رواية زواج اشتراكي الفصل الثالث 3 - بقلم هيام عمر
الفصل الثالث:
خرجت منى لاستقبال عائلة شعبان بينما فتح لهم والدها الباب، دخل عزيز في المقدّمة حاملا باقة من زهور التّوليب البيضاء ودخل على إثره كلّ من السّيد عمر والسيّدة مريم، قدّم لها الباقة بينما بقيت عيناه معلّقتان بها مأخوذا بجمالها، وبقيت عيناها تلمعان فرحة لرؤية أزهارها المفضّلة.
أخذ الكلّ مكانه في غرفة الجلوس، بينما دخلت منى المطبخ تعدّ القهوة.
لم تكن هذه الخطبة حقيقيّة كما أخبرت نفسها، لذلك لم ترد أن تتعب معدة الفتى بوضعها الملح في القهوة، وعوضا عن ذلك، فتحت علبة الفلفل وأغرقت ما استطاعت منه في فنجانه.
كان منظره مضحكا جدّا بالنّسبة لها وهو يحاول ابتلاع ما سكبه في فمه من قهوة حتّى ظنّ والداها أنّها قد اقتنعت به أخيرا من شدّة ما تبسّمت محاولة امساك ضحكتها.
_" ان كنت تفكّرين في قتلي فقد كان عليك التّفكير أبعد قليلا من الفلفل."
همس عزيز لمنى بعد أن أكمل فنجانه لآخر قطرة وآخر حبّة فلفل.
_" لا أؤمن بالقتل السّريع، أردت فقط أن يكون لديك فكرة مصغّرة لما ستكون عليه حياتك معي ان لم تنهي مسرحيّة الزّواج هذه."
بدأ السيّد عمر الحديث طالبا يد الفتاة من والدها فأجابه السيّد أحمد باسما:
_" لن أجد أحسن من عزيز رجلا ائتمنه على وحيدتي، لكن، بالرّغم من ذلك أودّ أن أسمع رأيها في ذلك."
_" أتسألني بعد أن قرّرت أمري؟ آسفة لم ستسمع يا أبي." حدّثت منى نفسها مفكّرة قبل أن تجيب:
_" رغم أنّني والسيّد عزيز لم نملك الوقت الكافي لنتعرّف على بعضنا البعض، أنا موافقة، شرطي الوحيد أن يكون هذا الزّواج اشتراكيّا."
رأت منى في الزّواج الاشتراكي مهربا يليق بدهائها، اذ لم يكن شرطا بريئا بقدر ما كان ورقة ضغط تحاول لعبها.
كانت تعلم أنّ عزيز، برغم ثقافته الظّاهرة وحديثه الهادئ، رجل نشأ في بيئة تقليديّة ترى في الزّواج استقرارا للرّجل أوّلا، ومسؤوليّة تلقى على المرأة ثانيا، وذلك في رأيها السّبب الذي جعله يخضع لقرار والده دون أن يظهر عليه القلق.
رأت في انضباطه الزّائد وفي ميله الى النّظام والشّكليّات ما يوحي بأنّه لا يحتمل فكرة شراكة حقيقيّة تقلب الأدوار أو تكسر الصّورة النّمطيّة التي اعتادها والتي تظهر جليّة في صورة علاقة أبويه وربّما علاقته بوالدته كذلك التي تقوم عنه بكلّ شيء.
كانت تراهن على أنّ مطلبها بما يحمله من تقاسم للسّلطة والقرار وحتّى أعباء الحياة اليوميّة داخل وخارج المنزل سيهزّ يقينه بدوره الطّبيعي فيربكه ويدفعه الى الرّفض.
هكذا أرادت منى أن تنقل ثقل الكلمة الأخيرة من كتفيها الى كتفيه، حيث كانت تراهن على كبريائه أكثر ممّا تراهن على أفكارها، وتؤمن أنّ غروره سيكمل ما بدأته ليكون هو من ينسحب دون أن تضطرّ هي لفعل شيء.
عمّ البيت لحظات ثقيلة من الصّمت انتقلت خلالها الأنظار الى عزيز تنتظر ردّه، بينما تعلّقت أنظاره بعينيها.
_" لا بأس بذلك، أنا موافق." أجاب باسما وقد فهم فورا ما ترنو اليه من مطلبها.
وقف الشابّان لتبادل تلبيس الخواتم، وحينما اقتربا وأصبحت المسافة بينهما سانحة ضغطت منى على قدم عزيز بقوّة وقالت في سخط:
_" لقد أعطيتك سببا لرفضي وقد أهدرته بكلّ غباء."
انتهت حفلة الخطوبة بنجاح عكس ما خطّطت لها الفتاة، شأنها في ذلك شأن جميع ما قد رسمت من مخطّطات.
مرّت الأيّام بعد ذلك ثقيلة مليئة بأعمال الشّركة من تجهيز الملفّات القانونيّة ونقل للأغراض وإعادة تقسيم وتنظيم للموارد، واقترب اعلان اتّحاد الشّركتين في كيان واحد واقترب معه موعد زفاف الثّنائيّ الذي سيمثّل الوجه الإعلامي لهذا الكيان الجديد.
كان الشابّان منغمسان في تحضير بعض الأوراق حين ورد الى عزيز اتّصال من صديقه ياسين يذكّره بموعد زفافه ويطلب منه احضار منى ليتعرّف عليها وزوجته.
أراد عزيز مفاتحتها في الموضوع غير أنّها بدت مستغرقة بين أوراقها فلم يرد مقاطعتها وقرّر أن يوصلها الى المنزل ليستغلّ الوقت المستغرق في الطّريق لمحادثتها، غير أنّها غادرت دون أن يعلم بينما كان مشرفا على بعض العمّال خارج المكتب.
لذلك، قرّر عزيز أن يقوم بزيارة عائلتها ليطلب منها مرافقته الى حفل زفاف صديقه وليستغلّ وجوده لطلب اذن والدها في نفس الوقت.
سعدت الخالة ليلى بقدوم صهرها المستقبليّ وراحت تقدّم له ما طاب ولذّ من حلويّات معاضدة بها فنجان القهوة بعد أن طلبت من منى الخروج لاستقباله. ظلّ ينظر لكوب القهوة بشيء من الرّيبة فطمأنته منى قائلة:
_" أمّي هي من أعدّت هذه القهوة، لا تقلق."
_" لم آتي لشرب القهوة على كلّ حال، صديقي بصدد الزّواج وقد طلب منّي أن أقوم بدعوتك لحضور حفل زفافه، هو أقرب أصدقائي ولذلك أنا أتمنّى حقّا أن تلبّي دعوته وتقبلي مرافقتي الى حفله."
أرادت منى الإجابة بالنّفي غير أنّ صوت والدها سبقها وقد صادف دخوله سماع مطلبه:
_" سيكون ذلك جيّدا لكليكما، أنتما قادمان على الزّواج قريبا وعلى كلّ منكما أن يتعرّف على محيط الآخر ويحاول أن يصبح جزءا منه."
في الغد وصلت منى المكتب لتجد صندوقا بانتظارها، وضعت أغراضها على المكتب وراحت تفتحه حين دخل عزيز لأخذ بعض أوراقه
_" أوه، يبدو أنّ زوجتي المستقبليّة لديها معجب سرّي."
وقبل أن تجيبه غادر حاملا أوراقه.
_" لو كان لديّ واحدا لتزوّجته حتّى لا أضطرّ لسماع نكاتك الثّقيلة."
_" لم هذه المبالغة في التّغليف، من طويل الأناة الذي قام بكلّ هذا؟"
أضافت منى محدّثة نفسها، محاولة اختراق طبقات من التّغليف واكتشاف ما في الصّندوق.
كانت لا تزال منغمسة في محاولاتها حين عاد عزيز مرّة أخرى:
_" أنت حقّا ميؤوس من أمرك."
قال ذلك وقد قام بفتح الصّندوق في لحظات.
ذهلت الفتاة وهي تكشف عن ثوب ورديّ اللّون وحجاب مناسق له
_" انّه جميل جدّا، لا أصدّق ذلك، هل أنت من أحضره؟"
_" فورا أدركت ذلك؟ خاب أملي حقّا، ظننت أنّك ترفضينني لأنّ لديك شخص آخر؟ كنت سأتقبّل الرّفض على الأقلّ حينها ولن أشعر بهذا الإحساس الكريه بأنّني مرفوض لشخصي"
_" أنت تعلم أنّني لا أرفضك لشخصك، أنا أرفض ألا أختار شريك حياتي بنفسي وألا يختارني هو لشخصي. من الجميل حقّا أن يحبّني والداك لكنّ ذلك لن يكون كافيا بالنّسبة لي اذ ما يهمّني أكثر هو أن تحبّني أنت، أن تختارني رغم كلّ ما تراه فيّ من نقص وأن نصرّ على اختيار بعضنا البعض كلّ يوم رغم ما قد نواجه من تحدّيات وسوء فهم."
عمّ الصّمت للحظات مربكة قبل أن تضيف مستدركة:
_" انجرفت في الحديث دون وعي، آسفة، قصدت الحديث بشكل عامّ وليس توجيهه لك شخصيّا بهذا الشّكل."
_" لا تقلقي، أتفهّم الأمر، وآسف أيضا لأنّني كنت أحاول ممازحتك فقط ولم أعتقد أنّ حديثي سيزعجك هكذا."
أجابت منى محاولة تغيير مجرى الحديث:
_" شكرا حقّا، انّه رائع، كيف علمت أنّ الوردي هو لوني المفضّل؟"
_" حسنا، لن أقول أنّني أتعقّبك الآن حتّى لا تصدّقي هذه المزحة أيضا وينتهي بي الأمر محاولا تبرير موقفي."
ضحك وحده على نكتته ثمّ أضاف:
_" لم أعلم، بدى اللّون جميلا عليك في الخطبة كما لو كان قد خلق فقط من أجلك، لذلك ارتأيت أن أحضر شيئا بذات اللّون."
ابتسمت منى وقد أعجبها وصفه فأضاف موضّحا:
_" كنّا مشغولان بإجراءات الشّركة طوال الفترة الأخيرة وأعلم أنّك لن تجدي الوقت لشراء فستان من أجل حفل الزّفاف لذلك أحضرته."
_" شكرا لاهتمامك بذلك، انّ مناسبات اللّحظة الأخيرة دائما ما تربكني ولم أكن لأعلم ما سأفعل لولاك." في المساء كانت منى تجهّز نفسها حين اتّصل عزيز يخبرها أنّه ينتظرها في الخارج، طلبت منه أن ينتظر بعض الوقت بينما جلست تلفّ حجابها على مهل
_" فلتتعلّم الصّبر قليلا لأنّك ستحتاجه كثيرا عمّا قريب."
كان قد قارب على النّعاس حين خرجت اليه، فتحت الباب والجة الى السيّارة فقال محتجّا:
_" ماذا كنت تخترعين لتحتاجي كلّ هذا الوقت؟"
_" في الحقيقة لقد كان الفستان طويلا بعض الشيء ولم يكن لديّ الوقت لإنقاصه لذلك ارتديت معه حذاء ذو كعب عال."
_" احتجت كلّ هذا الوقت لارتداء الحذاء؟"
_" لا، احتجته للتّمرّن على المشي بالحذاء، لأنّني لم أعتد ارتدائه سابقا."
أجاب عزيز ضاحكا وقد نسي غضبه:
_" غفر لك جمالك في الفستان هذه المرّة" ابتسمت وقد تورّدت خدودها خجلا
_" شكرا."
_" لا تشكريني، أنا أمتدح ذوقي في الفستان."
وصلا أخيرا الى القاعة فخرج عزيز مسرعا يفتح لها باب السيّارة
_" ضلّي قريبة منّي، ويمكنك الاستناد عليّ ان خشيتي السّقوط."
استقبلهما ياسين بحفاوة وراح يقدّم كلّ منهما الى زوجته سلمى التي فرحت بدورها بقدومهما وظلّت تحادث منى وتشركها في أجواء الحفل حتّى أصبحتا مقرّبتان سريعا.
مرّ الحفل بأجواء هادئة جميلة وغادر الشابّان عائدان الى المنزل.
_" رغم أنّني لا أحبّ أجواء حفلات الزّواج عادة، فقد استمتعت حقّا هذه اللّيلة، كما قد احتجت الى متنفّس يخرجني من حالة القلق الدّائمة التي اجتاحتني آخر فترة."
_" حسنا، سعيد لأنّك لم تضطرّي لفعل ذلك أيضا وأنت ملزمة."
أجابت ضاحكة:
_" حقيقة أنّني استمتعت بوقتي لا تنفي أنّني خرجت لأنّ أبي قد طلب ذلك."
توقّف عقلها قليلا عند تلك الكلمات وقد عكس ذات الصّورة على أمر الزّواج فارتبكت ولازمت الصّمت. أوقف السيّارة أمام منزلها فنزعت كعبها العالي وحملته الى جانب حقيبتها ثمّ خرجت مودّعة ايّاه.
•تابع الفصل التالي "رواية زواج اشتراكي" اضغط على اسم الرواية