رواية انين هوى الفصل الرابع 4 - بقلم امنية مصطفى
" لا تظلمي الحب، وانظرِ حولك بإمعان، فلم يزعزع حصون قلبك سوى الحقد..."
غفت على الكرسي جوار الشرفة بعدما تجرعت من كأس العجوز الغريبة دون تفكير، تفصد جبينها عرقا وأخذت تتململ في نومتها غير المريحة، كانت تلهث كما لو كانت تسابق لتنجو بروحها.
دلف الدوق، ولما رأى حالتها هزها بهلع وراح يحاول إيقاظها:
ـ لماذا تنامين هكذا على الكرسي؟ سيؤلمك ظهرك.
فرقت جفنيها بوهن، ولما تبينت هوية من يقف أمامها، أخذت تعافر أنفاسها وتتجرع الهواء إلى رئتيها بصعوبة بالغة. انتفضت واقفة كأن حية قد لدغتها، مسحت الغرفة بعينها سريعا، ولما وقع نظرها على مرادها، اقتربت بأوصال مرتعشة وخطفت المزهرية من على الطاولة الواقعة بمنتصف الحجرة، وراحت تهشمها على رأس يامن بلا لحظة واحدة لتفكر في عاقبة فعلها الأهوج.
●●
كلما نظرت لأساريره المتألمة، وتسلل لأذنيها صدى انين ألمه المكتوم، تذكرت ما زارها في حلمها الليلة، كيف رأته يرقص مع (شغف) أميرة مملكة الشمال، وكيف تخللت أنامله خصلاتها البنية الفاتحة بينما يتأمل ملامحها بذات الطريقة التي اعتاد أن يتأملها ويحبها بها...رأتها تستند برأسها على كتفه وقتلها كيف كان يربت على ظهرها في أثناء الرقص.
أحست أنها تحتضر إثر تلك الطعنة، وراحت تراقبه بينما يتألم بغير تصديق.
كان الطبيب يضمد جرح رأسه في إحدى الزنازين المخفية في سراديب قصرهما الواسع. أما هي فوقفت خارج الزنزانة تنتظر حتى ينهي الطبيب عمله ويغادر.
ولما فرغ وكاد يغادر، همست له بتهديد جلي:
ـ إن علم أحد بما حدث هنا، فصدقني لن يكون مصيرك أفضل منه.
ـ لم يحدث أي شيء لأتحدث عنه سموك.
أقفل راحلا، وأخذت هي تقترب من زوجها وأطنان من الجليد قد احتلت كيانها وتسللت حتى نظراتها، نطقت بعد وهلة من الصمت:
ـ لم اتخيل يوما أنني كدت أقتل نفسي في سبيل سراب وأوهام.
لم يرد عليها، بل ظل ينظر في اتجاه آخر غير وجهها، استطردت:
ـ كان مزدهر وسلمى على حق، تزوجتني لتصل لطموحك في نيل السلطة.
هب واقفا عند هذه النقطة، أحس بالإهانة تكاد تخنقه، وراح يهدر بلا تصديق:
ـ آخر شيء كنت أتوقعه أن تقعي في فخهما، الجميع يعلم رغبتهما الجامحة في تفريقك عن كل من تحبين...عليكِ أن تستفيقي من غفلتك قبل أن يجرفنا طوفان الحقد يا سمو الأميرة.
ـ خنتني بعدما تأكدت أنك اقتربت من هدفك...لم أعد ذات فائدة لك.
ـ لم أخنكِ...مستعد أن أقدم روحي في سبيل ان تصدقيني كما قدمتها قبلا لأبقى معكِ..ولكن هل ستسامحين نفسك حين تنكشف الحقيقة؟
ـ انتهى زمن الخداع يا حضرة الدوق، لن يخدعني كلامك المعسول هذا مجددا.
فلتت منه ضحكة مستهزئة، وراح يهز رأسه مشدوها؛ أي لعنة تلك التي ألقيت على حياتهما ودمرتها في غمضة عين.
تحدثت فيروزة إلى مساعدها (مروان) الذي وقف خلفها ساكنا يراقب بينما تطالع يامن ببرود:
ـ الدوق مريض ومعزول حتى يشفى، منعه الطبيب من مقابلة أي أحد.
انقلبت قسماته إلى الهلع، وراح ينبس صائحا عبر القطبان بينما يغلق الحراس باب الزنزانة في وجهه:
ـ ابقي متيقظة يا سمو الأميرة، فكما تخلصوا مني سيأتي دورك.
وحين غابت عن ناظريه في الممر، جلس القرفصاء في ركن الزنزانة، وراح يتمتم بينما اغرورقت عيناه بالعبرات:
ـ كوني بخير حتى أنقذنا يا فيروزة...
ثم تنهد يعتدل جالسا على الأرض يحاوط رأسه المضمدة بذراعيه:
ـ غبية...غبية.
●●
أشرقت الشمس، وراح شعاعها الدافئ يتسلل عبر الشرفات الواسعة إلى أرضية غرفة الشاي بالقصر رويدا رويدا.
كانت فيروزة مستلقية على الأريكة بوهن، وتسلل من جهاز الجراما فون الذي أحضره لها يامن من إحدى رحلاته نغمات البيانو المحببة لفؤادها.
اغتصبت دمعة حارة إرادتها وراحت تطرقرق على خدها بينما تغمض عينيها في محاولات واهية للإختفاء من واقعٍ مضنٍ.
دخل الحاجب بعدما طرق على الباب، وأردف مقررا:
ـ سيدة غريبة تدعى زمردة تصر على مقابلة سموك.
انتفضت من موضعها فجأة، وأمرته دون تفكير:
ـ دعها تدخل.
ولما دلفت، طالعتها فيروزة بشك، فراحت تتحدث زمردة بوقار:
ـ إذن هل نالت زمردة ثقة سمو الأميرة؟
ـ كيف فعلتها؟
ـ هناك أسرار من شأنها أن تبقى كذلك، معرفتها لن تجلب سوى الهلاك.
ترنحت فيروزة بخطى متزعزعة نحو الأريكة، جلست وأوصالها لا تكف عن الإرتعاش، وأحست أخيرا بفداحة ما آلت إليه حياتها.
رنت نحو زمردة التي وقفت تراقب بهدوء، ثم استطردت:
ـ كيف اتخلص من هذا الألم إذن؟
نبست بكلمات متوترة تشير نحو خافقها بوجع، ثم استطردت تتساءل:
ـ وماذا إن كنت أظلمه؟
ـ لا يمكن أن تعاون زمردة على ظلم إنسان، ليطمئن قلبك.
ـ اجلبي لي شيئا إذن يخلصني من ذاك الشعور، أود أن أعيش بلا مشاعر، فلا يجرحني أحدهم مجددا.
اقتربت زمردة بزهو وراحت تمد يدها التي تكورت نحو الأميرة الشاردة:
ـ من شأن حبة البندق هذه أن تشفي علتك.
طالعت فيروزة ما استقر بكفها، ودون أن تكلف نفسها عناء التفكير مرتين أخذت حبة البندق، وأحكمت إغلاق قبضتها عليها، بينما ثبتت نظراتها الخاوية نحو الفراغ.
●●
كان الدوق يستلقي على السرير المعدني المهترئ بأحد أركان الزنزانة، مخفيا عينيه بذراعه، أخذت الأفكار تغلي بمراجل رأسه الصاخب، وراح يفكر في كل الطرق الممكنة للفكاك من هذا المأزق المؤرق.
وفي خضم تيهه بين براثن التفكير، جالت هي بخاطره وراعه أن تكون قد تعرضت للأذى منذ تركته هنا سجينا قبل عدة أيام.
فكر للحظة؛ هي لن تستطيع المواجهة وحدها حين يكشف ستار الزمن عن الحقائق التي حارب الملك وأخته الأميرة سلمى على إخفائها بكل ما أوتيا من قوة... ولن يتوانيا عن التخلص منها كما فعلا به.
تسلل لمسامعه صوت إنزلاق قفل الزنزانة، فظنها فيروزة، وانتفض يبتغي الأطمئنان عليها.
لكن النفور قد حل محل اللهفة على ملامحه حين انفتح الباب وكشف عن سلمى أمامه.
نطق دون أن يكلف نفسه عناء النظر نحوها:
ـ جئتِ لتشمتي بي بعدما نجح مخططك؟ ما كان عليّ أن أصدق أنك تغيرتِ.
ـ الشماتة ليست من شيم الأمراء يا حضرة الدوق.
ـ الخيانة إذن هي صفتهم الأبرز.
ـ يبدو أن السجن لم يعلمك الأدب.
ـ لماذا جئتِ؟ فلترحلي، فلن أسمع منك حرفا.
ابتسمت بغرور، وراحت تقترب:
ـ الأميرة فيروزة طريحة الفراش منذ أيام، جئت لأبلغك حتى تستعد لخبر وفاتها...فكما تعلم أنا أعرف جيدا كيف يشعر الأرمل حين يفقد شريك حياته.
هب مفزوعا، وحاوط عنقها بقبضته القوية ضاربا رأسها بالحائط بغل، ضغط على أسنانه، وتسللت الكلمات من بين شفتيه كاشفة عن روحه التي تتلظى إثر الهلع:
ـ تعاقبينها على رفضي لكِ، يا لحقارتك.
ـ بل أعاقبك بفراقها..
ـ سأقتلك يا سلمى...
ـ أنا من أحببتك أولا...أنا الأميرة سلمى ولا يجرؤ مخلوق على رفضي.
●●
ـ يتبع ـ عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية