رواية قصر خازور الفصل الخامس 5 - بقلم سماهر جمال
الفصل الخامس
في صباح اليوم التالي، وفي منزل الأستاذ رفعت قاسم الكائن في منطقة المسلة، إحدى مناطق محافظة الفيوم، كان يجلس شاردًا يفكر بعمق في قضيته الراهنة، والتي على الرغم من قِصر مدتها، إلا أنها شغلت حيزًا كبيرًا من تفكيره.
أخذ عقله يسترجع الأحداث الماضية التي أثارت دهشته، فبرغم مرور ثلاثين عامًا على قضية قصر الفيوم، وعلى شغفه الكبير وقتها بالعمل عليها، إلا أن ذلك الشغف لم يخمد ولو للحظة واحدة في رغبته بالبحث خلفها ومعرفة السر الخفي وراءها.
هل حقًا أسرة ذلك القصر جميعها قد ماتت كما شاع عنهم؟ أم أن هناك بقايا منهم ما زالت على قيد الحياة؟
هل السيد توفيق، صاحب القصر، هو من قتل من فيه ثم أقبل على الانتحار؟ أم أن للحقيقة وجهًا آخر لم يُكشف بعد؟
قطع تفكيره صوت ابنه الأكبر عِمْران، صاحب التسعة والعشرين عامًا، وهو محامٍ رزين وحكيم في كل القضايا التي يتولاها، إذ قال بنبرةٍ قلقة:
_ "أبي، ما بالك شاردًا اليوم أكثر من المعتاد؟"
انتبه له رفعت، وتخلّى عن شروده قائلًا بابتسامةٍ باهتة:
_"لا عليك يا بُني، فقط منشغل ببعض أحداث المدينة، وارتفاع الأسعار الذي يزداد يومًا بعد يوم."
ابتسم عمران بخفةٍ وقال مازحًا:
_ "منذ متى تهتم يا أبي بأخبار الغلاء؟! أنت رجلٌ لا يزعجه سوى الغموض!"
ضحك رفعت بخفوتٍ وهو يشيح ببصره عن ابنه:
_ "وهل الغلاء أقل غموضًا من القضايا التي أتعامل معها؟ لا تعلم من المسؤول ولا إلى أين يتجه الأمر!"
اقترب عمران منه وجلس أمامه قائلًا بنبرةٍ تحمل مزيجًا من القلق والفضول:
_"أبي، أرجوك لا تقل إنك عدت لتفكر في تلك القضية القديمة مجددًا، قصر خازور!"
ساد الصمت لوهلة، نظر رفعت إلى وجه ابنه نظرةً متأملة، ثم قال بهدوء:
_ "أيعقل أن تمر ثلاثون عامًا على لغزٍ دون أن يُفك؟! لا أستطيع تجاهله يا عمران، لا سيما بعد ظهور دلائل جديدة."
قطّب عمران حاجبيه متسائلًا:
_ "دلائل جديدة؟ أية دلائل؟"
أجابه رفعت وهو ينهض متجهًا نحو مكتبه ليُخرج المذكرة التي وجدها مع ليلى:
_"هذه، وجدناها أنا وصحفية شابة تُدعى ليلى أثناء تفقدنا للقصر، يبدو أنها مذكرات صاحب القصر نفسه، السيد توفيق."
تأمل عمران الغلاف القديم المتهالك، ثم قال بنبرةٍ حذرة:
_"أبي، هذا المكان خطر، ومغلق بأمر من الجهات المختصة، ما الذي دفعك للعودة إليه بعد كل هذا الوقت؟"
أجابه رفعت وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
_"ربما لأن الفضول لم يمت داخلي بعد، وربما لأن ما كُتب هنا سيُعيد فتح جرحٍ لم يُغلق قط."
قال عمران محاولًا تهدئته:
ـ "أتعني أنك ستعود إلى هناك مجددًا؟!"
رد رفعت بثقةٍ خافتة:
ـ "ليس وحدي هذه المرة، بل مع من تملك نفس الإصرار على كشف الحقيقة."
قطع حديث رفعت مع ابنه رنين هاتفه الموضوع على الطاولة الخشبية أمامه، فأمسكه سريعًا ونظر إلى الشاشة، لتظهر أمامه اسم ليلى عبد الحميد، فابتسم ابتسامةً خفيفة وقال قبل أن يجيب:
_ "تلك هي الآنسة ليلى، أظنها لم تستطع الانتظار."
ردّ قائلًا بصوتٍ هادئ:
_ "مرحبًا ليلى، خيرًا إن شاء الله؟"
جاء صوتها متسارعًا يحمل شيئًا من التوتر:
_ "أستاذ رفعت، كنت أراجع بعض الوثائق القديمة في أرشيف المحافظة، ووجدت شيئًا غريبًا يخص قضية قصر الفيوم."
اعتدل رفعت في جلسته وقد ارتسمت على وجهه ملامح الاهتمام:
_ "وما هو؟"
قالت ليلى:
_ "بحسب السجلات الرسمية، الحريق الذي دمّر القصر حدث بعد وفاة العائلة بخمسٍ وعشرين سنة بالضبط، لكن، لم يُذكر في أي تقرير سبب الحريق أو حتى مصدره، وكأن النار اشتعلت من تلقاء نفسها!"
تأمل رفعت كلماتها لثوانٍ ثم قال بنبرة متزنة:
_ "غريب حقًا، القصر كان مغلقًا طوال تلك المدة، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منه. لا بد أن هناك شيئًا لم يُذكر عمدًا."
صمتت ليلى لحظة ثم أضافت:
_ "هل تعتقد أن ما رأيناه بالأمس له علاقة بهذا؟ أعني الظل الذي ظهر عند السور؟"
زفر رفعت ببطء وقال:
_ "كل ما رأيناه وكل ما سنراه له علاقة بهذه القصة يا ليلى. أنا متأكد أن القصر لم يُغلق كما يظن الناس، بل ما زال يحتفظ بأسراره حتى اليوم."
ردت ليلى وقد اختلط في صوتها الحماس بالحذر:
_ "هل نفترض إذًا أننا سنعود إلى هناك؟"
ابتسم رفعت ابتسامة خفيفة وقال بثقة:
_ "ليس افتراضًا، بل قرارًا. هذه المرة سنعود ومعنا ما نحتاجه من دلائل ووثائق. لن نترك القصر حتى نعرف الحقيقة كاملة."
أغلق رفعت المكالمة مع ليلى ووضع الهاتف بهدوء، ثم التفت إلى عِمْران بنظرة جادة أقرب إلى التقرير منها إلى الطلب، وقال بنبرةٍ حازمة:
_ "عِمْران، استعد، أريدك أن تكون طرفًا جديدًا في هذه القضية. أودّ أن أستفيد من ذكائك وتحليلك الدقيق."
اتسعت عينا عِمْران دهشة، ثم قال مستنكرًا:
_ "كيف ذلك يا أبي؟! أنا لا أمتلك حتى وقتًا قصيرًا لأشغل نفسي بهذه الهراءات. عذرًا، ولكنني لا أملك الشغف ذاته الذي تملكه، ولا أؤمن أصلًا بأن وراء هذا القصر سرًّا يستحق البحث!"
ابتسم رفعت ابتسامة خفيفة لا تخلو من الغموض، ثم قال بهدوءٍ وثقة:
_ "كنتُ في مثل عمرك يا عِمْران، لا أصدق إلا ما أراه بعينيّ، حتى أدركتُ أن بعض الحقائق لا تُرى بل تُكتشف."
تنهّد عِمْران وهو يقول بمللٍ واضح:
_ "أبي، أنا رجل قانون، أتعامل مع وقائع وأدلة ملموسة، لا مع أساطيرٍ تُروى في المقاهي القديمة!"
ردّ رفعت وهو ينهض من مقعده متجهًا نحو النافذة:
_ "وما تظنه أسطورة اليوم، قد يكون غدًا دليلًا على حقيقةٍ دفنها الخوف، ستأتي معي يا عِمْران، ولو لمرةٍ واحدة فقط، وبعدها احكم بنفسك."
ظلّ عمران صامتًا للحظة، ينظر إلى والده نظرة مزيجٍ من الحيرة والإصرار، قبل أن يقول في نهاية المطاف:
_ "حسنًا، ولكن لتكن المرة الأخيرة التي أشاركك فيها شيئًا كهذا."
أدار رفعت وجهه نحوه مبتسمًا وقال بهدوءٍ غامض:
_ "أعدك يا بني أنها لن تكون الأخيرة."
•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية