رواية نبضات قاتلة الفصل السادس 6 - بقلم زينب محروس

 رواية نبضات قاتلة الفصل السادس 6 - بقلم زينب محروس

الفصل السادس
كان والدها مكفهر الوجه، حاد النبرة عندما هتف في وجه «مالك»:
_ بلا عمي بلا زفت، انسى أى علاقة بينا و ملكش دعوة بـ«غرام» تاني.

سأله «مالك» ببراءة زائفة:
_ ليه بس يا عمي؟ أنا عملت حاجة زعلتك؟
_ قولتلك متقولش يا عمي، و بعدين أنا مش هستنى لما تعمل، كفاية اللي سمعته.

تجمع الموظفون نتيجة لهذا الضجيج، فتمالك الآخر أعصابه كي لا يفتك به الآن، و اصطنع ابتسامة هادئة، و سحب الوالد إلى مكتبه عنوة عنه، تحت الأنظار المتسائلة عن سبب الخلاف.
طلب «مالك» من موظفيه العودة لمواصلة العمل، و أغلق الباب بسَكينةٍ قد اختفت و حل محلها بركانٌ ثائر، فقد استدار «مالك» إلى الوالد قائلًا بنبرة كفحيح الموت:
_ ساكت أنا و مقلتش منك قدام الموظفين، بس دلوقت مش هسكت بقى، الكلام اللي أنت سمعته دا يا عمى أنا مش هقولك معملتوش، لاء أنا عملت و عملت تصرفات متخطرش على عقلك المسن ده.

تزامنت جملته الأخيرة مع ضربه جبهة الوالد بخفة، ثم أكمل بجحودٍ و استبداد:
_ هتيجي بقى دلوقت مش هجوزك بنتي و بتاع، يبقى لازم تعرف إن مش أنا اللي يتقلي الكلام ده، بنتك عجبتني و دخلت دماغي و هتجوزها يعني هتجوزها، و هتيجي بكرا زي الشاطر كدا و تحط إيدك في ايدي قدام المأذون و تبارك لنا الجوازة.

لقد صُدم حقًا في خطيب ابنته، فمن يرى الملاك الذي كان يتحدث إليه منذ قليل، لن يصدق أنه نفس الشخص الذي يكشر عن أنيابه الآن، دون خجل من أفعاله الشيطانية.

رد عليه الوالد مستنكرًا:
_ دا اللي هو ازاي يعني! هتتجوز بنتي و أنا مش موافق؟ دا أنت لو ماسك عليَّ ذلة أنا مش هنفذ طلب زي ده.

قهقه «مالك» ساخرًا، و قال باستهزاء:
_ لاء ما دا مش طلب، دا أمر، و على فكرة أنا مش ماسك عليك ذلة، أنا ماسك عليك حياة بنتك و مراتك، فلو خايف عليهم يبقى تنفذ و أنت ساكت بدل ما تخسر مراتك و تتحرم من بنتك اللي بردو هتجوزها سواء أنت وافقت أو رفضت.

وقف الوالد كتائهٍ لا يعرف طريق العودة، بينما جلس «مالك» على كرسيه واضعًا قدم فوق الأخرى بغرور و عنجهة، ثم قال منبّهًا:

_ و اه، متفكرش تاخدهم و تمشي من هنا عشان رجالتي في كل مكان و تحركاتك بعد كدا هتكون متراقبة، و كمان متفكرش تقول حاجة لـ«غرام» عشان حتى لو هي رفضتني هتجوزها و أنت مش هتستفيد حاجة غير إنها هتعيش تعيسة بعد الجواز.

★★★★★★★★

أُثقل كاهله بتلك الحقيقة المدمرة، فذلك الشيطان الفاسد يطالبه بإلقاء ابنته إلى النيران، ضاقت عليه السبل و كأن عقله أعلن انسحابه عن التفكير، فلم يجد مخرجًا لتلك الكارثة التي أُلقيت فوق عائلته.
كان يجر قدميه بصعوبة بالغة، و كأن هناك من يسحبه للوراء، ما إن رأته زوجته «وداد» حتى بادرت بسؤاله قائلة:
_ ها عملت ايه؟ «مالك» وافق نعمل الحفلة عندنا في البيت؟

نظر إليها ساهمًا، و تخشبت الكلمات على فمه، فلوحت بيدها أمام عينيه لتشد انتباهه، فرد عليها بصوت خامل:
_ لاء رفض، أنا هدخل ارتاح شوية.

تركها خلفه واقفة تطالع أثره باستغراب من حالته التي خالفت سعادته و نشاطه عندما غادر المنزل صباحًا.
★★★★★★★★

أُعد المنزل لاستقبال العروس الجديدة، لم تكن التجهيزات كما تمنتها غرام، و لكن لا بأس فقد كان ديكورًا بسيطًا و مميزًا، و مناسبًا لحفلة عائلية.
كانت متخصصة التجميل تضع لمساتها الأخيرة، فبدت «غرام» ككتلة من الجمال تسير على الأرض، انتعلت حذاءًا ذي كعب مرتفع، و انساب فستانها الأبيض على جسدها بنعومة بالغة، و برزت ملامح وجهها الخاطفة للأنفاس، و ما زادها جمالًا هي تلك البتلات البيضاء الرقيقة التي استقرت في منتصف خصلاتها السوداء.

صدح هاتفها معلنًا عن اتصالٍ من شخصية مجهولة، فلم يكن رقمًا مسجلًا لديها، كانت على وشك الإجابة و لكن منعتها «منى» عندما خطفت الهاتف بغتة من يدها، و قالت بنبرة مرحة:
_ مش وقت مكالمات يا حلوة.
_ ما يمكن يكون حد من المستشفى و لا حاجة، خليني أرد.

وضعت الأخرى الهاتف على الوضع الصامت و احتفظت به في حقيبتها اليدوية، و قالت:
_ كلهم عارفين إن النهاردة فرحك فأكيد محدش هيطلب منك حاجة! دا تلاقيه رقم بيعاكس و لا حاجة، خلينا دلوقت في اللي احنا فيه عشان المأذون مستني تحت.
★★★★★★★

هبطت «وداد» الدرج، في طريقها إلى زوجها لتخبره بأن ابنتهما أصبحت جاهزة، فأوقفها «مالك» عند نهاية الدرج قائلًا:
_ كويس يا طنط كنت بدور عليكي.

منحته ابتسامة هادئة قبل أن تسأله:
_ خير يا حبيبي؟
_ عمي بيقولك إنه نسي بطاقته في البيت و هو حاليًا مش هيعرف يروح البيت عشان المأذون و الضيوف اللي جوا. ف لو ينفع تروحي أنتي و هبعت معاكي السواق بالعربية.

تحققت «وداد» من انشغال زوجها عندما وجدته يتحدث إلى بعض الرجال، فامتثلت لقول «مالك» قائلة:
_ طيب يا حبيبي هروح أجيبها أنا.

تكلف في ابتسامته، و اكتفى بهزة خفيفة من رأسه. كانت على وشك المغادرة و لكنها تراجعت خطوتين و قالت ببشاشة و ود:
_ من النهاردة تقولي ماما و عمك تقوله يا بابا.
_ بس كدا! من عيوني يا ماما.

لامست كتفه بخفة و قالت بحنان:
_ ربنا يسعدكم يا حبيبي.

★★★★★★

كان والدها يختصر في رده على الضيوف، لديه ما يكفيه من الهموم، لديه ضجيج آخر في عقله، أصوات أخرى ترغب في سماع رده لمعرفة نهاية الأمر. نهض من بينهم متخبطًا في مشاعره، و أفكاره، لحق به «مالك» حتى وصلا إلى الباب الرئيسي للمنزل و هنا أوقفه «مالك» بصوته الحاد:
_ رايح فين يا عمي؟

التفت إليه الوالد، قسماته المنكسرة، عينيه التائهة التى عُكرت بالدموع، كانت هذه التفاصيل كفيلة ليفهم «مالك» ما يدور في عقله، فاقترب منه هامسًا:
_ متفكرش تعمل أي حاجة، ادخل كدا زي الشاطر و خلينا نكتب الكتاب.

استجمع الوالد شجاعته و اعترض قائلًا:
_ أنا هدخل فعلاً، بس مش عشان نكتب الكتاب، أنا هدخل افضحك قدام ضيوفك و هاخد بنتي و أمشي.

ضحك «مالك» متهكمًا، ثم أردف بغروره و بطشه المهلك:
_ و دي حاجة تفوت عليّ بردو! و بعدين أنت قولت هتاخد بنتك و تمشي طب و مراتك؟ مش عايزها؟؟

قطب الوالد حاجبيه، و طالعه بنظراتٍ تنم عند عدم فهمه، كما سأله مترقبًا:
_ تقصد ايه؟
_ أقصد إن حماتي العزيزة مش موجودة هنا حاليًا.

مال «مالك» برأسه قليلًا، و همس بجاور سمعه حاكيًا ما دار بينه و بين «وداد» منذ قلة من الدقائق، فقال الوالد متعجبًا:
_ بس أنا منستش بطاقتي!

زفر «مالك» باستخفافٍ، و أوضح قائلًا:
_ ايوه أنا عارف، بس تقدر تقول دي ضمان ليا إنك مش هتفضح سري قدام الضيوف، و إلا وقتها الراجل بتاعي اللي مع ماما «وداد» هيخلص عليها، و بردو هتخرج من هنا من غير بنتك.

جحظت عينيه صدمةً، فهو أمام عقلٍ سام لم يتخيل وجوده على الإطلاق، رمقه «مالك» بسهامٍ آمِرة:
_ اطلع هات غرام.

★★★★★

دلف إلى الداخل بعدما سمحن له الفتيات، كانت مدللته و طفتله الصغيرة توليه ظهرها، حاول جاهدًا أن يمنع عينيه من البكاء، و لكن ما إن التفتت إليه العروس الجميلة، خانته عيناه و فرت الدموع رغمًا عنه، امتدت أناملها الرقيقة و أبعدت القطرات الساخنة بعيدًا عن وجنتي والدها، ثم قبلته من خديه قائلة بصوت مختنق:
_ بلاش دموع يا بابا، و الله هعيط أنا كمان.

منحها ابتسامة دافئة و قَبَلَ رأسها بدوره، و احتضنها بين ذراعيه، و هو يشدد من احتضانها و كأنه يرغب في إخفائها عن أفعال «مالك» السيئة، بل يرغب في إخفائها عن كل سوء قد يبكيها يومًا.

درجا السلم سويًا تحت أنظار الجميع، فكان هناك قلة من الضيوف لم يزيدوا عن عشرة رجال، و صديقتها «منى». جاورت والدها في الجلوس و بدأ المأذون عمله و هم ينصتون إليه جميعًا.

وضع الوالد يده في يد «مالك» الذي يرمقه بنظرات الانتصار، بينما الآخر يراه مشوشًا لتكون حاجز من الدموع في حدقتيه، و يكاد صوته يصل إلى الجميع بسبب تلك الغصة المريرة التي تكونت في حلقه.
أغلق عينيه بقوة عندما نطق المأذون بكلمته الأخيرة:
_ بارك الله لهما و بارك عليهما و جمع بينهما في خير.

احتضنها والدها بمشاعر مختلفة في هذه المرة، كأنه عناق من الاعتذار، الخوف، القلق، أو لنقل عناق الوداع.

تلق «مالك» المباركات و التهنئة من الجميع، و حان الدور على الوالد، فاحتضنه «مالك» بحفاوة زائفة، و همس له قائلًا:
_ تقدر دلوقت تروح تنقذ مراتك بقى، و متقلق على مراتي أنا هخلي بالي منها.
انسحب الوالد من بينهم بعدما أخبر «غرام» أنه سيذهب لينادي والدتها التي خرجت أمام المنزل، على وعدٍ بأن يعودا ليلتقطوا معًا صورة تذكارية.

★★★★★★

لقد كان الوقت ثقيلًا عليه، و كأن المسافة إلى منزله قد تضاعفت أضعافًا مضاعفة، ترجل من سيارته أمام المبني، و هرول متعثرًا إلى شقته الخاصة، و مازالت ترافقه الدموع.
ارتجفت يديه بينما يضع المفتاح في مكانه المخصص، لم يغلق خلفه الباب، فقد أسرع إلى زوجته التى فقدت وعيها على الأريكة المقابلة للباب.
صرخ باسمها بنبرة من الفزع الشديد، و ما إن اقترب إليها، تلقى ضربةً على عنقه أفقدته الوعي، و سمحت لعينيه بالانغلاق و التوقف عن البكاء.
يتبع............ عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات