رواية هاجس الروح الفصل السادس 6 - بقلم رباب حسين
كلُّ وعدٍ منها كان جسرًا هشًّا من الزجاج انهار فور أن وضعتُ قدمَ الحقيقة عليه. عندها أدركتُ أن للخيانة وجهًا آخر... وجهًا مزيّفًا بالمكر. فدفعتُ بعشقي لها عرض الحائط معلنًا غبائي، إذ أحببتُ من طعنت قلبي بسكين الغدر. كانت تدّعي أنها سندي ولم أدرِ أنها الطعنة بذاتها.
لقد أحببتُ وهمًا وتعلّقتُ بظلٍّ. وها أنا الآن أتعلّم كيف أكره الضوءَ الذي كان سببَ عماي. أنظر إليها بدهشةٍ وأتعجّب مما أرى: كيف غيرت الأمورَ لصالحها؟! مستغِلّةً حبي لها. هي تعلم أنني لن أستطيع البوح بالحقيقة ولن أضعها بين أنياب غضب أبي بسبب هذا القلب المتيَّم بها.
تَبًّا لك أيها القلبُ الغبي، لقد تركتَ من يتمنّين وصلك وأحببتَ من تفنّنت في قتلك واستغلالك.
وها أنا أجلسُ رغمًا عني أُعلِنُها زوجةً لي.
كم كنتُ أتمنى ذلك اليوم، وكم حلمتُ بأن أضمَّك بين أحضاني مُعلِنًا مِلكيّتي لكِ،
لكنني أقف اليوم أُعلِنُ الحِداد على قلبٍ أحبَّ
وعشقٍ ثمّ تكفَّنَ بالخيانة.
تم عقد القران ودخلت سعدية مع تالين الغرفة وقالت: كنت حاسة إن عينه منك عشان كده كنت بحاول أبعدك عن أوضته بس الحمد لله إن أسعد بيه عرف وستر عليكي.
تالين بخجل: هو ملمسنيش.
سعدية: إحمدي ربنا إنه ملمسكيش، إنتِ دلوقتي مراته وواحدة غيرك كان زمانها عاملة فرح، حاولي تسعديه بدل ما يرميكي بعد فترة وتخسري حتى شغلك هنا.
أومأت لها تالين بنعم، وتركتها سعدية ثم خرجت لتجد ريان واقفًا مع والده. حيّتهما ثم عادت إلى غرفتها. بعد ذلك نظر أسعد إلى ريان بغضب وقال: عجبك الفضايح ديه؟
ريان: يا بابا أنا ملمستهاش.
أسعد: وهيفيد بإيه يا فالح، سعدية شافت كل حاجة والبت وشها متشوه، لو كانت راحت القسم وسعدية شهدت معاها كنت هتلبس قضية ومستقبلك هيضيع، المهم دلوقتي لمينا الموضوع، كام شهر كده وطلقها، وديه آخر مرة هقف معاك في حاجة زي كده، لو جيتلي مرة تانية ببلوة زي ديه هتبرى منك وأسيبك تخبط دماغك في أتخن حيط، إتفضل خد عروستك على أوضتك فوق.
أومأ له ريان بنعم، وذهب أسعد إلى غرفته بغضب وكل ما يشغله التفكير: ماذا لو عرفت حور بالأمر؟
أما ريان فنظر إلى باب غرفتها بغضب ثم اقترب وفتحه بعنف. فزعت تالين منه وأخذت تخطو إلى الخلف وهي تنظر إليه برجاء وقالت: غصب عني، كنت هتطردني وتبعدني عنك وأنا مقدرش أبعد عنك يا ريان، مش مهم تصدق ولا لأ دلوقتي، بكرة الأيام تثبتلك أنا بحبك أد إيه.
اقترب منها ريان بغضب ورفع كفه ليضربها مرة أخرى ولكن أوقفها قبل أن تلامس وجهها وقال: إخرسي، متجبيش سيرة الحب على لسانك، أنا كرهت الحب بسببك، بتدبسيني في الجواز منك يا تالين، ماشي، بكرة تندمي وتاكلي صوابعك العشرة ندم من اللي هعمله فيكي.
تالين: أنا عارفة إنك بتحبني ومش ههون عليك.
ريان بغضب: وليه أنا هونت عليكي؟! إنتي عارفة إني مش هقدر أقول لبابا حاجة واستغليتي ده لمصلحتك بس ماشي، اللي جاي بتاعي أنا، إتفضلي معايا على أوضتي.
ذهبت تالين أمامه وصعدا معًا إلى غرفته وأغلق ريان الباب وقال: شيلي الميكرفون اللي إنتي زرعتيه في الأوضة.
نزلت تالين تحت الفراش ونزعت الميكرفون ثم وضعته بيده فقال: الفيديو اللي اشتغل على التلفزيون لما صحتيني بليل، بتاع أمك ده، شغلتيه إزاي واتصور فين أصلًا؟
تالين: عملنا ديكور أنا وماما وصورنا الفيديو، بس إنت عشان حبوب الهلوسة مقدرتش تميز إن مش ديه الفيلا أوي يعني.
أخذ ريان يصقف بإنبهار ويقول: جبارة، مشفتش في بجاحتك بصراحة.
بكت تالين وقالت: أنا لما دخلت البيت ده مكنتش أعرفك وجيت بس عشان أظهر الحقيقة، لكن حبيتك أعمل إيه؟! بقيت بين نارين وكان لازم أخد حق خالتي من أبوك.
ريان بغضب: تاني هتقولي أبوك والكلام الفارغ ده، بابا مقتلش حد.
تالين: أظن إنك رحت المستشفى وعرفت إن الأوضة كانت فاضية قبل ما خالتي تموت.
ريان: ده مش مبرر وأنا هسأل بابا عن الموضوع ده.
تالين: طيب والدور الأرضي؟
أمسك ريان يدها بغضب وجذبها خلفه وخرج بها من الغرفة ونزل إلى الطابق السفلي وفتح الباب ورفع هاتفه وأنار المكان، فوجدت تالين المكان فارغ وقال ريان: بصي الأرض كلها معمولة بالبلاط ومفيش بلاطة مكسورة ولا باين إن فيه حد إدفن هنا زي ما أنتِ بتقولي، صدقتي إن كل ده أوهام في دماغ مامتك وبس؟
نظرت تالين حولها ثم نظرت إلى ريان في حزن فجذبها مرة أخرى وخرج وأغلق الباب ثم صعد بها إلى غرفته وأجلسها على الفراش وجلس أمامها وقال: بصي يا تالين، أنا كان ممكن أعدي كل اللي إنتِ عملتيه ده وأقول معلش كانت مامتها فاهمة غلط وكلت دماغها بكلمتين، وهي عيلة وصدقت، وكان ممكن برده أسامحك عشان مهما كان إنتِ بنت خالتي، لكن كدبك عليا واستغلالك لحبي ليكي لدرجة تخليكي تتبلي عليا إني كنت عايز أعتدي عليكي وتتجوزيني غصب عني ده بقى مش هعديه، فا بصي يا بنت خالتي واسمعي الكلمتين دول عشان ده آخر كلام بيني وبينك، الجوازة ديه شهرين تلاتة بالكتير وهتنتهي.
كادت أن تقاطعه وهي تبكي فأردف بغضب: مسمعش صوتك تاني، قعاد معايا في الأوضة هنا مش هيحصل ومحدش يعرف بجوازي منك غير خالة سعدية وبس، لو عرفت أو شميت إن حد عرف هطلقك في وقتها، إنتِ زي ما أنتِ، خدامة في البيت ده، وأول ما يتم الطلاق تاخدي بعضك وتمشي ومشفش وشّك تاني، أما بقى الكلام الفارغ اللي بتقوليه على بابا ده مش عايز اسمعه تاني، مفهوم؟
تالين ببكاء: بس أنا بحب...
قاطعها ريان بغضب وقال: مفهوم؟
أومأت له بنعم فقال: غوري على أوضتك.
نهضت وهي تبكي حتى وصلت عند الباب فقال ريان: استني.
نظرت له تالين وهي تبكي ووجها غارق بالدموع فقال: إعملي حسابك جوازي من حور هيبقى قريب، مش عايز أي لعبة من ألاعيبك، أنا غلطان إني نزلت بمستوايا لواحدة زيك.
غادرت الغرفة تجرّ خلفها حزنًا وكسرة، وامتلأ صدرها بألمٍ لا ينتهي. كانت تتمناه وبعد أن أصبح لها بات أبعد مما يكون. اختفت نظرات الحب من عينيه وتبدّلت بالاشمئزاز. لم يعد الصدر الذي كانت تتمنى يومًا الاتكاء عليه بل أصبح لعناتٍ تلاحقها من كل اتجاه.
تمضي في الممر، وكل خطوة تخطوها تزرع في رأسها سؤالًا واحدًا: هل سيتزوج غيري؟ هل خسرته حقًا؟ يا لندم قلبي وحسرة حبي، فلم يعد لها سوى الوداع.
عادت إلى غرفتها وارتمت على الفراش، تضع وجهها على وسادتها وانهارت في البكاء.
أما هذا المخدوع فرغم ما فعلت، لم يتحمل بكاءها. كانت دموعها كالجمر يسري على صدره لا على وجهها. نظرة الحسرة في عينيها ألمته وكادت أن تحطم الجمود الذي يصنعه على وجهه. لم يكن يعرف أن الكلمات التي يلقيها عليها لينتقم لجرح قلبه ستجرح قلبه أولًا.
مرّ الليل الطويل بين بكائها وندمه على حديثه، حتى سطعت شمس النهار. نزل ريان إلى المطبخ وطلب أن يتحدث مع سعدية. فخرجت من المطبخ ووقفت أمامه وقال: اللي حصل إمبارح مش عايز حد يعرفه غيرك مفهوم؟
سعدية: حاضر يا بيه.
ريان: تالين في أوضتها تحت عايزك تعالجي الجروح اللي في وشها وجسمها، ومتخرجش من أوضتها غير لما تخف أو تحط أي حاجة على وشها تداري بيها الجروح ديه.
سعدية: حاضر يا بيه.
ريان: وهتفضل خدامة في البيت زي ما هي لا أكتر ولا أقل.
سعدية: اللي تشوفه.
ريان: نفذي يلا اللي قلت عليه.
ذهب ريان إلى الطاولة وبعد وقت نزل أسعد ووجده يتناول الطعام مرتديًا حلته ومستعدًا للذهاب إلى العمل، فاقترب منه وجلس أمامه وقال: إيه النشاط ده؟
ريان: بقالي كتير مرحتش الشغل ومتأخر عليّا حاجات لازم أخلصها.
أسعد: إيه الجواز علمك المسئولية ولا إيه؟
ريان: بابا، لو سمحت أنسى الموضوع ده كأنه محصلش وأنا شهرين وهطلقها أصلًا.
أسعد: أهم حاجة متحملش منك.
ريان: ملمستهاش أساسًا.
أسعد: وطالما مش عايز تلمسها عملت اللي عملته إمبارح ده ليه؟
ريان: إنت عارف موضوع الحالة النفسية اللي عندي، وأكيد مكنتش في وعيي.
أسعد في قلق: لا كده حالتك بقت خطر فعلًا، وبعدين يا ريان؟ وليه مقولتليش إمبارح.
ريان: عشان النتيجة واحدة سواء بمبرر ولا لأ، كانت هتفضل تهددنا وبرده مش هقدر أقول على موضوع مرضى.
أسعد بحزن: اممم، فهمت.
ريان: أنا كنت عايز أسأل حضرتك على حاجة.
أسعد : قول.
ريان: هي ماما دخلت المستشفى بتاعت الدكتور عادل قبل ما تموت بشهر؟
أسعد: لا، دخلت يوم ما ماتت.
ريان: بس هي كانت محجوزة في المستشفى من بدري.
أسعد: أيوة، كانت في مستشفى تانية بس نقلناها عند عادل عشان كان جايبلها دكتور من برا مصر يعالجها وللأسف ملحقتش، في نفس اليوم ماتت.
تأكد ريان من أن أسعد لم يفعل ذلك وكل ما فكرت به خالته صفية هو وهم وراحت ضحيته هذه الفتاة ومات حبهما على آثره.
أسعد: هو أنت بتسأل كل الأسئلة ديه ليه؟
ريان: ها، لا ولا حاجة، متشغلش بالك يا بابا، عايز حضرتك تحدد معاد مع دكتور عادل عشان نروح نطلب إيد حور.
ابتسم أسعد وقال: بجد؟!
ريان: اه، وياريت محدش يعرف حاجة عن اللي حصل إمبارح.
أسعد: طيب هتتجوز حور إزاي وتالين هنا؟
ريان: هخطبها بس ولما أطلق تالين هتجوزها.
تركه ريان وقال: هقوم أشوف حاجة وأحصل حضرتك على الشركة.
ذهب ريان إلى غرفة تالين، أما أسعد فأخذ سيارته متجهًا إلى الشركة وأمسك هاتفه واتصل بعادل وبعد أن تلقى المكالمة قال: أيوة يا عادل... ريان فعلًا جيه سألني وأنا قولتله نفس اللي قولته لحور.... اه الحمد لله إنك لحقتني.
عادل: مش عارف ابنك ماله اليومين دول، بيفتح في الدفاتر القديمة ليه؟
أسعد: معرفش يا عادل، بس فيه خبر تاني.
عادل: خير.
أسعد: ريان طلب يجي يتقدم رسمي لحور، أظن كده عملت إتفاقنا كله زي ما قلت وحور هتبقى لريان.
عادل: أيوة كده تعجبني، والسر يفضل في بير.
أسعد: طيب الحمد لله.
دخل ريان غرفة تالين فوجدها جالسة على الفراش. حاولت سعدية أن تضع بعض الأدوية على وجهها لتهدئتها من ألم الجروح لكنها رفضت. وقف ريان ينظر إليها بضيق وقال:
أخرجي يا خالة سعدية وسيبينا لوحدنا.
خرجت سعدية وتركت الأدوية على الفراش، فاقترب منها ونظرت له بعيون باكية مشتاقة له ولرؤيته، لاحظ ريان نظراتها فقال: كفاية كدب وتمثيل، كل حاجة اتكشفت خلاص ولا أنتِ مش بتعرفي تتنفسي من غير كدب؟
تالين: مش بكدب، عمري ما كدبت في حبي ليك.
ريان: هشششش.
أمسك الدواء وحاول وضعه على وجهها، فأبعدته ودفعت يده بعيدًا عنها. أمسك يدها في غضب فتأوهت من الألم. ترك يدها وقال غاضبًا: ما أنتِ لو تثبتي مش همسكك.
تالين ببكاء: مش عايزة شفقة منك، جاي ليه هنا، مش قلت مش هتنزل بمستواك تاني؟ مش قلت هتتجوز ست حور بتاعتك؟ جاي هنا ليه؟
نظر لها ريان ببرود وقال: هي مش ست حور بتاعتي، هي ست البيت ده وستك وتاج راسك، وكلها كام يوم وتخدميها وتبقي تحت رجليها لحد ما أنا أطلقك وأرميكي برا البيت بمزاجي، إثبتي بقى عشان أحطلك الدوا على وشك.
تالين ببكاء : اطلع برا يا ريان، اطلع برا ومش عايزة أشوف وشّك تاني.
ريان: بيه... ريان بيه.
نظرت له تالين في حزن وقالت: حاضر يا ريان بيه، ممكن تسيبني في حالي، أنا مش عايزة علاج ولا عايزة حاجة منك، سيبني اموت يمكن ارتاح وترتاح مني إنت كمان.
ريان: ياريت والله.
قذف الدواء بوجهها وتركها وكاد أن يغادر الغرفة ولكن إلتفت إليها وقال: ماما كانت في مستشفى تانية قبل ما تتنقل على مستشفى دكتور عادل، بابا نقلها عشان دكتور عادل كان جايبلها دكتور من برا يعالجها بس ملحقش يشوفها لإنها ماتت في نفس اليوم، أظن كده كل شكوككم بقت باطلة، عرفتي إنك ضيعتي كل حاجة عشان وهم في دماغك وبس؟
نظرت له تالين والحسرة في عينيها، ثم ذهب ريان وأغلق الباب. وقف قليلًا محاولًا تمالك مشاعره فمن الصعب عليه الحفاظ على هذا القناع البارد أمامها.
كان وجهها وجسدها ممتلئين بالندبات، مما جعله يندم على ما فعله. وكان الحديث الذي يصدر منه من وراء هذا القلب المشتعل بحبها يستمر في جرحه أولًا.
سمع صوت بكائها يعلو ويعلو فكاد يدخل الغرفة مرة أخرى، لكنه منع نفسه وتركها وذهب إلى الشركة. عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية هاجس الروح" اضغط على اسم الرواية