رواية هاجس الروح الفصل الرابع 4 - بقلم رباب حسين
الخوف الساكن في القلوب قد يبدو جدارًا عاليًا لكنه في عمقه بوابة سرية وكلما ارتجف المرء أمامها أدرك أنه أقرب إلى عبورها. وما أن تُفتح حتى يتحول الخوف نفسه إلى سلاح يضيء الطريق ويجعل العيون أكثر حذرًا والروح أكثر استعدادًا لمواجهة ما كان يبدو مستحيلًا. هكذا يصبح الخوف ليس عدوًا بل حليفًا خفيًا يدفع نحو الحقيقة التي تنتظر من يملك الشجاعة ليُمسك بها رغم الارتجاف، ورغم الظلال التي ما زالت تسكن القلب وحتى وإن كانت بوابة النهاية على شكل ورقة صغيرة، وُضعت بين يديه فكانت كفيلة بفتح باب من الأسئلة في عقله، وقف ينظر إليها في صمت ثم سمع صوت طرق بسيط على الباب وخطوات خارج الغرفة.
فتح الباب ليلمح شبح والدته يقف عند الدرج في آخر الممر ثم نزل أمامه. ركض ريان خلفها ليرى أين ذهبت، وصل عند البهو ليقف على أسفل الدرج ينظر حوله بحثًا عنها، وأخذ يلتفت يمينًا ويسارًا شاعرًا بأن رؤيته مشوشة. وضع يده على رأسه ونظر إلى أسفل ليجد وجه والدته تنظر إليه وهي تقف على الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي فارتعب من وجهها وارتد إلى الخلف في فزع، ثم اقترب من الدرج لينظر مرة أخرى فلم يجدها فنزل إلى أسفل وهو يتنفس بصعوبة ويشعر بثقل قدميه.
وصل إلى باب القبو المغلق وحاول تحريك قدميه المرتعشتين للنزول إلى أسفل. فهو منذ طفولته لم يُسمح له بذلك، إذا كان أسعد يمنعه من الذهاب إلى ذلك الطابق.
بدأت قدماه تتوقف عن النزول ثم صعد مرة أخرى إلى غرفته،
في الصباح، استيقظ ريان على صوت تالين التي تقف بجواره ترتب على كتفه ليسمعها وفتح عينيه وابتسم، ثم جذب يدها لتسقط على جسده ففتحت عينيها في صدمة ونهضت سريعًا وقالت بغضب: عيب كده على فكرة.
ابتسم ريان وقال: ده عقاب عشان سيبتي خالة سعدية تطلع اللبن إمبارح.
تالين: وأنا مالي هي اللي خدته.
ريان: طيب ما إنتِ وحشتيني، أعمل إيه؟
تالين: لو سمحت يا ريان متعملش كده تاني.
ريان: لو سمحت يا إيه؟ قولي كده تاني.
تالين في خجل: لا، مش هقول.
ريان: ليه طيب؟ أنا بحب اسمع اسمي من شفايفك القمر ديه.
تالين: بطل كلامك ده بقى.
ريان: لو مش عاجبك، ممكن أقوله لواحدة تانية؟
تالين: طيب جرب كده وشوف هعمل فيك إيه.
ضحك ريان وقال: أيوة بقى، أحب أنا التهديدات اللي مش بخاف منها ديه.
تالين: لا خاف مني بقى.
ريان: يا بنتي أنا بشوف أشباح هخاف منك وإنتِ قصيرة كده، هتعملي إيه طيب لو قولت الكلام ده لواحدة تانية؟
تالين: همشي ومش هتشوف وشّي تاني أبدًا.
ريان: لا مرعبة ديه فعلًا، إوعي تعملي كده، إنتِ متعرفيش أنا بحبك أد إيه.
نهض ووقف أمامها وقال: مش ناوية تسمعيني كلمة حلوة تبرد قلبي اللي قايد نار ده؟!
تالين: لما تقولي اللي في قلبك بجد.
ريان: أكتر من كده؟!
تالين: الصراحة، أنا لسه مش مصدقاك.
ريان: طيب أعمل إيه عشان تصدقيني؟! أنا بجد بحبك يا تالين، والله ما بهزر.
تالين: بجد؟! يعني مش هتبعد عني مهما حصل؟
ريان: مش لما أقرب الأول. يا مفترية بقالي ٦ شهور مستني منك أي كلمة.
تالين: ولو قربت.... هتبعد؟
ريان: مش هبعد، هفضل معاكي لآخر يوم في عمري.
تالين: طيب هتعمل إيه مع والدك؟
ريان: هقوله عايز أتجوز تالين، بسيطة خالص.
تالين: والله! ديه بسيطة؟! طيب إيه الصعب؟
اقترب ريان لينظر داخل عينيها وقال: الصعب إنك تطلعي مش بتحبيني، ديه أصعب حاجة ممكن تحصلي في حياتي، تخيلي لو في الآخر طلعتي مش بتحبيني؟!
تالين: مين قال إني مش بحبك؟
ريان بسعادة: يا فرج الله، يعني إنتي بتحبيبني؟
تالين بخجل: آه.
ريان: لا... اسمها آه بحبك، آه وتسكتي هزعلك.
أزداد خجلها فقالت: آه بحبك.
ريان بصوت مرتفع: يا نهار أبيض يا جدعان، نطقت... نطقت أخيرًا، أعمل فرح طيب ولا إيه؟!
ضحكت تالين وقالت: بس وطي صوتك هتفضحنا.
ريان: مش مهم، ما أنا هنزل أفضحنا كمان شوية.
تالين: لا إهدى بس كده وخلينا نفكر براحة عشان أسعد بيه يوافق.
ريان: متقلقيش سيبيها عليا، بس إنتِ مش متخيلة إنتِ إديتيني عزيمة النهاردة إزاي. أنا أصلًا رايح مشوار وخايف منه أوي، خايف أعرف حاجة تقلب حياتي.
عقدت تالين حاجبيها وقالت: مشوار إيه ده؟
أمسك ريان الورقة وأعطاها لتالين وقال: الورقة ديه،الأشباح حطوها في أوضتي إمبارح.
نفضت تالين الورقة من يدها في خوف وقالت : بسم الله الرحمن الرحيم، ليه بس كده؟ كده تخوفني؟! وبعدين إيه حكاية الأشباح اللي إنت عمال تتكلم عليهم دول؟
ريان: مش مصدقاني ولا هتعملي زي بابا؟ ويقولي ده مرض نفسي وإنت بتمشي وإنت نايم، أنا عارف أنا بشوف إيه.
تالين: طيب خلاص متتعصبش مصدقاك، بس هتروح فين يعني؟
ريان: هروح مستشفى الدكتور عادل.
تالين بغضب: وطبعًا هتشوف حور؟!
ريان: ممكن آه.
زفرت تالين وكادت تذهب فأمسك ريان يدها وقال: عيني... مش بتشوف غيرك، حطيها في دماغك كده، يلا روحي حضريلي الفطار.
ابتسمت له وذهبت.
بدّل ريان ثيابه وهو يتأمل الورقة بخوف، تُرى، ما الذي تحاول والدته إيصاله له؟ يخشى مواجهة الحقيقة ومه ذلك يشعر بأنه مضطر للبحث عنها.
كأن يتناول الطعام مع أسعد وهو ينظر إليه في تردد حتى قال: بابا.... هي ماما ماتت إزاي؟
نظر له أسعد وهو يعقد حاجبيه متعجبًا وقال: ما أنت عارف إنها كانت عيانة.
ريان: أيوة عارف، بس معرفش هي كان عندها إيه، كل اللي فاكره إنها اتحجزت شهر في المستشفى وإني كنت كل يوم بقعد أعيط عشان توديني أشوفها وإنت بترفض.
أسعد: كان عندها سرطان في الرئة، ومش أنا اللي كنت رافض إنك تشوفها، هي اللي رفضت تشوفها في أواخر أيامها وهي تعبانة بالشكل ده عشان متفضلش فاكر شكلها طول عمرك وهي تعبانة، إنت عارف إني مش بحب اتكلم في الموضوع ده.
ريان: عارف... معلش كان عندي فضول بس.
أنهى ريان طعامه وأخذ سيارته وذهب إلى المشفى.
أما أسعد فطلب من سعدية وضع الملح الذي جاء به الروحاني في الأركان وإشعال البخور في المنزل باستمرار ولمدة أسبوع كما طلب منه.
وصل ريان إلى المشفى وطلب مقابلة حور لتساعده في البحث عن ملف والدته، فلم يرغب بأن يتحدث مع عادل بالأمر حتى لا يخبر أسعد.
وبعد وقت، دخل مكتب حور التي وقفت في سعادة عندما رأته وقالت: بقالك كتير أوي مجتش هنا.
ريان: ده حقيقي.... الصراحة مش بحب أعطلك عن شغلك.
حور: لا مش بتحب تشوفني أصلًا، عادي عادي يا ريان خدت على كده.
نظر لها ريان بصمت، فقد رأى الحزن داخل عينيها عكس الابتسامة الزائفة التي تُزين وجهها، ولكن لا يستطيع أن ينهي هذا الحزن. قالت حور وهي تجلس على مكتبها: قولي بقى... إيه سبب الزيارة السعيدة ديه؟
ريان: الصراحة.... حابب أعرف اللي حصل مع والدتي الله يرحمها قبل ما تموت هنا في المستشفى، أي تقرير أي حاجة عن حالتها.
حور: بس ده من فترة كبيرة، ١٧ سنة! أكيد هتلاقي ملفات في الأرشيف.
ريان: طيب ممكن تساعديني؟
حور: طبعًا.
نهضت حور ولحق بها ريان ونزلا إلى أسفل عند غرفة الأرشيف. ظلت تبحث عن تاريخ الوفاة ثم رقم الغرفة وأخيرًا ملف والدته بالمشفى وسلّمت الملفات إلى ريان، جلس على الطاولة وبجواره حور وبدأ في قراءته.
وبعد وقت، قال: بس الأوضة كانت فاضية إزاي قبل ما ماما تموت! مكتوب هنا إن المريضة دخلت وماتت في نفس اليوم والغرفة مكنش فيها مرضى قبلها.
حور متعجبة: مش فاهمة، تقصد إيه؟
ريان: ماما قعدت في المستشفى شهر قبل ما تموت، وملفها بيقول إنها دخلت وماتت في نفس اليوم طيب إزاي؟
حور: معرفش.... حاجة غريبة فعلًا، بس إنت متأكد إنها قعدت شهر في المستشفى؟
ريان: أيوة، أنا قعدت طول الفترة ديه أطلب من بابا يوديني أشوفها وهو كان بيرفض.
حور: بص، هو مفيش حل غير إن إحنا نسأل باباك أو بابا وهما يفيدونا.
تنهد ريان في توتر وقال: طيب أنا هروح، شكرًا يا حور تعبتك معايا.
حور: مفيش تعب ولا حاجة.
عاد ريان إلى المنزل وصعد إلى غرفته على الفور. ظل يفكر طويلًا، فهو لا يريد أن يسأل أسعد عن والدته مرة أخرى، لشعوره بالحزن على فقدانها فقرر أن ينتظر لعدة أيام قبل أن يعاود الحديث عنها.
حل الليل ولايزال ريان يجلس بغرفته ورفض حتى تناول الطعام. شعرت تالين بالقلق عليه ولكن لم تستطع أن تصعد إلى غرفته، فقررت أن تستغل المشروب الليلي، وأعدته له وكادت أن تصعد به إلى غرفته إلا أن أوقفتها سعدية وقالت: لمين الكاكاو ده؟
تالين: لريان بيه.
سعدية: طيب هاتِ أن هطلعه واعملي شاي لأسعد بيه.
أخذت سعديه الكوب من يدها، فنظرت لها تالين في ضيق وأخذت تعد الشاي لأسعد.
لم تجد تالين فرصة أخرى لتصعد إلى غرفة ريان فذهبت إلى غرفتها في حزن، أما ريان فقد كان ينتظرها أيضًا، راغبًا في الحديث معها ليقصّ لها ما حدث، ولكن عند دخول سعدية بالمشروب أصابه اليأس، وضع المشروب على الطاولة ولم يشربه. فهو يعلم أنه ليس مريضًا ولا يحتاج إلى شئ ليساعده على النوم.
عاد للتفكير، حتى قاربت الساعة من الثانية صباحًا.
كان يشعر بالاشتياق إلى تالين كثيرًا، وزادت رغبته في الحديث معها، فهو لا يملك أحدًا غيرها ليقصّ لها ما يحدث. قرر أن ينزل إلى غرفتها، فكل من في المنزل نائمون الآن.
نزل ريان إلى أسفل واقترب من الغرفة، وكاد أن يطرق الباب إلا أنه سمع الأصوات نفسها التي كان يسمعها في غرفته، وهناك من ينادي باسمه داخل غرفة تالين بصوت مرعب. تعجب وشعر بالخوف عليها، ففتح الباب سريعًا ليجد تالين تلتفت إليه في رعب. هنا وقع في صدمة، إذ كانت تبدو في نفس هيئة الشبح الذي ظهر في غرفته أول ليلة حتى أن لون عينيها قد تبدل وأصبح كلون عين والدته.
دخل الغرفة واقترب منها وهي تتراجع إلى الخلف في ذعر. كاد أن يتحدث لكنه تراجع ليغلق الباب ثم اقترب منها مرة أخرى.
أغلقت تالين التسجيل ونظرت إليه في خوف فقال ريان في غضب وهو يشير إلى المسجل: إيه ده؟!
لم تتحدث، وبدأت دموعها تنساب على وجهها في صمت فأعاد ريان السؤال بغضب عارم: إنطقي وقوليلي إيه ده؟... إتكلمي.
تالين ببكاء: هفهمك والله بس متظلمنيش.
ريان: تفهميني إيه؟! ما هي باينة زي عين الشمس، بتشتغليني يا تالين؟!
تالين باكية برجاء: غصب عني والله، والله هفهمك كل حاجة بس متفهمنيش غلط.
لم يعطيها ريان وقت للحديث فرفع يده وصفعها بقوة وانهال عليها ضربًا في غضب.
•تابع الفصل التالي "رواية هاجس الروح" اضغط على اسم الرواية