رواية نبضات قاتلة الفصل الخامس 5 - بقلم زينب محروس

 رواية نبضات قاتلة الفصل الخامس 5 - بقلم زينب محروس

الفصل الرابع
خرج عن صمته أخيرًا، و سأل الممرضة بصوت متحشرج:
_ هي نايمة كدا ليه؟ مش بتتحرك و لا بترمش حتى؟

كان يعلم ما أصابها و لكنه تمنى أن تُخلف الممرضة ظنه بإجابتها، و لكنها حطمت أمله الأخير عندما قالت:
_ مع الأسف مدام چنى قلبها مفيش نبض و الطفل كمان، البقاء لله.

انفجر «مالك» في وجهها كالبركان المندفع:
_ بتخرفي تقولي ايه؟ انتي ممرضة مبتعرفيش حاجة، اكيد بتكذبي، ماما اتصلي بسرعة على «غرام» و اطلبي منها تيجي فورًا.

كانت جملته الأخيرة بمثابة أمرٍ توجه إلى والدته، بينما انسحب من بينهم صاعدًا إلى تلك الغرفة التى شهدت قسوته و حقده الدفين.
لم يكن هناك مجالًا للحديث، فقد عرفت يدها موضع السوط، التقته مباشرة و انهار به ضربًا على جسد «أحمد» ، الذي لم ينطق ببنت شفة، و كأنه اعتاد العذاب و علم أن لا فائدة من صراخه، فكانت كل ضربة يتلقها تجعله يرفع رأسه قليلًا، و يضغط على عينيه بقوة تخفي الإحمرار القابع بين جفنيه.
تخلت شفتي «مالك» عن وضع السكوت، و نطق بكلمات من اللوم:
_كله بسببك، أنت السبب في موت حبيبتي، أنت السبب يا «أحمد» ، لو مكنتش أخدتها مني مكنش دا بقى وضعنا، مكنش المفروض تحبها، مكنش المفروض تحبها و لا حتى تفكر تتجوزها، أنت السبب، أنت السبب.

تزامنت كلمتها الأخيرة مع ضربة نهائية، حيث رمى السوط بعيدًا و سقط على ركبتيه، و ها هو يصاب بالحزن بعد عام من السعادة المكتسبة، خان صديقه قبل سنة، و اليوم تخونه عيناها و يبكى حسرة على ما آلت إليه الأمور، كل ما فعله فقط لتبقى بجانبه، لكن بقسوته و غضبه و لعنة حبه الفاسد فقد خسرها، لم يرغب في رؤيتها مع غيره، فحُرم منها إلى الأبد.

************

انتهت مراسم الدفن و تلقى «مالك» العزاء في معشوقته التي يراها الآخرون ابنة عمه لا أكثر، توجه إلى غرفتها بعدما غادر الجميع، كان منكسرًا، أصبح ضعيفًا كمن فقد روحه، جلس أرضًا جاعلًا من سريرها مسندًا لظهره، و سمح لنفسه بالانهيار، فقد أجهش في بكاء مرير.
جاءت إليه غرام، حاولت أن تخفف عنه قائلة:
_ هي أكيد دلوقت في مكان أحسن يا «مالك».

رد عليها مندفعًا:
_ لاء، مش في مكان أحسن.

كانت تعرف كم يحب ابنة عمه و يخاف عليها، لذا لم تكن حالته غريبة عليها، فكانت تتوقع أكثر من ذلك، أكمل «مالك» بصوت متحشرج:
_ أنا مش عايز الكلام اللي كل الناس بتقوله ده، هي مش في مكان أحسن، لو كانت جنبي و معايا هنا كان هيبقى أحسن.
_ ايه اللي انت بتقوله دا يا «مالك» ، أنا عارفة إنك كنت متعلق بيها و مقدرة حزنك، بس مينفعش كلامك ده، الأقدار و الأعمار دي بإيد ربنا، وحد ربنا يا «مالك» بلاش كلامك ده، حرام.

في تلك اللحظة قد حان وقتها لتتلقى ما يخصها من غضبه، فانفجر في وجهها موبخًا:
_ حرام؟ و مش حرام لما تسيبي شغلك و انتي عارفة إن حالتها صعبة؟ مكنش حرام لما تأهملي شغلك يا دكتورة؟ أنتي كمان ليكي دور في موتها.

اتسعت حدقتي «غرام» و أشارت إلى نفسها بذهول:
_ أنا السبب في موتها يا «مالك» ؟؟

أجابها مؤكدًا:
_ أيوه أنتي السبب، هو أنا شغلتك دكتورة خاصة ليه؟ مش عشان كانت حالتها صعبة و كان عندها تسمم حمل شديد و محتاجة اهتمام و رعاية كويسة، مش لو كنتي موجودة كان زمانك لحقتيها إنما سايبة معاها الممرضة، و حضرتك بايته في بيت أهلك!!!

لم ترغب في خلق صورة أخرى عن شخصيته، لذلك فضلت أن تلتمس له العذر، فحسمت أمرها بالانسحاب إلى أن يهدأ، فقالت بصوت مختنق:
_ أنا هسيبك ترتاح دلوقت، و نبقى نتكلم بعدين.

***********

احتضنتها والدتها لتواسيها قائلة:
_ متزعليش يا «غرام» يا حبيبتي، هو بس عشان وقت زعل فمش عارف هو بيقول ايه، دا موت و فراق يعني أكيد الموضوع صعب على «مالك» و عيلته.

ابتعدت «غرام» عن والدتها و هي تسألها بترقب:
_ هو أنا ممكن أكون السبب فعلاً يا ماما؟
_ يا حبيبتي يا دي أعمار، أنتي صح دكتورة بس لو ربنا مش كاتب النجاة للحالة اللي تحت إيدك و الله لو عملتي ايه ما هتعرفي تنقذيها.
_ بس أنا مكنتش موجودة جنبها يا ماما.

_ هو أنتي مسؤولة عنها لوحدك يا حبيبتي، ما في معاكي ممرضة و كمان عيلة چنى المفروض يفضلوا جنبها طالما حالتها صعبة كدا.......و برضو نرجع و نقول دي إرادة ربنا.
_ بس أنا كان المفروض مجيش هنا على الأقل كنت حاولت أنقذها و لو فشلت أكون ساعتها عملت اللي عليا.

تنهدت والدتها بضيق و حاولت إقناعها فقالت:
_ يا بنتي يا حبيبتي انتي ملكيش ذنب و الله، و بعدين أنتي مش سايبة معاها الممرضة! و الممرضة دي عارفة شغلها و عارفة الحالة و بتعمل زي ما أنتي تقولي يعني لو الممرضة كانت لاحظت حاجة غريبة على چنى كانت كلمتك.
أخفت «غرام» وجهها بين كفيها و انخرطت في البكاء دون توقف، و مازاد حزنها أكثر هو أن يحملها ذنبًا ثقيلًا كهذا في خلافهما الأول.

***********

انقضى أسبوع منذ أن عادت «غرام» لتمارس عملها في المستشفى التى عملت بها سابقًا، و في تلك الأيام لم تتواصل مع «مالك» نهائيًا، لكنها تواصلت مع والدته التى علمت بما حدث بينهما و اعتذرت من «غرام» بدلًا عن «مالك».
كانت تقف أمام المدخل الخارجي للمبنى تنتظر والدها كي يعودا معًا إلى المنزل، و قد رافقتها «منى» كي لا تنتظر بمفردها، و لكن ما إن رأت «مالك» يقترب إليهما، انسحبت قائلة:
_ «مالك» شكله جاي يتكلم معاكي، همشي أنا بقى يلا سلام.

اومأت «غرام» و قالت:
_ سلام.

وقف أمامها بطلته الساحرة، عادت إليه قوته المعتادة، و استرجع توازنه، حيث افتر ثغره عن ابتسامة لطيفة، و قال بصوته الأجش:
_ وحشتيني.

نظرت بعيدًا عنه، وضغطت على شفتيها كي لا تظهر ابتسامتها، فأكمل «مالك» مشاكسًا:
_ يا ستي اضحكي خلينا ننبسط.

رمقته بنظرة خاطفة دون أن تنطق، فاصطنع الندم قائلًا:
_ طب أنا آسف.

عقدت ذراعيها أمام صدرها، و عاتبته قائلة:
_ يعني أنت عارف إنك غلطان؟

ومح جفناه تأييدًا، و أطلق زفرة حارة، ثم رد عليها قائلًا:
_ عارف إني غلطان يا غرام، بس صدقيني كنت مصدوم و مش قادر أتقبل فكرة إن بنت عمي الوحيدة راحت مني في غمضة عين.

تناست كلماته اللاذعة سابقًا، و أردفت بنبرة حانية:
_ معاك حق، كانت صدمة فعلاً، ربنا يرحمها.

استهل «مالك» حديثًا آخر، عارضًا عليها أن يوصلها إلى المنزل، فاعترضت «غرام» قائلة:
_ لاء مفيش داعي، بابا جاي دلوقت و هنرجع البيت سوا.
تهللت أساريره و قال بنبرة من الحماس:
_ بجد! طب كويس عشان اتكلم معاه بخصوص فرحنا.

تعجبت من هذا التحول، فكيف لحفل الزفاف أن يُقام و لم يمر على وفاة «چنى» سوى أسبوع واحد، تجعدت جبهتها و سألته باستغراب:
_ هنعمل الفرح ازاي و بنت عمك متوفية من أسبوع!!

دس يديه في جيبي سرواله، و أوضح قائلًا:
_ ما إحنا مش هنعمل فرح يا غرام، و في نفس الوقت مينفعش نأجل جوازنا.

امتعضت ملامح وجهها عن السابق، و تلفظت بحيرة:
_ مش فاهمة! ليه مينفعش نأجل؟
_ ماما يا ستي هتسافر لندن عند عمي و مراته، و هتقعد معاهم فترة.

ارتخت ملامح وجهها و اقترحت قائلة:
_ طيب ما نعمل الفرح بعد ما والدتك ترجع من السفر؟
_ مش هينفع، لأن ماما رايحة تعرفهم باللي حصل مع چنى، مش هينفع تقولهم في التليفون، و عمي أصلا عنده القلب و مسافر بقاله سنة بيتعالج برا، يعني ماما مطولة على ما ترجع من السفر الموضوع ممكن يزيد عن سنة، فإيه رأيك؟

_ مش عارفة يا مالك، بس الناس هتقول علينا ايه؟

رد عليها دون اكتراث:
_ ملناش دعوة بالناس و بعدين إحنا مش هنعمل فرح، إحنا هنعمل حفلة صغيرة جدًا في البيت و نكتب الكتاب بين المقربين جدًا مننا و خلاص، مش هنعزم حد.

ران عليهما صمت خفيف، شردت فيه «غرام» تفكيرًا في قرارها الحاسم، و لكن قطع هذا الصمت وصول والدها، الذي صافح «مالك» مباشرة بعدما ترجل من سيارته.
رافقت «غرام» والدها في العودة إلى المنزل، و الذي بدوره أخبر «مالك» بأنه سيفكر في ذلك الأمر و يخبره بقراره في أقرب وقت.
يتبع........... عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات