رواية زواج اشتراكي الفصل الخامس 5 - بقلم هيام عمر
الفصل الخامس:
كان المكان حين وصولهم ممتلئا بالحضور من الأقارب والأصدقاء وأفراد من الصّحافة.
مرّ الحفل سريعا، بينما ظلّت منى غارقة في أفكارها تختلق ابتسامة واهية كلّما التقت عيناها بعيني والديها.
كان الوقت متأخّرا حين انتهى حفل الزّفاف لذلك غادر الجميع الى بيوتهم، بينما ظلّ عزيز يجول بالسيّارة مع منى دون هدف حتّى وصل بهما الطّريق قرب الشاطئ، ركن السيّارة وخرج فاتحا لها الباب:
_" لنتمشّى قليلا على الشاطئ."
خرجت دون أن تنبس بكلمة وراحا يمشيان في صمت، يحيط بهما الظّلام الذي أسدل ستائره على المكان وهدوء تامّ تقطعه أصوات الأمواج المتلاطمة على الشاطئ.
توقّف فجأة مستديرا اليها وتنحنح قبل أن يقول:
_" أردت أن نتحدّث خارجا قبل أن تحول رهبتنا من وجودنا في بيت واحد دون ذلك."
نظرت أخيرا الى عينيه في تمعّن محترمة رغبته في التّواصل وانتظرت أن يكمل:
_" أعلم أنّك مرغمة على هذا الزّواج وأنّ تظاهرك بالسّعادة أمام والدك فقط كي لا تزيدي من قلقه وآلامه. لكن دعينا نبرم اتّفاقا بيننا أن يبقى هذا الزّواج حبرا على ورق ولن يكون غير ذلك الّا في حال أنّ كلينا أراد ذلك. وفي هذه الأثناء لنعتبر أنّنا رفقاء سكن فقط."
مدّت يديها تصافحه وقد انجلى عنها الكثير من قلقها وقالت باسمة:
_" رفقاء سكن، اتّفقنا."
عادا أخيرا الى منزلهما الجديد، فاختار كلّ منهما غرفة منفصلة ودخلا للاستحمام والنّوم.
ظلّت منى متوجّسة من حالها الجديد رغما عنها ورفضت النّوم بدون حجابها رغما عن وجودها وحيدة في الغرفة المغلقة.
استفاق عزيز صباحا على رائحة المخبوزات الطيّبة تقتحم أنفه فاغتسل سريعا وتوجّه نحو المطبخ، حيث كانت منى واقفة تحضّر الفطور في هدوء يشبه نسمات الصّباح وقد أسدلت شعرها للخلف وربطته بمشبك ذهبيّ اللّون.
وقف متجمّدا يتفحّصها الى أن لاحظت وجوده فأستدار بسرعة نحو الحائط وقال في ارتباك:
_" أعتذر، لم أعلم أنّك هنا ...هكذا."
ضحكت في الخفاء من ردّة فعله
_" بتّ الأمس على قرار ألا أنزع حجابي حتّى أثناء النّوم."
ضحكت مضيفة:
_" لكن حرارة ليلة أمس أقنعتني أنّه لا بأس بذلك طالما أنّنا متزوّجان أمام الله."
التفت اليها مجدّدا وجلس سريعا الى الطّاولة منتظرا الفطور، بينما أخرجت هي الكعكة من الفرن ووضعت القهوة السّاخنة على الطّاولة ثمّ قالت جاذبة لها الكرسي للجلوس الى جانبه:
_" بما أنّنا اتّفقنا على أن يكون زواجنا اشتراكيّا، سنقسّم الأدوار بيننا سواء داخل أو خارج البيت ولنبدأ بالدّاخل."
قاطعها ملقيا بالمنديل على رأسها.
_" دعيه هكذا حتّى أستطيع التّركيز معك، لم أعتد بعد على رؤيتك دون حجاب."
كتمت ضحكتها مضيفة:
_" سأعتني اليوم بالمطبخ بينما يكون عليك الاعتناء بباقي المنزل والغد تتبدّل الأدوار."
_" حسنا، لكن فلتعلمي أنّه لا يبدو لي تقسيمك عادلا على الاطلاق."
_" حسنا، سنرى رأيك في ذلك غدا حين يكون عليك القيام بأعمال المطبخ."
ثمّ أضافت متهكّمة:
_" رغم أنّني لا أعتقد أنّ أعمال المنزل البسيطة ستمثّّل مشكلة بالنسبة لك."
ونظرت اليه نظرة تحدّ سرعان ما التقطها ليجيب قابلا الخوض في الحرب التي رسمتها:
_" بالطّبع لن تمثّل أيّة مشكلة، في المقابل أتمنّى ألا تتعبك بعض الاعمال الخارجيّة."
_" دعنا لا نستبق الأمور."
كان المنزل مرتّبا نظيفا لذلك لم يكن على الشّاب فعل الكثير، غير انّه استمتع بأصناف المأكولات الطيّبة التي حضّرتها منى لكليهما، لذلك، ورغبة منه لإبراز رغبته الصّادقة في التّعاون فقد تطوّع لإخراج القمامة عوضا عنها.
حين حلّ المساء، أعدّت منى كوبين من الشّاي بالنّعناع ونصبت طاولة في الشّرفة وضعت عليها الشّاي والبسكويت الذي أعدّته لها أمّها قبل الزّواج، ثمّ نادت عزيز للجلوس معها وتجاذب أطراف الحديث.
ترشّفا الشّاي للحظات في صمت قبل أن تصرّح دون انذار:
_" تبدو الشّرفة خالية ميتة، أودّ أن أزرع فيها بعض الأزهار طيّبة الرّائحة ونبتات الزّينة و ... والنّعناع."
بدأت الجملة في حماس وأنهتها فاترة كأنّما أفاقتها الحقيقة التي غيّبت عنها للحظات من حلمها. لاحظ ذلك فقال مشجّعا:
_" فكرة رائعة، في النّهاية حتّى وان لم تدم هذه العلاقة فهي لن تنتهي بهذه السّرعة لذا علينا أن نحاول خلق مكان مريح للعيش فيه."
في الغد، استيقظت منى على رائحة القهوة وصوت عزيز يناديها للإفطار.
لبّت ندائه لتجده وقد حضّر بعض البيض المقلي وشرائح الطّماطم والخيار، ووضع الى جانب أكواب القهوة بعض البسكويت.
ابتسمت ملقية عليه تحيّة الصّباح:
_" جميل، سأشرب معك القهوة سادة اليوم تشجيعا لعملك على اعداد فطور صحيّ."
ابتسم غير ناو على اخبارها أنّه لم يفكّر اطلاقا بما هو صحيّ أو لا وأنّه فعل كلّ ما ظنّ أنّ في استطاعته طبخه لا أكثر ولا أقل.
تكمّش فم الفتاة بعد أوّل رشفة قهوة شربتها وقالت مجاهدة لبلعها:
_" ما هذا العقاب؟"
فردّ ضاحكا وقد حمل مكعّب سكّر ليضيفه الى فنجانها:
_" لا عليك، لن يغيّر هذا المكعّب الصّغير الكثير، لا يمكنك شرب القهوة دون تحليتها ما لم تستمتعي بمرارتها."
أكملا الفطور سريعا واتّصلت منى بوالدها تطمئنّ على حاله وتطمئنه عليها، بدا لها صوته ثقيلا متعبا بينما أكّد لها هو أنّه بأحسن حال وأنّ صوتها السّعيد جعله أحسن، ثمّ طلب منها التّحضير لأوّل ندوة صحفيّة تقوم بها هي وعزيز بعد زواجهما على أمل أن يقدّماها قبل عودتها الى الدّراسة.
كان لدى الزّوجان أسبوع كامل بعد موعد زفافهما للتّخفّي عن الأنظار حتّى لا تطالهما ألسنة النّاس والصّحافة، لذلك قرّرا التّحضير لهذه النّدوة وانهاء بعض الأعمال المكتبيّة من المنزل.
دلفا الى البيانات التي وصلتهما بشأن ما قد وصلت اليه الشّركة من تطوّرات، وراحا يعدّان تقريرا مفصّلا عنها سيحتاجانه في ندوتهما.
مرّ بهما الوقت سريعا منغمسان بين الأوراق حتّى سمعا صوت أمعائهما الفارغة، فدخل عزيز المطبخ بتشجيع من منى مستعدّا لتحضير الغداء، وطالت المدّة التي قضّاها في الدّاخل حتّى ظنّت الفتاة أنّ شيئا قد أصابه.
لحقته الى المطبخ لتجده غارقا بين الخضر المنشّرة على مائدة المطبخ، حاملا بين يديه طبقا أخرجه لتوّه من الفرن قد اختفت ملامحه من شدّة احتراقه.
نظر لها في يأس وارهاق ثمّ قال مستسلما وقد غلبته ضحكته على حاله:
_" حسنا، على الأقل حاولت، لذلك لا تعتبر هذه هزيمة فعليّا."
ثمّ خلع عنه ميدعة المطبخ وأضاف مطمئنا:
_" سأصلح الأمر، لا تقلقي، لنأكل ثمّ لنعد التّفكير في طريقة تقسيم المهامّ بيننا."
غيّر ملابسه بسرعة وخرج لطلب الطّعام من مطعمه المفضّل.
اتّصل بها بعد فترة ليست بالطّويلة معلما ايّاها أنّ هناك من سيرافقه الى المنزل، لتكون على استعداد.
بضع لحظات مرّت قبل أن تسمع طرقات خفيفة على الباب معلنة وصوله، فتحت الباب فدخل هو ورجلان كانا يحملان ألواحا خشبيّة تحمل نقوشا زخرفيّة، سلّمها أكياس الطّعام ورافقهما الى الشّرفة أين قاما بتركيب الألواح.
غادر الرّجلان فذهبت لتأمّل الجماليّة التي أضفتها الألواح على الشّرفة، وسرعان ما لحقها عزيز لسماع رأيها.
_" تبدو لمسة بسيطة لكنّها حقّا أحدثت فرقا كبيرا."
_" لكنّ الفرق الأكبر ستلاحظينه حين تعدّين لنا مساء كوبي الشّاي بالنّعناع."
لم تفهم قصده لكنّها سارعت الى المطبخ تفتح أكياس الطّعام لإعداد الطّاولة.
_" لو بقي لك الأمر لأمتتنا من الجوع."
_" ومن أحضر الأكل اذن ان كنت فاعل؟"
نظرت اليه دون اكتراث ولم تجبه واكتفت بإكمال طعامها في هدوء.
حين حان المساء، طلب عزيز من منى اعداد الشّاي والالتحاق به الى الشّرفة أين قبع
_" لم أكن أعلم أنّك سريع الإدمان هكذا والّا ما كنت لأعدّ الشّاي منذ البداية."
ثمّ أضافت:
_" لا تجلس هنا هكذا، انزل القمامة على الأقل بينما أعددت الشّاي."
وقف متأفّفا وذهب للقيام بمهمّته بينما توجّهت بدورها الى المطبخ في رضا بعد أن عكّرت هدوءه.
جلست على الشّرفة تترشّف فنجانها بينما أسدلت شعرها الأسود على كتفيها تداعبه نسمات الهواء المنسابة من بين فتحات الألواح الخشبيّة.
نظر لها بابتسامة رضا تعلو وجهه وصرّح مفسّرا:
_" لاحظت اختناقك بالأمس بينما تلفّين حجابك بحرص غير قادرة على التّمتّع بهذه النّسمات العليلة، لذلك بحثت عن هذه الألواح لتركيبها حتى تستطيعي الجلوس مرتاحة دون قلق أو اختناق."
_" لكن، كيف ستستطيع النّباتات التّمتّع بالشّمس هكذا؟"
_" لا تقلقي، تسمح هذه الفتحات للشّمس كما تسمح للهواء بالمرور. إضافة الى أنّ هذه الألواح تفتح وتغلق ببساطة."
شعرت فجأة بإحساس بالنّذالة حيث لاحظت الفرق بين تفكيرها واهتمامه وأجابت مبتسمة في امتنان:
_" شكرا حقّا لتفكيرك بما يريحني، أدين لك بمعروف الآن."
_" حسنا، فليكن."
أجاب بتلقائيّة ثمّ تذكّر مأساته مع المطبخ فأضاف سريعا:
_" أريد أن نقوم بإعادة تقسيم للمهامّ المنزليّة."
_" وكيف ذلك؟"
_" حسنا، يمكن أن أقبل بأخذ بقيّة المنزل دونا عن المطبخ، ما رأيك؟"
_" ألم يكن تقسيمي غير عادل أوّل يوم حين أخبرتك أنّ هذا تقسيمنا المبدئي؟"
_" فلتعتبري ذلك زلّة مبتدأ، علما أنّني أبليت حسنا رغم ما واجهني من تحدّيات."
قالت في تهكّم:
_" أجل أبليت حسنا في اخراج القمامة ان كان هذا قصدك."
غضّ عزيز نظره عن استفزازاتها وركّز على هدفه فقط وهو تخليصه من مهامّ المطبخ فقال متحايلا:
_" لقد بدأت الأعمال الأخرى في التّفاقم ولا أعلم ان كنت حقّا أحسن الاختيار."
فأجابت موافقة خشية أن يغيّر رأيه.
•تابع الفصل التالي "رواية زواج اشتراكي" اضغط على اسم الرواية