها مذكّرات الجد توفيق.

اقترب منه عمران حين لاحظ شروده الطويل، ووضع يده اليمنى على كتفه متسائلًا بقلقٍ:
_"أبي، ما الأمر؟ ما لي أراك شاردًا في هذه الغرفة هكذا، حتى إنك لم تنتبه لمناداة الآنسة ليلى لك؟"

فاق رفعت من شروده القصير وانتبه لهما أخيراً، فقال بهدوئه المعتاد:
_" لا شيء، لا عليكما فقط خُيل لي ظلاً لتلك الغرفة."

تابع وهو يدنو إلى ليلى:
_"هيّا بنا نستكشف الطابق الثاني جيّدًا، ففي المرّة الماضية لم تتح لنا الفرصة للدخول إلى جميع الغرف وفحصها بحرص."

بدأ الثلاثة يصعدون السلالم الخشبية بحذرٍ وهدوءٍ يخالف رهبتهم في الزيارة الأولى لهذا القصر.
وأثناء صعودهم لمحوا لوحةً كبيرةً على الجدار الموازي للسلالم، كانت تحمل صورةً تضمّ جميع أفراد عائلة خازور.
كان السيّد توفيق يجلس على كرسيٍّ خشبيٍّ بنيّ اللون، تظهر عليه الفخامة والزهو، وعلى أحد جانبيه كان يقف ابنه الأكبر هاشم، تجانبه زوجته سعاد، وأمامهما تقف الصغيرة خديجة، بينما على الجانب الآخر يقف ابنه الأصغر حسن وقد وضع يده اليمنى في معطفه الأسود الثمين.
كانت نظرات الغرور والثقة تتقد من عيني حسن، كما كان يُعرَف عنه آنذاك.

تأمّلت ليلى الصورة لدقائق معدودة، ثم رفعت يدها اليمنى وأشارت إلى الجانب الذي يقف فيه حسن، وبعدها حوّلت اتجاه يدها نحو الجانب الآخر حيث تقف سعاد، وقالت بنبرةٍ طفوليةٍ تخالف الجوّ العام الذي هم فيه:
_"أهذا الأزعر هو من خان أخاه مع تلك الشمطاء؟! لا ذوق لديه ولا حتّى أدنى فنٍّ في الاختيار."

ضحك رفعت وعمران رغماً عنهما؛ فكانت ليلى تُظهر عدائيّتها الشديدة تجاه حسن وسعاد وهي تتحدث، وقد بدا ذلك جليًّا في ملامح وجهها المشدودة غضبًا وغيظًا.

أشار لها عمران أن تتوقف وهو يحاول أن يخفض من صوت ضحكاته المسموعة، ثم تمتم بجدّيةٍ مصطنعة:
_"آنسة ليلى، هلاّ توقفتِ عن الحديث بتلك التّفاهات التي لا جدوى منها الآن؟ والآن، هيّا بنا لنُكمل سيرنا، لا أعلم لماذا نتوقف كل بضع دقائق لنتحدث عن أمرٍ تافهٍ وخرافةٍ لا معنى لها!"

رمقته ليلى بغيظٍ أشدّ لكلماته السامّة وعديمة الفائدة كما وصفتها، بينما خلفهما كان يقف رفعت يراقبهما بتسليةٍ واضحةٍ عليه.
انتبه له عمران على الفور، فعدّل من وقفته ثم تمتم بضجر:
_"لا أعلم حقًّا كيف استمعتُ إليك وأتيتُ معك إلى هنا! حتّى الآن لم أجد ما قد يثير حماسي للبقاء في هذا المكان ولو لخمس دقائق، فقط التّفاهات هي العامل الرئيس منذ أن وطئت قدماي هذا القصر الغريب."

تابع قوله وهو يصعد إلى الأعلى، بينما رمق رفعتُ ليلى بأسفٍ لحديث ابنه الوقح من وجهة نظره، ثم أكمل هو الآخر صعوده للأعلى.
تنهدت ليلى بغيظٍ وهمست تقلّد عمران بسخريةٍ خافتة:
_"فقط التفاهات هي العامل الرئيس منذ أن خطَت قدماي هذا القصر الغريب! هاهاها، حقًا لا يوجد في هذا القصر ما هو أتفه منك، أيها الأخرق!"
كادت تُكمل صعودها نحوهما بعد أن أفرغت ما في صدرها، حتى وإن لم يسمعها مَن تسبّب لها بتلك الحالة، إلا أن القدر كان له رأيٌ آخر؛ إذ عَلِقت تنورتها بأحد المسامير البارزة في الجدار بسبب قُربها الشديد منه، وعدم تثبيت المسمار بإحكام.
حاولت انتزاعها بهدوء كي لا تتمزق، غير أن اللوحة الضخمة تحرّكت بيدها وكادت تقع عليها، فصرخت بخوف وهي تحاول تثبيتها في مكانها.
في الأعلى، وبينما كان رفعت وعِمران يتحدثان بشأن القصر، سمعا صرخة ليلى.
كان عمران أول من تحرك بسرعة نظرًا لكِبر سنّ رفعت وبطء حركته، فهبَّ نحوها حتى وصل، فرآها تُحاول جاهدة إسناد اللوحة التي أوشكت على السقوط.
أسرع لمساعدتها في تثبيتها، لكن بقوّته الزائدة انخلعت اللوحة عن الجدار تمامًا.
فما كان منه إلا أن أمسكها بإحكام، ثم أسندها على أرضية السلّم وأمال جانبها العلوي على الجدار.
ما إن انتهى حتى حوّل بصره نحو ليلى وقال بغضب:
_"ما الذي جعلكِ تقتربين من الصورة إلى هذا الحد؟! أهو رأسكِ هذا الممتلئ بالتفاهات والتعليق على كل ما لا فائدة منه؟!ماذا كان سيحدث لو لم أتحرّك إليكِ بسرعة؟! بل ماذا لو لم أكن هنا، وكنتِ وحدكِ مع أبي؟!هل كنتِ تُثيرين له المتاعب بهذه الصورة أيضًا ليلة أمس؟!"

أغلقت ليلى عينيها بحزنٍ ولم تلتفت إليه، بل بقيت في مكانها تحدّق نحو حذائها تتأمّله بهدوءٍ مصطنعٍ حاولت بشتى الطرق أن تحافظ عليه.
اقترب منهما رفعت، الذي لم يُعر كثيرَ اهتمامٍ للمشاجرة التي افتعلها ابنه دون سببٍ وجيه، بل ركّز انتباهه على بقعةٍ محدّدة.
ظنّ عمران أن أباه يقترب منه ليؤنّبه على كلماته لليلى، فكاد أن يدافع عن نفسه بسرعة، غير أنّ نظرات والده إلى الجدار كان لها حُكمٌ آخر.
حوّل بصره هو الآخر إلى الموضع الذي ينظر إليه والده، فأبصره يتأمل بابًا متوسّط الحجم على الجدار، كان مخفيًا خلف الصورة الضخمة للعائلة، والتي ما إن أُزيحت تمامًا حتّى انكشف الباب الخفيّ من ورائها.
اقتربت ليلى هي الأخرى تحدّق بالباب في دهشةٍ، ثم قالت بحماسٍ مفاجئ، وكأنها لم تكن حزينة منذ بضع ثوانٍ فقط:
_" يبدو أنه بابٌ سريّ! أحببت هذا! أظن أن وقت المغامرة قد حان أخيرًا!"
قلّب عمران عينيه بضجرٍ واضح، وفي داخله يسأل الله أن يمدّه بالصبر والهدوء.
اقترب الثلاثة من الباب، وقد اتّضح خلوّه من أيّ أقفالٍ.
وضع رفعت يده على الباب ثم حرّكه برفق، فانفتح أمامهم، فتقدّم الثلاثة أكثر حتى أبصروا درجًا خشبيًّا باهت اللون تملؤه الأتربة والغبار.
تحرّك كلٌّ منهم، وكانت ليلى أول من اندفع بحماسٍ نحو الدرج، فنزلته بخطواتٍ سريعة مفعمة بالفضول، ولحق بها كلٌّ من رفعت وعِمران.
رأى الثلاثة غرفةً متوسطة الحجم تغمرها الأتربة من كل مكان، وعلى الجانب الأيمن تواجد مكتبٌ خشبيٌّ كبير الحجم، احتلّ معظم مساحة الغرفة، وبجواره خزانة صغيرة مغلقة الأبواب وقد امتلأت بالكتب.
وعلى الجدار المقابل لهما وُجدت لوحةٌ ضخمة تضم أفراد عائلة خازور.

تأمّلها عمران لبرهةٍ ثم قال بهدوء:
_" أليست تلك هي الصورة ذاتها التي كان الباب مخفيًّا خلفها؟"
فأجابته ليلى مؤكدة حديثه:
_" نعم، هي نفسها، ولكن هذه اللوحة لا يظهر فيها وجه الطفلة خديجة!."

تحرك رفعت نحو الجدار المعلّق عليه الصورة، ورفعها بحذرٍ ليتأكد من شكّه في وجود مخرجٍ سريٍّ آخر خلفها، ولكنه لم يرَ أمامه سوى جدارٍ مرَّ عليه الزمن لسنواتٍ فأضحى متهالكًا ومتهرِّئًا.
تحرَّكَت قدما عمران نحو المكتب الخشبي، فلفت نظره دفترٌ أسودُ اللونٍ مزَيَّنُ حوافه بالذهب ومغطًّى بالتراب. مدَّ يده ونفَّض عنه الغبار ببطء، ثم فتحه بحذر. ما إن أَبْصَرَتْه عيناه حتى توقَّفت على كلمة واحدةٍ مكتوبةٍ بأحرفٍ كبيرة فجمَّدت نظراته للحظة، وهو يتأمّلها:
«خازور»
همس بها بحذرٍ، كأن نطق هذا الاسم صار لعنةً في ذاته.
شعر بيدٍ قويةٍ تُوضَع على كتفه الأيمن، فتيقّن فورًا أنها يدُ أبيه؛ فالتفت إليه وهو يمدُّ يده بالدفتر الذي التقطه قائلاً:
_ "وجدتُ هذا الدفتر على المكتب، ربما يفيدكما فيما تودّان معرفته."

اختطفته ليلى بسرعةٍ من يده قبل أن يفكر والده في إمساكه مجددًا، فنظر إليها عمران بغلٍّ ظاهر، ثم ربّت والده على يده كأنه يواسيه على بلاءٍ جديد.

لم تُعر ليلى لنظراتهم اهتمامًا، بل فتحت الدفتر بسرعةٍ وقَلَّبت صفحاته بفوضى، فلم تجد فيه ما يثير فضولها، فجميع الصفحات كانت بيضاء لا تحمل حرفًا واحدًا سوى الكلمة التي قرأها عمران والمكتوبة في أول صفحة من الدفتر.

فأعادته إلى يدِ عمران قائلةً بلا مبالاة:
_ "تفضّل، لا شيء به البتة؛ فكيف ينفعنا من لا فائدة فيه؟ أظنُّ أن رأسك هو من يمتلئ بالهراءات."

هنا لم يَتَمالك عمران أعصابهُ؛ إذ شعر برغبةٍ جامحةٍ أن ينقضَّ عليها ويؤدِّي إليها ضربًا عنيفًا، لا يهمه إن استغرق ذلك عشرينَ عامًا أو أُحيل إلى حبلِ المشنقة، فهذه الفتاة أثارت غضبه ولم يَمرّ على وجوده معها سوى ساعتان فقط!

أدرك رفعتُ نيته على الفور، فنحى وجهه إلى أذنِ ابنه وهمس برجاء:
_ "تمالك نفسك هذه المرة فحسب، وأعدك أنها لن تفعل شيئًا يزعجك ثانيةً. أنت العاقلُ هنا يا عمران، لا أريد أن تتورط أكثر."

سمع لأبيه ونفض عن ذهنه أفكاره العنيفة، وفي المقابل كانت ليلى تنظر إلى الأسفل هربًا من نظرات عمران الغاضبة، فآخر ما كانت تحتاجه الآن هو أن تستمع إلى كلماتٍ لاذعة من ذلك الأخرق. وأثناء ما كانت تُبصر الأرض، وقع بصرها على ظرفٍ أبيض اللون، يبدو أنه سقط من الدفتر حين كانت تقلّب صفحاته بعنف، ولم تنتبه له إلا الآن.
لمحَه كلٌّ من عمران وأبيه في اللحظة ذاتها، لكن هذه المرة انحنى عمران بسرعة والتقطه قبل ليلى، أمسك به وهو ينظر إليها بانتصارٍ زائف، فبادلته نظرةً تفيض غيظًا، بينما كان رفعت يراقب ابنه بدهشةٍ من تصرفاته الغريبة، البعيدة كل البعد عن شخصيته المعتادة.

ناول عمران الظرفَ لأبيه، فتناوله الأخير وهو يتفحصه بهدوء. همّت ليلى بالكلام، لكن يدَ عمران أشارت لها بالصمت في تحذيرٍ صارم.
فتح رفعت الظرف فوجد بداخله بضع ورقاتٍ يبدو أنها مزّقت من دفترٍ آخر.
فكر لبضع ثوانٍ في أمرٍ ما، ثم حرّك جسده ليصبح في مواجهة ليلى، وقال بنبرةٍ حازمة:
_"أعطني دفتر مذكرات السيد توفيق الذي وجدناه في الغرفة الصغيرة."

أخرجت ليلى الدفتر من حقيبتها على الفور ومدّت يدها إليه. التقطه منها وفتحه، أخذ يتأمل صفحاته لثوانٍ، ثم عاد يتفحّص الأوراق الممزقة مرةً أخرى، فأدرك بسرعة أنها تعود إلى الدفتر ذاته.
أعاد الدفتر إلى ليلى ثانيةً وأمسك الأوراق بحذر، ثم قال بثقة:
_"ليلى، هذه الأوراق نفسها التي مزّقت من مذكرات السيد توفيق. كنا نبحث عنها لنفهم السر وراء هذا القصر الغامض وما حدث بعد مواجهة السيد توفيق لابنه حسن وزوجة ابنه الآخر، سعاد."

تفحّصت ليلى الأوراق بصدمةٍ لحظية، بينما قال عمران بعدم فهم:
_"عن أي مذكراتٍ تتحدث يا أبي؟"

شرح له والده باختصار:
_"في أول ليلة لنا في هذا القصر، وجدنا هذا الدفتر، وبعدما قرأنا ما فيه، تبيّن أنه يعود إلى السيد توفيق، صاحب القصر. كتب فيه كثيرًا عن الأحداث التي دارت داخله، وكان من بينها خيانة ابنه الأصغر حسن لأخيه الأكبر هاشم مع زوجته سعاد. وعندما واجههما بالخيانة أنكراها، وأخبرته سعاد بأن العمر قد أثقل بصره وسمعه، ويبدو أنه يتوهّم ذلك. بعدها كتب السيد توفيق أن خديجة، ابنة سعاد وحسن، كانت تدرك خيانة والدتها مع عمها رغم صِغَر سنها. هذا كل ما تضمّنه الدفتر، بينما كانت بقية الأوراق ممزقة، ويبدو أننا الآن وجدنا الصفحات المفقودة الأخيرة."

تبادلت ليلى وعمران النظرات المهتمة ذاتها، فاحترم رفعت فضولهما، ولم يكن هو أقلّ فضولًا وحماسًا لمعرفة ما تحتويه هذه الأوراق. قرأ الورقة الأولى، وكانت بداية ما لمحته عيناه، فبدأ يقرأ بصوتٍ خافتٍ سمعه كلٌّ من عمران وليلى:
_" أتمنّى ألّا يتمكّن حسن من العثور على هذا الدفتر، فالعثور عليه يعني هلاك هاشم، وهذا ما لا أريده. كنت أظن أنّني إن عوّضت هاشم عن خيانة زوجته وأخيه بالمال، فإنّ ذلك سيخفّف عنه، لكنّ ما لم أضعه في الحسبان أنّ هذا التفكير كان العقبة وبداية الطريق في حرماني من ابني الأكبر!. "

شهقت ليلى بصوتٍ مرتفع وقالت باندفاع:
_" هل هذا يعني أنّ الجميع لم يمت في اليوم ذاته كما أُشيع من قبل؟!، وأنّ السيد توفيق لا يد له في قتل الجميع؟ "

_" لِمَ التعجّب والاندهاش الآن؟ أليس من المفترض أنّكِ هنا لنفي تلك الإشاعة والبحث عن الحقيقة؟ بالطبع السيد توفيق صاحب القصر لم يكن هو من قتل أفراد أسرته ثم قتل نفسه لاحقًا كما أُشيع في الماضي. "

كانت بضع كلماتٍ لاذعة نطق بها عمران، الذي ما عاد يحتمل غباء هذه الخرقاء كما نعتها سابقًا. رمقته بنصف عينٍ، ثم حوّلت بصرها نحو رفعت الذي تابع القراءة بهدوء:
_" يا ليتني لم أكتب جميع ممتلكاتي لهاشم وقتها، فربما كان لا يزال على قيد الحياة حتى الآن. أعلم جيدًا من القاتل، فلا مصلحة لأحدٍ في وفاته سوى اثنين لا ثالث لهما، وهما سعاد وحسن. دائرة الشك لا تخرج عنهما. أعلم أنّ ابني قُتل بفعل فاعل، ولم تكن حادثة كما أخبرتني سعاد حينها. فأيُّ عقلٍ يصدّق أنّها وهاشم تعرّضا لحادثٍ وهو وحده من وافاته المنية لحظتها؟ أؤمن كلّ الإيمان بالقضاء والقدر، ولكن هل يُعقل أن تتعرّض فتاة لحادثٍ كبيرٍ دون أن يُصيبها خدشٌ واحد؟! كتمتُ شجني على ابني وصمتُّ، وابتلعني الحزن والخوف حينها، فربما يكون دوري هو القادم، من يعلم! خشيت في البداية على نفسي، لا أنكر، ولكن ما إن أبصرتُ نظرات حسن الخبيثة للصغيرة حتى أيقنتُ أنّ دورها قد حان هي الأخرى لا محالة!."

قاطع عمران أباه هذه المرة قائلًا:
_" هل يُعقل أن يقتل طفلة صغيرة لا تتعدى العاشرة من أجل المال؟ "

أجابه رفعت بهدوءٍ وذكاءٍ جعلاه يُخفض رأسه خجلًا من سؤاله:
_" حسبما فهمت من الرسالة، فإنّ توفيق كان شكّه الأكبر في الابن الأصغر حسن، فإذا صحّ الحديث، فمن يقتل أخاه طمعًا في المال، لا عجب أن يقتل طفلة صغيرة للسبب ذاته. "

شاركتهم ليلى الحديث بجدّيةٍ هذه المرة، خالفت أفعالها الطائشة السابقة، فقد طغت الشخصية الصحفية على الكوميديا الهوجاء:
_" إذا كان قد قتل أخاه لأنّ والده كتب له الميراث بأكمله ، وبالتأكيد سيرث هو بعد موته المال وكافة الممتلكات، فما ذنب الصغيرة خديجة حتى يفكر في قتلها هي الأخرى؟ "

_" ذنبُها أنها سترثُ الثروة بعد وفاةِ أبيها، فإذا ماتَ حسنٌ وماتت من بعده ابنته الوحيدة، فستبقى الثروة لاثنين فقط: سعاد زوجته، وأخيه."

تفوه بها رفعت، فأوضح لهما عمران قائلاً:
_"إذا كان السيد توفيق قد كتب لابنه هاشم كل ثروته وهو حيّ، وكان التمليك قد تم فعلاً — أي نُقلت الملكية في حياته — فهذه تُعدّ هبةً لا وصيّة، وفي الإسلام لا يجوز أن يُخصَّ الأب أحد أبنائه بهبةٍ دون الآخرين إلا برضاهم، لقوله ﷺ:
«اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».
فالهبة هنا غير عادلة وتُعتبر باطلة أو موقوفة على موافقة باقي الورثة بعد موته.
وإن فرضنا أن الهبة لم تكن عادلة أو لم تُستكمل قانونيًا — أي كتبها ولم يُنقل الملك فعليًا أو لم تُسجَّل رسميًا — ففي هذه الحالة تظل الأموال باسم الأب وتُوزَّع بعد وفاته ميراثًا طبيعيًا.
أقصد أن تمليك الأب لأحد أبنائه دون الآخر ودون رضاه يُعدّ في ديننا باطلاً ولا يُؤخذ به."

قالت ليلى بنبرة حادة يغلبها الأسى:
_"وهل ذلك الأزعر كان يدرك كل هذه الأمور؟!، من كانت في نفسه نيةٌ للقتل، لا أظنه يُدرك ما ينص عليه دينُنا من عدلٍ ورحمة. لو فهم ذلك لما أقدم على قتل أخيه بدمٍ بارد."

قال رفعت وهو يطوي الورقة الأولى:
_"لا تنسي أننا حتى الآن لسنا متأكدين من أن حسن هو من قتل هاشم، فكل ما بين أيدينا مجرد أقاويلٍ دوّنها رجلٌ أحاطه الشك من كل جانب، وقد تعودنا ألا نُسلّم إلا بالأدلة، فلا نُراهن على الظنون."

•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية

تعليقات