رواية هاجس الروح الفصل الخامس 5 - بقلم رباب حسين

 رواية هاجس الروح الفصل الخامس 5 - بقلم رباب حسين


تتبدّل مشاعر الحب بأخرى مفعمة بالغضب والقهر والألم؛ فقد كان يظنها منقذته فصارت داءه، وكان يرى فيها النور فصارت زنزانة لقلبه. لم يرتكب ذنبًا سوى أنه أحبها.
كانت تقوده إلى الجنون وتزرع في عقله شكوكًا في أقرب الناس إليه، وتتلذذ بعذابه وهي ترتوي من عشقه الذي يغمرها من كل الجهات.
من أصعب أنواع الجنون أن تكتشف في النهاية أن من أحببت يومًا لا تقدر مشاعرك ولا تستحقها؛ فتدفنها بداخلك رغمًا عنك، وتترك غضبك يتحكّم بك آملاً أن يلتئم هذا الجرح.
ومع انهيار كل هذه المشاعر فقد نفسه؛ صار يضربها أينما وجدها وهي تصرخ ليتركها أو ليمنحها فرصة لتشرح له.
وبعد وقت من الضرب، وقف أمامها وهي تبكي وأنفاسه متصاعدة من الغضب؛ نظرت إليه برجاء ودموع في عينيها، ثم ارتمت أمام أقدامِه وقالت بانهيار: والله غصب عني... هفهمك كل حاجة يا ريان.
جذبها ريان من شعرها وقال بغضب: ريان بيه... يا جربوعة يا بيئة.
دفعها بقوة لترتطم بالفراش ثم عادت وأمسكت بساقه وقالت: حاضر....ريان بيه، بس اسمعني، أبوس رجلك وبعدين أعمل فيا اللي إنت عايزه.
ريان بغضب: الكلمة ديه هتندمي عليها، عشان لو سبت نفسي أعمل اللي أنا عايزه صدقيني هموتك في إيدي.
تالين: موتني.... بس اسمعني الأول، أنا دخلت البيت ده عشان أكشف حقيقة موت والدتك.
ريان: وإنتِ مالك ومالها؟! وبعدين حقيقة إيه اللي عايزة تكشفيها؟!
تالين: أنا بنت أختها، أنا بنت خالتك صفية، فاكرها؟
بدأ ريان يسمع لها وقال: فاكرها.
تالين: خالتي حنان مكنتش عيانة، أبوك من ساعة ما اتجوزها وهو بعدها عن أمي وعن أي حد تعرفه، وبالرغم من إن إمي وخالتي مكنش ليهم غير بعض، بس ماما قالت طالما مبسوطة وعايشة مرتاحة بعيد عن الفقر اللي كانو فيه مش مهم. اتقطعت أخبارها سنين لحد ما نقلت الفيلا ديه، كانت خالتي هتتجن على أمي وكانت أتجوزت وخلفتني، وفجأة؛ في يوم لقت جواب من أختها، الأول قعدت تقولها أد إيه هي وحشاها بس ملقتش طريقة تتواصل بيها معاها غير الجوابات، عشان أسعد بيه كان بيفتش في تليفونها على طول وكان مانع إنها تتكلم في تليفون البيت، بس في آخر الرسالة كان فيه حاجة غريبة، قالتلها إنها شاكة في تصرفات أسعد من ساعة ما نقلت في الفيلا ديه، وكمان إنها شاكة إنه شريكه مات، ورجع اتقطعت أخبار خالتي فترة، وبعدين بعتت رسالة تانية قالت فيها إنها شاكة إن جوزها قتل شريكه، بسبب إنه كان بيجيله كوابيس كل ليلة وبيقول وهو نايم كلام يخوف، وبعد كده بقت تبعت رسايل لماما كل يوم، وآخر رسالة جات لماما قالتلها إنه قتل فعلًا صاحبه وشاكة إن دفنه في الدور الأرضي بتاع الفيلا ديه، وبعد كده اتقطعت أخبارها نهائي، لحد ما جالها خبر وفاتها، وعرفت من أسعد بيه إنها كان عندها سرطان وبتتعالج بقالها فترة كبيرة وحالتها كانت متأخرة جدًا، وآخر شهر قضيته في المستشفى.
ريان: وإنتو إيه اللي أكدلكو إن الرسايل ديه كانت من ماما أصلًا؟
تالين: من ضمن الرسايل كانت بتتكلم عنك كتير وبعتت لماما عنوان الفيلا ديه، مين هيعرف كل المعلومات ديه عنكم ويعرف أمي غيرها؟! وكمان أكيد أمي عارفة أسلوب أختها كويس. السؤال اللي المفروض تسأله هو لو خالتي فعلًا كانت عيانة ليه مقالتش ده لأختها، ولا حاولت تشوفها قبل ما تموت؟ ولو كانت طلبت ده من جوزها مكنش هيمنع عنها أختها وهي خلاص بتودع الدنيا، ده لو بيحبها وبيموت فيها زي ما بيحكي لحد دلوقتي عنها.
ريان متعجبًا: إنتي فاهمة إنتي بتقولي إيه؟! أنا أبويا مش قاتل يا تالين.
تالين: إنت ذات نفسك رحت المستشفى وبدأت تدور، وأكيد اكتشفت اللي ماما اكتشفت.
صمت ريان يفكر ثم قال: وحضرتك جاية تجننيني عشان تثبتي إن بابا قاتل؟
تالين: ماما مشيت ورا موضوع مرض خالتي، وعرفت إنها دخلت المستشفى في نفس اليوم اللي ماتت فيه، ولما حضرت الدفن أبوك منعها تشوفها قبل ما يدفنوها ومرديش يخليها تشوف وشها، ده غير لما ماما شافت جسمها من برا الكفن حست إن الست ديه أطول من أختها بكتير، وبعدين جات هنا وواجهت أسعد بيه وطردها وبهدلها وهددها لو فتحت بقها هيقتلها ويقتلني أنا وبابا، فخافت وسكتت، لكن مقدرتش تشيل من دماغها فكرة إن أختها ماتت مقتولة، وقعدت سنين تفكر تجيب حقها إزاي، لحد ما كبرت وبقيت في السن ده، وطلبت مني أساعدها وهي اللي رسمت الخطة كلها، وأنا عشان عارفة أد إيه هي تعبانة من الموضوع ده وافقت، وكمان قالتلي إني شبهها جدًا وده هيفيدني في تنفيذ الخطة، وعشان محدش يشك فيا لبست عدسات تغير لون عيني اللي شبه لون عينيها. كان مهمتي وكل اللي عايزاه إني أديك الحاجات اللي خلت ماما تشك في موتها، وكمان كنت عايزاك تفتح الدور اللي تحت يمكن تلاقي حاجة جوا تفيدك وتكشف الحقيقة، بس إنت هربت ومردتش تفتح الباب ده.
ريان: أنا مش مصدقك.
تالين: طيب ليه والدك مانع أي حد يقرب للدور اللي تحت؟
ريان: بابا منعنا كلنا من ساعة ما خدنا الفيلا أصلًا، من أول ما اشتراها، يعني ملحقش يقتل ويدفن حد تحت زي ما بتقولي.
تالين: زي ما مامتك قالت مش إحنا، والجوابات لسه مع ماما لحد دلوقتي.
ريان: كان ممكن تيجي تقوليلي ده كله من غير ما تعملي فيا كده، وبعدين أنا إزاي مخدتش بالي إن الشبح ده إنتِ؟
تالين في تردد: عشان كنت بحطلك حبوب هلوسة في كل حاجة تشربها قبل ما تنام، ده غير المكياج اللي كنت بعمله.
نظر لها ريان بغضب وقال: إنتِ شيطان، لعبتي عليّا وخلتيني أحبك، وفي الآخر استغليتي كل حاجة عشان تجننيني. لو ربنا مكنش كشفك قدامي كان زماني في مستشفى المجانين ولا مرمي في مصحة بتعالج. إنتِ دمرتيني، وأنا مش هسكت على اللي عملتيه ده.
تالين ببكاء: ماما عملت حساب كل حاجة إلا حاجة واحدة بس، إني أقع في حبك، حاولت كتير أقولها نشوف طريقة تانية بس كان خلاص معندناش حل تاني.
ريان بغضب: أخرسي.... أنا مش مصدقك، إنتِ كدابة ونصابة وإوعي تقولي إنك بتحبيني. إنتِ أكبر كدبة عشتها في حياتي وأنا هوريكي هعمل فيكي إيه، قدامك الليلة ديه بس تخرجي فيها من البيت ده، لو صحيت ولقيتك لسة هنا هقول لبابا على اللي إنتِ عملتيه، وساعتها معرفش هيعمل فيكي إيه.
كاد يذهب ولكن وقفت تالين أمامه وحاولت أن توقفه وقالت ببكاء: متبعدنيش عنك يا ريان، أنا والله حبيتك بجد.
رفع ريان يده في غضب وكاد أن يصفعها مرة أخرى فابتعدت تالين ووضعت يدها أمام وجهها الممتلأ بالجروح والكدمات، وأردف ريان بغضب: أخرسي.... إياكي اسمعك بتقولي الكلمة ديه تاني، إنتِ أقذر بني أدمة أنا شفتها في حياتي، وأنا غلطان إني نزلت نفسي للمستوى ده. واحدة غيرك كان زمانها تحت رجلي بتبوسها إني بصتلها وهي حتة خدامة عندي، وبدل ما تحمدي ربنا على إني بصتلك حطتيلي حبوب هلوسة وجننتيني. إنتِ إزاي.... إزاي كنتي بتعملي فيا كده بليل والصبح تدخلي الأوضة تضحكي وتهزري معايا ولا كأنك عملتي حاجة؟ إزاي تبقي شيفاني هتجنن من اللي بيحصلي وقاعدة تستمتعي بحبي ليكي وغزلي فيكي كل مرة بشوفك فيها؟ إنتِ جبتي الجبروت والبجاحة ديه منين؟ عرفتي تعملي كل ده إزاي؟!
أمسكت تالين يده وقالت ببكاء: والله ما كنت بمثل عليك الحب، أنا حبيتك بجد. بص أعمل فيا أي حاجة غير إنك تبعدني عنك، إنت مش عارف أنا بحبك أد إيه، أنا مقدرش أعيش من غيرك.
نظر لها ريان باشمئزاز وكاد يذهب ولكن أمسكت ذراعه بقوة وقالت: مش همشي يا ريان. إقتلني حتى أنا موافقة بس مش همشي وأسيبك. أنا مش هعرف أعيش بعيد عنك، كنت ناوية أقولك كل حاجة صدقني كنت هفهمك الحقيقة قريب.
دفع ريان يدها بغضب وقال: بعد إيه؟! تقولي الحقيقة إمتى؟ بعد ما أكون إتجننت ولا ماشي ورا الدجالين.
تالين: بعد ما تعرف الحقيقة، بعد ما تجيب حق أمك اللي ماتت غدر.
ريان: بابا مقتلش حد، بابا راجل شريف وبنى نفسه بنفسه. بابا عمره مأذى حد في حياته وحتى لو حد حاول يأذيه في السوق مبيعملش رد فعل يأذي بيه حد. وبعدين بابا كان بيحب ماما جدًا، أنا كنت عايش معاهم وشايف ده بنفسي. مش هصدقك.... عمري ما هصدقك عشان إنتِ خاينة وزبالة وإبعدِ عني بقى. خليني أشوف واحدة نضيفة تستاهل تبقى مراتي وتستاهل حبي ليها مش إنتِ.
تالين ببكاء ترجوه: لا يا ريان، إنت ليا أنا، إنت وعدتني إنك تبقى ليا وعمرك ما هتبص لحد غيري.
ريان: أنا عمري ما هبصلك إنتِ خلاص. ربنا نجاني منك ومن كدبة وغشك. بكرة الصبح مشفش وشّك في البيت ده.... فاهمة ولا لأ؟

حاول ريان الابتعاد عنها لكنها أمسكت بذراعه بقوة وبدأت تتوسل إليه ألا يتركها. حاول هو سحب ذراعه منها بعنف وعندما عجز عن ذلك لشدة تمسّكها، دفعها فارتطم رأسها بالخزانة وسقطت فاقدةً للوعي، وتدفّقت الدماء من أسفل رأسها. نظر لها ريان في صدمة، وجثا على ركبتيه، ورفعها على ذراعه وأخذ يرتب على وجهها على أمل تفتح عينيها ولكنها لم تستجب، فركض إلى غرفة والده وأيقظه من النوم وطلب منه الاتصال بالطبيب وأخبره أن هناك خادمة فاقدة للوعي وتنزف أسفل رأسها، فنهض أسعد واتصل بالطبيب على الفور ونزل مع ريان لينظر إلى تالين في صدمة وقال: مين ضربها كده؟
نظر له ريان ولم يتحدث، فنظر له أسعد في شك فقال ريان: لا لا.... معملتش حاجة، إنت تعرف عني إني أعمل حاجة زي ديه؟! معرفش مين عمل فيها كده؟
أسعد بغضب: طيب إيه اللي جابك أوضتها؟ ومين ضربها وخلاها تنزف كده؟
ثم نظر له متوعدًا: عارف يا ريان لو اللي في دماغي طلع صح لهوريك أيام أسود من شعر راسك.
نظر له ريان ولم يستطع الرد عليه، فإن أخبره الحقيقة فلن يترك تالين وشأنها أبدًا، ولا يعرف ماذا سيكون رد فعله. يا لك من عاشق غبي! أتخاف عليها رغم ما فعلته بك؟! أتخشى أن يأذيها أحد وهي من تفننت في تعذيبك والكذب عليك.
سمع أسعد صوت الباب ونهضت سعدية لتفتحه فوجدت الطبيب يقف أمام الباب وقال: أسعد بيه طلبني.
سمعت سعدية صوت ريان من خلفها وهو يقول: إتفضل يا دكتور من هنا.
ثم نظر إلى سعدية وقال: تعالي معايا يا سعدية، إدخلي مع الدكتور عشان يكشف على تالين.
سعدية: تالين؟!.... مالها يا ابني؟
ريان: تعالي بس مش وقته، هفهمك بعدين.
لحقت به مع الطبيب ودخلت الغرفة وظل أسعد وريان بالخارج وهو يرى نظرات الشك في عين والده.
وبعد وقت، خرجت سعدية فنظر لها ريان وقال: خرجتي ليه؟!
سعدية: الدكتور عايز يسألها على حاجة ومش عايزها تخاف مني.
أسعد: يعني هي فاقت؟
سعدية: بيفوقها يا بيه، هو إيه اللي حصلها؟! ومين ضربها كده؟!
نظر أسعد وريان لبعضهما ولم يتحدثا.
وبعد وقت قصير، خرج الطبيب وأبلغهم أنها فقط تحتاج إلى الراحة وأنه قام بخياطة الجرح في رأسها وأعطاها بعض المسكنات وقد استعادت وعيها.
وأثناء ذلك، وضعت تالين العدسات داخل عينيها مرة أخرى، ثم وجدت أسعد يدخل الغرفة مع ريان بعد أن ذهبت سعدية مع الطبيب، فوقف أسعد أمامها وقال: مين عمل فيكي كده يا تالين؟
تالين ببكاء: ابن سعادتك يا بيه، لقيته داخل الأوضة عليا فجأة وقرب مني وكان عايز..... كان عايز...
ثم بكت وقالت: ولما رفضت فضل يضرب فيا لحد ما دماغي إتخبطت ومحستش بحاجة بعدها. أنا مردتش أقول للدكتور حاجة عشان سعادتك بس، لكن أنا عايزة حقي يا أما هطلع على القسم أعمل محضر فيه إنه ضربني وكان عايز يعتدي عليا وهفضحه في كل حتة.
نظر أسعد إلى ريان في غضب ووجده ينظر إليها في صدمة ثم اقترب منها بغضب وكاد أن يضربها وقال: أنا عملت فيكي كده؟!
أوقفه أسعد غاضبًا وقال: إنت هتضربها تاني وقدامي؟! طول عمري بقول عليك فاشل وبتاع نسوان ومش نافع. حصلت تغتصب بنت وفي بيتي كمان، عايز تضيع سمعتي واسمي في السوق عشان نزواتك يا قذر.
تالين: يا بيه أنا مش هسكت غير لما يكتب عليا. وخالة سعدية هتشهد معايا وهي شافت شكلي وعارفة إني كنت داخلة أنام وأنا سليمة ده غير إن الدكتور قالي إن الجروح والكدمات ديه جناية، يعني هحبسه ومش هسيب حقي.
نظر لها أسعد وقال: طيب تاخدي كام وتن...
قاطعته تالين قائلة: شرفي مش للبيع يا أسعد بيه، لو متجوزنيش هلبسه كمان قضية اغتصاب وسهلة أوي أعملها، قلت إيه؟!
حاول ريان أن يقترب منها مرة أخرى ولم يتمالك أعصابه، فأراد حقًا أن يضربها حتى الموت. لم يصدق ما قالت للتو ولكن منعه أسعد غاضبًا وهو يرى سعدية تدخل الغرفة وقال: كفاية فضايح بقى، إحترم إني واقف ولا أنت خلاص مش عامل لأبوك إعتبار؟
تالين: قلت إيه يا أسعد بيه؟
صمت أسعد قليلًا ثم قال: سعدية.... اتصلي بالمأذون يجي حالًا.
نظر له ريان في صدمة وهو يوزع نظراته بينه وبين تالين التي تنظر إليه في انتصار. عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية هاجس الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات