رواية قصر خازور الفصل الرابع 4 - بقلم سماهر جمال
وبالفعل، في الليلة التالية تمامًا لدخولهما الأول القصر، وتحديدًا عند الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وقف رفعت وليلى مجددًا أمام البوابة الحديدية العتيقة لقصر خازور.
غير أن ما أثار دهشتهما هذه المرة هو القفل الحديدي الضخم الذي أُحكم إغلاقه على البوابة، رغم أنه لم يكن موجودًا ليلة أمس.
تبادلا النظرات في حيرةٍ وقلق، قبل أن تقول ليلى بنبرةٍ منخفضة:
_"هل يُعقل أن يكون أحدهم علم بدخولنا البارحة؟"
أجابها رفعت وهو يتأمل القفل بإمعان:
_ "لا أظن، المكان مهجور منذ سنوات، وحتى الجيران لا يقتربون منه، ثم إن القفل يبدو جديدًا نسبيًا، انظري إليه، لم يتآكل بعد!"
اقتربت ليلى أكثر، وضوء المصباح الصغير في يدها يرتعش، وانعكس على سطح الحديد البارد، فبان عليه أثر بصماتٍ حديثة كأن أحدهم لمسه منذ وقتٍ قريب.
همست:
_ "ربما جاء أحدهم بالأمس بعدنا مباشرة، أو ربما..."
قاطَعها رفعت بنبرةٍ حذرة:
_"أو ربما لم نكن وحدنا داخل القصر تلك الليلة."
سرت قشعريرة خفيفة في أطراف ليلى وهي تتراجع خطوة للخلف، تتأمل البوابة التي بدت وكأنها تُخفي خلفها أسرارًا لا تنام.
ثم تابع رفعت بعد لحظة صمت:
_ "لن نستطيع الدخول من هنا، علينا أن نبحث عن مدخلٍ آخر، النافذة الخلفية التي رأيناها بالأمس ربما تكون ما زالت مفتوحة."
أومأت ليلى بالموافقة دون أن تنطق، وكأن رهبة المكان بدأت تتسلل إلى أعماقها شيئًا فشيئًا، ليتوجها سويًا إلى الجهة الخلفية، حيث الظلال تبتلع أطراف القصر شيئًا فشيئًا، والليل يزداد ثِقلاً فوق صدريهما.
توجَّه الاثنان إلى الجهة الخلفية من القصر، تتسلَّل خطواتهما بين الأعشاب اليابسة وصوت الريح الذي كان يُصدر صفيرًا غريبًا وكأنه أنينٌ قادم من الماضي.
وحين وصلا إلى النافذة الأرضية التي رأوها في الليلة السابقة، وجدا أن عليها قُفلاً آخر، لكن هذه المرة بدا عليه القدم والتآكل، كأنه وُضِع منذ زمنٍ بعيدٍ ثم تُرِك للنسيان.
تبادل رفعت وليلى نظراتٍ طويلة، تتناوب فيها الحيرة والشك. قالت ليلى بصوتٍ خافت:
_ "كأن أحدهم يُريد أن يمنعنا من الدخول، أو أن يُوهمنا بذلك."
ظل رفعت صامتًا برهة، يُحدِّق في القفل بعينٍ فاحصة، ثم قال بعد تفكيرٍ عميق:
_ "لا أظن أن الوقت مناسب الآن، لا نعرف من فعل هذا ولا متى، وربما يكون هناك من يراقب المكان."
نظرت إليه ليلى باستغرابٍ وهي تقول:
_ "لكننا لم نرَ أحدًا حين جئنا، ولا سمعنا حركة حول القصر!"
ابتسم رفعت ابتسامةً باهتة وقال بثبات:
_ "الذين يخفون أسرار هذا المكان يا ليلى، لا يظهرون بسهولة. أرى أن نعود الآن، وغدًا نراقب القصر من بعيد، نرى من يأتيه ومن يقترب منه. حينها فقط سنعرف من الذي أعاد إغلاقه."
سكتت لحظة، ثم أومأت موافقة وقد بدا على وجهها بعض الارتياح رغم الخوف الذي لازم نظراتها، وقالت:
_ "حسنًا، ولكن إن كان هناك أحد بالفعل يأتي إلى هنا، فذلك يعني أن القصر لم يكن خاليًا كما نظن."
رد رفعت بنبرةٍ غامضة:
_ "بل كان خاليًا، إلى أن بدأنا نحن نُنبِش في ماضيه. "
ثم تحركا بخطواتٍ بطيئة مبتعدين عن القصر، بينما كان الليل يُخفي خلف جدران خازور أسرارًا أخرى تستيقظ مع كل محاولة لنبشها.
بعد أن اتخذ الاثنان قرارهما بالرجوع إلى منازلهما ريثما يجدان حلًا مناسبًا، توجَّها بخطواتٍ حذرة نحو الخارج، يتقدَّمهما صدى أنفاسٍ متوترة ووقع أقدامٍ يختلط بصوت الريح.
وحين وصلا إلى سور البوابة الخارجية للقصر، لمح رفعت من زاوية عينه ظلًّا لرجلٍ يتحرك بخفةٍ وسرعةٍ خاطفة خلف أحد الأشجار اليابسة القريبة من السور.
توقف فجأة، فارتبكت ليلى وسألته بصوتٍ مرتجف:
_ "ما بك؟"
لم يُجب، بل أشار بيده نحو الاتجاه الذي تحرك فيه الظل، وهمس:
_ "هل رأيتِ ذلك؟"
تجمدت ملامحها وهي تُحاول النظر في نفس الاتجاه، لكن الظلام الكثيف لم يمنحها سوى ظلالٍ متداخلة، تُمزّقها نسمات الليل.
_"رأيت ماذا؟!"
تحرك رفعت بخطواتٍ سريعة، وتبعته ليلى رغم خوفها، حتى وصلا إلى الجهة التي رأى فيها الظل، إلا أن المكان كان خاليًا تمامًا. لا أثر لأي أحد، سوى بعض أوراق الشجر الجافة التي تناثرت تحت أقدامهما، وصوت بابٍ بعيدٍ يُغلق فجأة وكأنه صدى من داخل القصر.
قالت ليلى وهي تُحاول تمالك نفسها:
_ "هل تتصور أن هناك أحدًا يعيش هنا فعلًا؟!"
أجاب رفعت بنبرةٍ ثقيلةٍ متوترة:
_ "لا أعلم، لكني متأكد أن ما رأيته لم يكن خيالًا."
نظرت نحوه بقلقٍ بالغ، ثم قالت:
_ "ربما علينا أن نكون أكثر حذرًا من الآن فصاعدًا، يبدو أن هذا المكان لا يريدنا أن نقترب منه أكثر."
رمقها رفعت بنظرةٍ غامضة، ثم قال وهو يشيح ببصره عن القصر:
_ "بل أظن العكس يا ليلى، هو من يُريدنا أن نعود."
وغادرا المكان بخطواتٍ مسرعة، بينما ظلّ القصر خلفهما كجسدٍ يختزن أنفاس الماضي، يُراقبهما بصمته الأبدي.
•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية