رواية نبضات قاتلة الفصل الرابع 4 - بقلم زينب محروس

 رواية نبضات قاتلة الفصل الرابع 4 - بقلم زينب محروس

الفصل الثالث
كانت خطواتها تتراجع إلى الوارء، و تحرك رأسها رفضًا في تتابع متزايد، ارتعدت فرائصها رعبًا عندما وجدته يقترب منها شاهرًا سلاحها الناري في وجهها. تشدقت «غرام» بتلعثم و كأنها تتعلم النطق للمرة الأولى:
_ و الله مكنتش اقصد يا «مالك» ، صدقني مش هطلع هنا تاني.

لمعت عيناه بشررٍ حاد، حاجباه يلتهمان جبينه، و احمر وجهه كالجمر المشتعل، و بدأ يتلفظ بالكلمات التى بدت بالنسبة إليها كزئير وحشي:
_ مكنش المفروض تدخلي الأوضة دي أبدًا، أنا حذرتك تقربي من السطح، و عشان كدا لازم تموتي.

جعل الخوف لسانها ينطلق، لتدافع عن نفسها فقالت برجاءٍ شديد:
_ أرجوك يا «مالك»، و الله مش هغلط تاني، بلاش تموتني، لاء يا «مالك» ، لاء يا «مالك».

انتهى الأمر باستيقاظها مذعورة، فأخذت موضع الجلوس بحركة سريعة، كان صدرها يعلو و يهبط و تتلاحق أنفاسها، و جعلت تهمس بشكل تكراري:
_ بسم الله الرحمن الرحيم......بسم الله الرحمن الرحيم.

*********

لم يهتم «مالك»بهذا الهزيل، الذي تهتز أوصاله كغصن في مهب الريح، بل زادت قسوته أكثر عندما دفع رأسه بقوة إلى الحائط، و صرخ غاضبًا:
_ لما أكلمك ترد عليّ، أنا مش بكلم نفسي.

لحق الصمت بكلمته الأخيرة، و لكن عُكر ذاك الصمت بصوت الأنفاس التي شعر «أحمد» بتثاقلها و كأن هناك من يقبض على رئتيه.
و تلاشي الصمت نهائيًا بتلك الشهقة التى أطلقتها چنى، أغرورقت عينيها بالدموع، و نطقت اسمه بلهفة وشوق:
_ «أحمد»!

حدق بها «أحمد» و قد أدمعت عينيه هو الآخر، لكنه لم يعقب بحرف واحد، فيما التفت «مالك» سريعًا و توجه إليها صارخًا:
_ ايه اللي جابك هنا يا «چنى» ؟

كان واقفًا أمامها كالسد الفاصل بينها و بين حبيب روحها، فتحركت جانبًا سامحة لعينيها بإمعان النظر، انهمرت دموعها و ارتفع صوت بكائها، فصرخت هي الآخرى قهرًا و تألمًا على حال زوجها:
_ أنت عملت فيه ايه؟ ايه الحالة اللي هو فيها دي؟ أنت شيطان!
كانت لديها رغبة في احتضانه، لكنها ما كادت تحرك قدميها حتى منعها «مالك»، فقد قبض على معصمها، عائدًا بها إلى غرفتها، دون أن يكترث بصراخها و توسلها إليه بأن ترى زوجها و لو لقلةٍ من الوقت.
ألقى بها «مالك» إلى فراشها هادرًا بنبرة تحذيرية يتطاير منها الغضب:
_ و الله يا «چنى» لو شوفتك بتقربي منه هقتله، و أنا مش برجع في كلامي.

تجاهلت الألم الذي احتل خلايا جسدها، و تحركت لتركع أمامه على ركبتيها، و توسلت إليه من بين دموعها الحارقة:
_ أرجوك خليني أمشي من هنا مع «أحمد» ، و انت خد الطفل و كمل حياتك مع غرام، أرجوك كفاية العذاب اللي احنا فيه ده، و الله هنسامحك أنا و «أحمد» و مش هنزعل منك.

ابتعد «مالك» ضاربًا خزانة الملابس، و صرخ بعصبية شديدة و غيرةً قد اعتمت عينيه:
_ كل شوية «أحمد» ، «أحمد» ، ايه مفيش غير «أحمد» ده في حياتك و لا ايه! خلاص انسيه، مستحيل تكملي معاه تاني، أنا و بس اللي موجود حاليًا و هفضل موجود دايمًا في حياتك، إنما «أحمد» لاء، دا كان ماضي و أنا همسحه من حياتنا كلنا مش بس حياتك.

انفجر صوتها تأنيبًا و لومًا:
_ بتعمل فينا كدا ليه! عملنا فيك ايه عشان تعذبنا كدا، أنت مين عشان تتحكم في حياتي و حياة الشخص اللي بحبه، ليه أنت مسموحلك تختار و احنا لاء؟ ليه أنت تكمل حياتك و تعيش مبسوط و إحنا لاء؟ ليه يا «مالك»، ليه، ليه؟

رد عليها «مالك» بما يعتمر في صدره من حقدٍ بغيض:
_ من حقي أعيش مبسوط دلوقت عشان زمان انتي و هو اللي كنتم مبسوطين و أنا لاء، فكان لازم الأدوار تتبدل و أنا عملت كدا.
_ تقوم تسرق مننا حياتنا! و بعدين كل دا ليه عشان اخترت «أحمد» و أنت لاء! هو دا الذنب اللي بتعاقينا عليه؟
_ أيوه هو دا الذنب اللي مستحيل اغفره لحد فيكم و أحمدي ربنا إني رحمتك عشان بحبك، و إلا كان زمانك جنبه فوق و بتاخدي نفس عقابه.

أردفت «چنى» بلهجة ساخرة:
_ «أحمد» ربنا! هو أنت تعرف ربنا؟ أنت اللي زيك ميعرفش ربنا، أنت شيطان...........لاء دا أنت الشيطان جنبك صفر على الشمال.

نفذ صبره عندما سمع ما تفوهت به مؤخرًا، شد على قبضة يده كي لا يفتك بها الآن، ثم أشار إليها بتوعد:
_ لآخر مرة يا چنى، اتقى شري عشان و غلاوتك عندي لو جبتي سيرة «أحمد» تاني هقتله قدامك و انتي تحصليه، و ابقوا اجتمعوا في الجنة بقى.

ردت عليه باندفاع:
_ اهو يبقى أرحم من العيشة معاك.

تُبعت كلمتها الأخيرة بصفعة قوية أفقدتها توازنها، و صدرت منه لكمة وُجهت إلى الحائط، قبل أن يخرج من الغرفة صافعًا الباب بما تبقى من غضبٍ لديه.
خرج «مالك» ليلتقى بوالدته أمام الباب، يبدو أنها كانت على وشك الدخول، فسألها غاضبًا:
_ فين الممرضة اللي المفروض تكون مع چنى.

أشارت والدته إلى شرفة بعيدة و قالت:
_ بتتكلم في التليفون.

رد عليها مستنكرًا:
_ تليفون ايه اللي بتتكلم فيه الساعة تلاتة الفجر، خليها تشوف شغلها بدل ما همشيها و أشوف غيرها.

اقتربت منه والدته، و ربتت على ذراعه بخفة و قالت:
_ حاضر، حاضر، بس بلاش تتعصب، قولي ايه اللي حصل؟

أطلق زفرة حارة و أجابها:
_ «چنى» طلعت ورايا فوق.

اتسعت حدقتيها و تحدثت بخوف:
_ يا نهار أسود، هنعمل ايه؟ دي لو بلغت عنك هتروح في داهية، ما تمشيه من هنا و كفاية كدا.

زجرها «مالك» بحدة:
_ ماما، يا تقولي حاجة كويسة يا تسكتي.

كُسيت ملامح وجهها بالقلق، و أردفت:
_ يا ابني النهاردة چنى عرفت، بكرا «غرام» تعرف هي كمان، دا لولا ستر ربنا كان زمانها عرفت من يومين هي كمان بس انا لحقتها على اللحظة الأخيرة.

قطب حاجبيه سائلًا باستغراب:
_ و «غرام» ايه اللي طلعها فوق أنا محذر عليها.
قصت عليه والدته ما حدث منذ يومين، فأخبرها أنه سيهتم بالأمر، و لتعتني هي ب«چنى» إلى أن ينتهى من حفل زفافه.

************

استجمعت ما تبقى من قوتها، أغلقت على نفسها بإحكام، و تحركت إلى فراشها بخطوات مهزوزة، التقتت دفترًا من إحدى الأدراج المجاورة للفراش، أزاحت دموعها بعيدًا، فبدت شاحبة الوجه، و بدأ صداع حاد يضرب رأسها كالمطرقة، و بالرغم من اضطرابها النفسي و العصبي الذي جعل يداها ترتجفان، إلا أنها قررت أن تسطر آلامها بين سطور دفترها الذي لا يعلم بشأنه أحد سواها.
انتهت أخيرًا من الكتابة و أعادت دفترها إلى مكانه، ثم عبثت قليلًا بهاتفها الخلوي قبل أن تلقيه بإهمال. تملك الارتجاف من جسدها بأكمله، و بدأت الرؤية تتشوش أمام عينيها، و فجأة اشتد الألم في بطنها، و صعد الغثيان إلى حلقها.

استوت على قدميها بصعوبة بالغة، لكن سرعان ما سقطت على فراشها رغمًا عنها، فقد تصلبت عضلاتها، و استسلمت لتشنج عنيف، أسنانها تضرب بعضها، و أنفاسها تنقطع لثوان طويلة.

أنهت الممرضة مكالمتها الهاتفية و قررت العودة لتأخذ قسطًا من الراحة على سريرها الصغير الذي يقابل الخاص بچنى، و لكنها عندما ضغطت على المقبض لم ينفتح الباب، حاولت مرارًا و تكرارًا و لكنه لم ينفتح، فنادت على چنى بصوت خافت، لكن لم يأتها ردًا منها، فأسرعت إلى«ثريا» لتخبرها بانغلاق الباب.

اصطفت الممرضة و سيدة المنزل على بعد من الباب، بينما حاول «مالك» بجسده الرياضي أن يكسر الباب، و قد نجح حقًا في المحاولة الثانية، فكان من نصيبه أن يتلقى الصدمة أولًا، فقد تخشبت قدماه عندما رآها فاقدة للوعي لا حول لها و لا قوة، تحول وجهها إلى زرقة مخيفة، اتسعت عينيها ناظرة إلى سقف الغرفة، تلطخت زاوية فمها بدم قد سال من أنفها.

أسرعت الممرضة لتتفقد نبضها، لكنها لم تجد أثرًا لنبضة واحدة، كانت الغرفة تشبه إلى حد كبير عيادة نسائية، فقد تجهزت بكل ما يخص العناية ب«چنى» و جنينها.
استعانت الممرضة بإحدى الأجهزة لتفحص حركة الجنين و نبضه، لكنه لم يتخلى عن أمه و قد فارق معها الحياة دون أن ترى عيناه أشعة الشمس.
يتبع.......... عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات