رواية زواج اشتراكي الفصل الرابع 4 - بقلم هيام عمر
الفصل الرابع:
حين عادت الى غرفتها راسلت صديقتها أحلام تطالبها بلقائها في اليوم التّالي كونه نهاية الأسبوع ولن تكون مشغولة بأعمال الشّركة.
اختارا للقائهما شاطئا غير بعيد، مدّتا بساطهما على رماله الذّهبيّة ودسّت كلّ منهما قدمها العارية تحت التّراب المبلّل تناشده بامتصاص قلقها ثمّ استغرقتا في تأمّل البحر طويلا قبل أن تقطع منى صوت الصّمت بقولها:
_" اكتشفت الكثير بعد آخر لقاء بيننا ولا أدري من أين يجب أن أبدأ."
ثمّ راحت تروي لرفيقتها بالتّفصيل ما مرّ عليها وما واجهت من حقائق وما فرض عليها من قرارات.
_" لم ليفعل العمّ أحمد شيئا كهذا ان كانت كلّ الأمور مستقرّة في الشّركة؟"
قالت أحلام مفكّرة:
_" لا أعلم، لم أكتشف ذلك بعد."
عادت أنظارهما لتأمّل البحر وهو يرسل زبده النّاصع نحوهما باستمرار كلّما عاد اليه
_" ألا تعتقدين أنّ اصرارك على رفض عزيز رغم كلّ ما ذكرت من مدح بشأنه غريبا؟"
فاجأتها بالسّؤال
_" لم عليّ أن أختار شخصا لم يخترني؟"
_" إذن هذا هو سببك الوحيد؟ ومن قال أنّه لم يفعل؟"
_" ليس هذا موضوعنا، أحلام، أودّ أن أعرف السّبب الحقيقيّ وراء كلّ هذا."
صمتت تبتلع ريقها ثمّ واصلت:
_" يومان على الزّواج، ان لم أجد شيئا سأضطرّ لمواجهة والدي."
_" سأكون بجانبك من الغد، لا تقلقي، سأحاول دعمك قدر استطاعتي أيّا كان قرارك."
صباحا، كان الجميع يجهّز لأوّل ندوة صحفيّة للشّركة الجديدة، وقف كلّ من السيّد عمر والسيّد أحمد ومنى وعزيز أمام حشد من الصّحفيّين الذين يتنافسون على إذاعة الخبر.
تقدّم السيّد أحمد وصديقه للتّصريح:
_" نعلن اليوم بكلّ سعادة عن توقيع شركتينا اتّفاقيّة اندماج نهائيّة، وذلك بهدف خلق كيان رائد في مجالنا، يجمع بين خبرات الشّركتين وقدراتهما لتقديم قيمة استثنائيّة لعملائنا ومساهمينا." قال السيّد عزيز مفاتحا ثمّ ترك المجال لصديقه ليكمل عنه:
_" إضافة الى هذا التّحالف الثّمين فانّ عائلتينا تودّ أن تزفّ اليكم خبر تحالف عائليّ قادم وتدعوكم لتكونوا جزءا من حفل زفاف ولدينا اللّذان سيكونان قريبا الوجه الاعلاميّ للشّركة والمتحدّث الرّسمي باسمها."
سكت السيّد أحمد فأضاف صديقه:
_" كما سيكون لهما الحصّة الأكبر في الشّركة كهديّة لزواجهما."
لم يكن لمنى ولا لعزيز علم بقرار أبويهما الأخير، حيث فاجأهم اعلانهم لذلك وأصرّت الفتاة على معرفة سبب هذا القرار المفاجئ مبدية بذلك رغبة دفينة في فهم دوافع قرارات والدها الأخيرة. غير أنّ الحاحها في السّؤال جعل والدها يشعر بضغط كبير خلق له آلاما شديدة بكلّ من بطنه وظهره لم تهدأ حتّى صاحبه العم عمر الى المصحّة لعمل الفحوصات اللّازمة وتلقّي العلاج.
ظنّت منى في البداية أنّ والدها يعاني من أثار الاجهاد الذي تعرّض له آخر فترة في العمل وما رافقه من ضغط وسهر واضطراب في مواعيد أكله، الّا أنّ وجه أمّها الباكي وقلقها الكبير وهي تسارع لرؤيته حالما سمعت بحالته حكى لها قصّة مختلفة.
دخلت ووالدتها للاطمئنان عليه، واكتفت بتقبيل جبينه والجلوس بجانبه في صمت خشية أن تعاوده آلامه، غير أنّه صارحها مهزوما:
_" لقد آن الأوان أن تعلمي يا ابنتي، لا يمكن أن أخفي الأمر أكثر فحالتي في تدهور مستمر." صمت قليلا معط ايّاها بعض المجال لتجهيز نفسها لتقبّل صدمة مصيبتها الحقيقيّة ثمّ أكمل:
_" لقد علمت مؤخّرا أنّني أعاني من سرطان البنكرياس، وللأسف فقد كان اكتشافي له متأخّرا حيث أصبح العلاج صعبا والنّهاية أقرب."
نزلت عبرات ساخنة على وجنتي منى تخفّف ضغط دم احتقن في عينيها وقالت في صوت محشرج تواجه صعوبة في إخراجه:
_" لا يفوت الأوان أبدا لفعل الصّواب، أليست هذه كلماتك؟ لماذا اذن تقنط من رحمة اللّه بهذه السّرعة."
_" لا يتعلّق الأمر بالقنوط يا ابنتي، لقد اجتمع الأطبّاء على أنّ حالتي متقدّمة جدّا وأنّ الجّراحة أصبحت مستحيلة بينما العلاج لن يكون له أيّ تأثير عدا تخفيف الألم ومحاولة السّيطرة على الأعراض."
أمسكت الفتاة بيدي والدها الذي لم يسبق أن ترك يديها وراحت تقبّلها وقد أجهشت في البكاء _" أرجوك أبي لا تتركنا، سأفعل ما تريد، لن أترك لك المجال لتشتكي من شيء."
أجاب والدها ماسحا عينيه وقد فاضت رغما عنه:
_" فلتعلمي يا منى أنّني ما كنت لأجعل منك كبش فداء لإنقاذ الشّركة، فلتذهب ألف شركة فداء لعيني ابنتي."
تنحنح قليلا محاولا اخفاء رعشة صوته
_" أردت من خلال زواجك أن أضمن حقّك في الشّركة، لا أعلم متى قد يحين وقتي، وأنت لم تكملي دراستك بعد ناهيك عن اكتساب أيّ خبرة في أعمال الشّركة فان بقيتي دون سند أمام كلّ تلك المسؤوليّات لن تكوني قادرة على التّركيز بدراستك ولا على القيام بأعمال الشّركة وبذلك تخسرين الاثنين. أردت دمج شركتنا وشركة آل شعبان لتكوين كيان أقوى تحت حماية صديقي واشرافه وسيكون لك وزوجك الحصّة الأكبر فيها كما قد صرّحنا."
فسّر لها والدها بالتّفصيل أسبابه ودوافعه، مدركا أنّه السّبيل الوحيد المتبقّي له لإقناعها، بينما أنصتت هي في صمت مطبق على فمها دونا عن أفكارها.
عاد الجميع الى المنزل، وعادت منى الى غرفتها تلازمها الى أن وصلت صديقتها.
_" يا لسخرية القدر، كنت قد طلبت منك بالأمس القدوم لمساعدتي على افشال الزّواج وها أنت هنا اليوم لتساعديني للتّحضير له."
قالت منى محادثة أحلام بعد أن حكت لها آخر المستجدّات.
قضّت أحلام اللّيلة بجانب صديقتها تحدّثها وتخفّف عنها، ثمّ غادرتا معا صباحا لاختيار فستان الزّفاف مع عزيز بينما اهتمّت السيّدة ليلى بمساعدة زوجها ببقيّة التّجهيزات.
اختارت منى فستانا جميلا ببساطته ودخلت غرفة التّغيير لتجريبه بينما انتظرها عزيز وأحلام خارجا.
_" علمت مؤخّرا بما يعانيه السيّد أحمد من مرض وأتمنّى حقّا أن يكون الشّفاء نصيبه."
قالت أحلام محاولة جرّه الى الحديث.
_" أدعو الله أن يعجّل في شفائه، انّه انسان طيّب لا يستحقّ ما يعانيه من مرض وآلام."
_" أتمنّى ألا تحسب ذلك محاولة للتّدخّل في شؤونك الخاصّة، لكنّني حقّا أودّ أن أعلم ما الذي يدفعك للقبول بهذا الزّواج، بما أنّنا علمنا دافع السيّد أحمد. وأظنّ أنّ عائلتك لن تكون قادرة على اجبارك عكس ما قد تظنّ منى."
سكت عزيز فأضافت أحلام:
_" أيعقل أن تكون مغرما بصديقتي؟"
صدم الشّاب من سؤالها الجريء، غير أنّ خروج منى قطع حديثهما.
_" لم نزعتي الفستان قبل أن نراك به؟" سألت أحلام
_" لقد كان مناسبا، وهذا يكفي، يمكننا أخده والمغادرة الآن."
قال عزيز بعصبيّة:
_" لن نخرج من هنا قبل أن نرى الفستان عليك، لم نأتي كلّ هذه المسافة معك لتختاري وحدك."
كانت منى تعلم أنّ والدها لن يكون قادرا على تحمّل ضغوط اضافيّة قد تصنعها بعنادها فقرّرت أن تؤجّل ردّها لفرصة أخرى ورمقته بنظرة تحدّ غاضبة بينما عاودت الدّخول الى غرفة التّبديل، ولم تستغرق الكثير من الوقت للخروج مجدّدا مرتدية فستانها المختار.
_"واو، تبدين رائعة."
علّقت أحلام بدهشة حالما رأت صديقتها، فنظرت منى الى عزيز منتظرة رأيه
_" حسنا، لقد رأيناه، يمكننا أخذه والمغادرة الآن."
قال دون أن يلقي عليها أيّ نظرة فعادت غاضبة لتبديل ملابسها والمغادرة.
حان موعد الزّواج أخيرا، فراح عزيز لجلب منى وأحلام من صالة التّجميل، كانت السيّدة ليلى قد سبقتهما في تجهيز نفسها لتبقى والسيّد احمد في قاعة الأفراح لاستقبال الضّيوف.
هاتفها حين وصل فخرجت اليه أحلام هي الأولى وقد طلبت منها صديقتها أن تشغله قليلا ريثما تنتهي.
ألقت عليه التّحيّة ثمّ قالت محاولة مماطلته:
_" لم ينتهي حديثنا آخر مرّة، ظلّ سؤالي معلّقا دون إجابة."
أجاب في ارتباك:
_" ماذا تريدين أن تعلمي؟ قصّة زواجنا مبنيّة على قرار اتّخذ من قبل والدينا ولم يكن لنا أيّ قرار فيه."
_" حسنا، كما تريد. أردت أن أخبرك أنّ منى أيضا، حتّى لو لم تعلم، هي الأخرى منجذبة لك ولم أسمع عنك منها سوى كلمات المدح، رغم تصرّفاتها المستفزّة معك. هي لا يمنعها عن قبول زواجكما الّا احساسها أنّها مجبورة عليك ومقيّدة لا مخيّرة وهو ما قد يجعلها غير قادرة على تحليل مشاعرها حتّى ان شعرت بشيء تجاهك."
صمتت قليلا مفكّرة ثمّ أضافت:
_" والآن، أنت تعلم ما الذي عليك التّعامل معه ان أعدت التّفكير بشأن اجابتك."
خرجت منى لحسن الحظّ قبل أن تنفذ أفكار صديقتها، بينما ظلّ عزيز مشدوها بجمالها وسحر اطلالتها.
غطّى عينيه بكلتا يديه وقال في حركة مسرحيّة:
_" لازلت شابّا لا يمكن أن أكون قد متّ."
ثمّ نظر الى أحلام مضيفا:
_" أترين الملاك الذي أراه الآن؟"
ضحكت أحلام بينما تورّد خدّى منى خجلا.
•تابع الفصل التالي "رواية زواج اشتراكي" اضغط على اسم الرواية