رواية انين هوى الفصل الخامس 5 - بقلم امنية مصطفى

 رواية انين هوى الفصل الخامس 5 - بقلم امنية مصطفى


"الشك عاصفة دكت حصون الحب وقتلت مريديه"

أفلت عنقها، بينما راحت هي تتحسس موضع الألم ببرود، أدار ظهره لها وراح يتمتم بغير تصديق:
ـ أنتِ شيطان وقد سيطر على حياتنا.
ـ أنت السبب في كل هذا..
ـ قتلتِ زوجك، والآن تحاولين التخلص من شقيقتك؟
قهقهت ولم يخفى عليه عدم تفاجئها بمعرفته لسرها، بينما هندمت هي ثوبها تستعد لمغادرة الزنزانة:
ـ كل ما يحدث أنت السبب الوحيد فيه يا يامن...كان عليك أن تحبني أنا، كان يجب أن أكون أنا زوجتك.
طالع القسوة المتأصلة بوجهها، وتزعزع كيانه إثر الخوف الذي بثته ببرودها إلى اعماقه.
غادرت سلمى وتركته هو حبيس نفسه وسجين لهلعه.
●●
قطع مساحة زنزانته الباردة عشرات المرات جئية وذهابا والقلق يفتك بقلبه. كلما دارت عقارب الساعة نهش الهلع بفؤاده، وأخذ يتذكر رغما عنه اليوم الذي توفي فيه الملك الراحل سهيل، فانتفض وأخذ يضرب باب الزنزانة بقبضتيه صارخا:
ـ أخبروا مروان مساعد الأميرة انني أريد ان أراه.
جاءه الحارس، ونظر نحوه ببرود مردفا:
ـ منعت الأميرة سلمى أي أحد من دخول السرداب غيرها يا حضرة الدوق.
رنت صرخته الحانقة بجدران السرداب كلها وراح يركل الباب الحديدي وقلة الحيلة تقيد معصميه...ماذا سيفعل الآن وقد اختار الملك وسلمى ضحيتهما الجديدة؟ مستحيل أن يفشل في إيقافهما مجددا، مستحيل أن يكون بلا فائدة مرتين.
اقترب ثانية من القضبان، تعلق بتلابيب الحارس وأمره دون أن يلتفت لحقيقة وضعه المزري:
ـ أحضر لي ورقة ودواة حبر...
طالعه الحارس بشدوه وكاد يقابل طلبه بالرفض؛ ففيروزة أمرت قبل أن تقع فريسة المرض بعدم السماح له بأي شيء، وحين أتت سلمى إلى القصر لترعاها شددت الخناق عليه أكثر، طالعه يامن برجاء متوسلا:
ـ أرجوك، الأميرة فيروزة في خطر محقق.
غاب الحارس لدقائق، ثم عاد وبيده ما طلب، سلمهم له عبر القطبان بينما يتلفت حوله من شدة ما أصاب قلبه من خوف.
شكره يامن مردفا:
ـ شكرا لك، لا تقلق لن يعلم أحد أنك ساعدتني.
ـ حضرة الدوق...
راع يامن نداء الحارس المتوتر، فطالعه متساءلا وألف سيناريو يعصف بعقله، استطرد الحارس مزدردا لعابه:
ـ أخبرني أحد حراس القصر أن حالة الأميرة لا تبشر بخير.
هز يامن رأسه بشدوه وراح يردد بإقتضاب:
ـ ستكون بخير...ستكون بخير.
مرت دقائق، خط فيها يامن رسالة مبهمة لا يمكن لأحد أن يفهمها غير المقصود بها.
اقترب من الباب وعبر القضبان سلمها للحارس قائلا:
ـ احرص على ان تصل للمساعد مروان بأسرع ما يمكن.
أومأ له الحارس وراح يهرول بالممر يخبئ الرسالة داخل درعه بإحكام.
مر اليوم، وكل دقيقة فيه تحمل في طياتها عبق الموت والهزيمة، جلس الدوق في ركن الزنزانة القصي يخفي وجهه المخذول بين ركبتيه، كان بداخله ينتظر ساعة الصفر التي ستعلن فيها الدنيا هزيمته للمرة الأخيرة.
في خضم حلقات اليأس القاتلة تلك، سمع خطوات تقترب من الزنزانة، تسلل لقلبه الهلع حين تخيل أن تكون سلمى وقد أتت لتقيم احتفالا بانتصارها أمامه، لكن الباب فتح وراح الزائر يقترب ويجاور الدوق في جلسته على الأرض متحدثا:
ـ وصلتني الرسالة، كان يجب أن انتظر حتى منتصف الليل، فعيون الأميرة سلمى مزروعة بكل أركان قصرك.
رفع يامن رأسه بتعب، وطالع أسارير مروان المتجهمة، فهمه مروان وأردف معللا:
ـ كان يجب ان أكسب ثقة سلمى لأبقى جوار فيروزة يا صديقي.
ـ سلمى تحاول قتلها يا مروان
صمت مروان لهنيهة، فاستطرد يامن مقررا:
ـ حاول أن تبعدها عنها لبعض الوقت، أنا متأكد من أنها تفعل بها شيئا لتقتلها.
أومأ له مروان وكاد يهم بالمغادرة حين أوقفه يامن فجأة:
ـ علينا أن نخبر فيروزة بالحقيقة، إن علمت الحقيقة كاملة هي من ستنقذ نفسها من أيديهم.
ـ يامن، فيروزة لم تفتح عينيها منذ أيام، وإن حدث واستيقظت تجعلها سلمى تشرب دواءها لتنام مجددا...إن علمت فيروزة بحقيقة كيف حصل مزدهر على العرش فلن يتركوها لتنتقم، سيقتلونها بدم بارد.
ـ امنعها عن إعطائها ذلك الدواء أيها الاحمق
هب يامن واقفا وصرخ به بغير تصديق:
ـ استغل أي لحظة تكون بها مستيقظة واخبرها بكل الحقائق، أرجوك...مصير الأميرة والمملكة أصبح بين يديك الآن.
شد يامن على يدي مروان بتوسل، فأومأ الأخير له متنهدا وراح يغادر دون أن ينطق بحرف جديد.
●●
مر مروان أمام غرفة الأميرة، كان مكتوف اليديدن قليل الحيلة لا يعرف كيف يمكنه أن يساعد صديقه وينقذ المملكة من شر سلمى ومزدهر.
أخذت الأفكار السيئة تعصف برأسه؛ وراح يتساءل ما الذي تعطيه الأميرة سلمى لفيروزة حتى تفقدها صوابها هكذا وتجعلها تلازم الفراش.
في خضم عراكه مع أيكة الأفكار تلك، لمح الجارية تخرج من الغرفة وتغلق بابها.
مر بها بينما يكمل سيره، توقف لهنيهة وحدثها هامسا:
ـ اتبعيني.
فزعت حين حدثها، وأخذت تتلفت حولها لتتأكد أنه يحدثها هي، بينما أكمل هو سيره حتى نهاية الممر.
تبعته كما طلب، وحين خرجت من الممر جذبها بسرعة، وألصق جسدها بالجدار ونصل خنجره البارد يلامس نحرها.
ازدردت لاعبها من هول المفاجأة، فقال مهددا:
ـ حين تستيقظ الأميرة الفيروزة، سأكون أنا أول من يعلم بهذا.
نظرت نحوه بذهول لا تفهم ماهية حديثه، فأستطرد هامسا حتى لا يصل صوته لمسامع الغادرين:
ـ قبل أن تعلم الأميرة سلمى حتى...هل فهمتِ؟
أومأت له الجارية والهلع يفتك بقلبها الذي وصل صدى نبضاته حتى مسامع مروان، فتركها، أدخل خنجره في غمده الذي يسكن حزامه وراح يكمل سيره كأن شيئا لم يكن.
حين غابت الشمس، وأظلمت السماء على القصرجاءته الجارية إلى الحديقة وفي يدها صحن من كوؤس الشراب. كان يتناقش مع أحد الحراس بأمر ما، قدمت لهما الشراب، ولما طالعها بتساؤل هزت رأسها بإيجاب وراحت تغادر سريعا.
ابتسم منتصرا، وراح يتجرع الشراب دفعة واحدة قبل أن يهرع مهرولا إلى داخل القصر.
تسلل متلفتا والتوتر ينهش بقلبه، فإن علمت سلمى بدخوله إلى الحجرة لن ترحمه ستشك به وسينتهي به المطاف مقتولا بأبشع الطرق. اصطحب معه زوجته الطبيبة نيرة التي تعاون طبيب القصر، فحتى الطبيب بنظره مجرم هنا ولابد أنه عاون سلمى بطريقة ما.
أغلق الباب بإحكام حتى لا يدخل أي مخلوق وهما بالداخل، وراح يسير مع زوجته بخطى وئيدة حتى الفراش.
لمحته فيروزة، لكنها لم تتعرف عليه من شدة الإعياء، فحث زوجته على القيام بعملها سريعا.
ولما فرغت نيرة من الفحص، تنهدت بأسى وراحت تشرح بإختصار:
ـ كما توقعت، يبدو ان أحدهم يعطيها دواء ليجبرها على النوم هكذا، دواء مهدئ...الأميرة ليست مريضة بل منومة.
سكتت لهنيهة طالعت فيها زجاجة الدواء على الطاولة التي تجاور الفراش، ثم أستطردت مستنكرة:
ـ ذلك الدواء لم يحضره طبيب القصر، هذه ليست الزجاجات التي نستخدمها، أنظر هنا، هذه العلامة تشبه العلامات التي يميز بها الدجالون خلطاتهم المقرفة.
وأشارت نحو الزجاجة توضح مقصدها بعدما قربتها من أنفها لتخمن محتوياتها.
ـ ماذا سنفعل الآن؟ علينا أن نجعلها تستفيق بأسرع ما يمكن فالوقت ينفذ.
سأل مروان والقلق يعانق قسماته.
ـ سأعطيها شيء من شأنه أن يبدد أثر المهدئ ذاك، ولكن بشرط...
طالعها مروان متساءلا بقلق، فأردفت مجيبة بتحذير:
ـ بشرط ألا تتناول ذلك المهدئ ثانية، وإلا لن يفلح أي شيء قد نفعله.
هز مروان رأسه شاردا يحاول أن يدرك كيف سيمنع عنها يد سلمى المؤذية، فلا يوجد مخلوق بهذه المملكة قد يجرؤ على الوقوقف بوجه جبروتها وسطوتها الطاغية.
انتفضت نيرة فجأة، وراحت تطالع مروان بقلق جلي، عقد حاجبيه وهمس مستفهما:
ـ ما الأمر؟
ـ عليّ أن أفحص الاميرة مجددا يا مروان.
طالعها بشدوه لا يفهم إلام ترمي، فأجابته بينما تطالع الأميرة بأسى:
ـ أشك بأن الأميرة فيروزة حامل.
●●

ـ يتبع ـ عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات