رواية قصر خازور الفصل الثالث 3 - بقلم سماهر جمال

 رواية قصر خازور الفصل الثالث 3 - بقلم سماهر جمال

خرجوا من القصر بخطوات حذرة، يحاولون ألا يُحدثوا جلبة قد تُلفت انتباه أحد. كان الليل قد بدأ ينسحب رويدًا، وخيوط الفجر تلوح في الأفق، فتبادلوا نظرات صامتة تحمل الخوف والارتباك. وما إن ابتعدوا عن بوابة القصر حتى تنفّس رفعت بعمق وقال بصوت خافت:

_"علينا أن نعود الآن، لا ينبغي أن نتأخر أكثر، فإن طلع النهار ووقع بصر أحد علينا، لن نجد مخرجًا من هذه الورطة."

أومأت ليلى برأسها، بينما قلبها ما زال يخفق بشدة من أثر ما قرأته. تفرّق كلٌّ منهم في طريقه، وكلّ واحد يحمل في صدره ثِقلاً لا يعرف كيف يضعه.

صعدت ليلى إلى شقتها، وما إن دخلت حتى سمعت أذان الفجر يتردّد من المآذن في الخارج. أغلقت الباب خلفها سريعًا، وألقت بحقيبتها جانبًا، ثم أسرعت إلى الحمّام لتتوضأ. وقفت على سجادة صلاتها، رفعت يديها، وأدّت الفريضة بقلب مشوش، كأنها تناجي الله أن يكشف لها غموض ما وقعت فيه.

بعد أن سلّمت، جلست قليلًا تحدّق في الفراغ، أفكارها تتزاحم:
_"لو استطعت أن أُكمل خيوط تلك الرسالة، لو جمعت الأحداث معًا، سيكون حدثًا صحفيًا لم يسبقني إليه أحد، قد يكون البحث الأكبر في مسيرتي."

لكن عينيها غلبهما النعاس، فتمدّدت على فراشها واحتضنت المذكرة بين يديها، كأنها تخشى أن تُسلب منها في غفلتها.

ومع طلوع النهار، بدأ الشارع من حولها يدبّ بالحياة. أصوات باعة ينادون على بضاعتهم، عربات الكارو تجرّها الخيول على الطريق الحجري، أطفال يركضون بأحذية ممزقة، وصوت امرأة تنادي من شرفتها على ابنها. كان الصخب يتعالى شيئًا فشيئًا، لكن داخل الغرفة كان الصمت سيدًا، لا يُسمع فيه سوى حفيف أوراق المذكرة وهي تتحرك بين أصابع ليلى التي استيقظت لتجدها ما زالت في يدها.

جلست في السرير، فتحت الصفحة الأولى من جديد وبدأت تقرأ بصوت منخفض، كأنها تخشى أن يشاركها أحد أسرارها:

_"توفيق...، يصف حزنه ومرارته، يلعن تلك المرأة سعاد التي أرادت تمزيق العائلة، ثم يكتب عن خديجة، حفيدته الصغيرة، ويقول إنها رغم صغرها كانت أذكى من أن تُخدع بتصرفات أمها."

توقّفت لحظة، همست لنفسها:

_"وكأنها كانت تشك؟، حتى وهي في العاشرة فقط! ، ما الذي كانت تراه في أمها؟"

تنهدت وأغلقت المذكرة برفق، ثم نظرت من نافذتها إلى الشارع حيث الحياة تجري في الخارج على سجيتها، في حين كان عقلها محاصرًا بقصر قديم وذكرى عائلة تفرّقت.

أغلقت ليلى المذكرة بقوة، وشعرت أن صدرها يضيق. لم يعد بوسعها أن تواجه هذا وحدها. التقطت هاتفها بسرعة، ضغطت على اسم رفعت، وانتظرت حتى جاءها صوته المرهق:

_"ألو... ليلى؟"

_"نعم، هذه أنا، استمع إليّ سيد رفعت، لا يمكننا أن نؤجل الأمر أكثر، عليّ أن أراك."

_"الآن؟"

_"بل اليوم، قبل أن يتسرب هذا السر من بين أيدينا. الأمر يزداد تشابكًا."

صمت لثوانٍ، كأنه يُفكر في عواقب اللقاء، ثم قال بصوت عازم:

_"حسنًا، لنجتمع. ولكن ليس في أي مكان عام، يجب أن يكون بعيدًا عن العيون."

_"إذن، ما رأيك في المقهى الصغير عند منطقة السواقي القديمة؟، يرتاده الكثيرون، ونستطيع أن نتحدث بهدوء."

_"اتفقنا، سأكون هناك خلال ساعة."

أنهت المكالمة، ووضعت الهاتف جانبًا، بينما قلبها يخفق كأنها مقبلة على امتحان مصيري. غسلت وجهها، وارتدت ملابسها على عجل، ثم وضعت المذكرة في حقيبتها كأنها تحمل كنزًا.

خرجت من البناية إلى الشارع المزدحم، رائحة الخبز الساخن تتسلل من المخبز القريب، وعربات الكارو تواصل سيرها ببطء.
بينما كان هناك حشد هائل من الناس أمام أحد الفروع الخاصة بشريحة الهاتف، وكأنّهم يوزعون الهدايا لا استقبال العملاء. أحسّت للحظة أن كل ما حولها يمضي بشكل طبيعي، بينما عالمها الداخلي ينهار تحت ثقل الأسرار.

في الوقت ذاته، كان رفعت يجلس في شرفته، لا يزال ذهنه مشغولًا بكلمات الرسالة وصورة خديجة الحفيدة. يتمتم لنفسه:

_"كيف تُزرع الشكوك في قلب طفلة؟ ماذا رأت بعينيها لتتجرأ على أمها؟"

شدّ معطفه على كتفيه، ثم نهض مغادرًا، وعيناه تحملان عزيمة رجل لم يعد يخشى الغوص في الماضي مهما كان مظلمًا.
في مساء ذلك اليوم، جلست ليلي في أحد المقاهي الموجودة داخل منطقة المسلة، المكان الذي ينبض بالحياة والهدوء في آن واحد. كان المقهى يكتظ بروادٍ عاديين؛ أسر صغيرة، وبعض الشباب يتسامرون، وأصوات فناجين القهوة تختلط بوقع خطوات المارة في الخارج. غير أن قلبها كان يضجّ بتوتر مختلف، فكل تفكيرها منصبّ على المذكرة التي وضعتها بعناية داخل حقيبتها.

لم تمضِ دقائق حتى أبصرت "رفعت قاسم" وهو يقترب بخطوات ثابتة، عينيه تحملان ذاك المزيج الدائم من الصرامة والترقّب. جلس قبالتها بصمت، طلب فنجان قهوة سادة، ثم ألقى نظرة خاطفة نحو حقيبتها قبل أن يرفع عينيه ليسأل بنبرة منخفضة:
ــ "أحضرتِها معكِ، أليس كذلك؟"

أخرجت ليلي المذكرة ببطء، وضعتها بينهما على الطاولة، ثم همست:
ــ "نعم، لكن لا أعلم إلى أي مدى يمكن أن تقودنا هذه الأوراق."

مدّ رفعت يده إلى المذكرة، قلّب صفحاتها بحذر، عيناه تتفحصان السطور المائلة بخط الجد توفيق. صمت طويل ساد بينهما، لم يُقطعه إلا صوته العميق وهو يقرأ:
ــ "سعاد امرأة تحمل في قلبها نارًا لن تخمد، غرورها يلتهم كل من يقترب منها، وخوفي الأكبر أن يضيع أبنائي بسببها، غير أنّ خديجة الصغيرة، على صغر سنها، ترى ما لا يراه الكبار، نظراتها تُدرك ما يخفى عن الجميع. "

توقفت أنفاس ليلي لوهلة، ثم قالت وهي تضع كفها على الطاولة:
ــ "هل تصدق؟! حتى هو كان يلمّح إلى أن الطفلة خديجة قد رأت شيئًا أو على الأقل شعرت بخيانة أمها."

رفع رفعت عينيه عن الصفحات، حدّق فيها للحظة وقال:
ــ "الأمر لم يعد مجرّد شائعاتٍ إذن، لكنه أيضًا ليس دليلًا كافيًا. ما بين السطور فراغ أكبر مما بين الكلمات. نحن بحاجة إلى بقية هذه المذكرات، وإلا فكل شيء سيظلّ لغزًا مبهمًا."

أطرقت ليلي تفكر، ثم تمتمت:
ــ "إذن الخطوة القادمة، أن نبحث عن الأوراق الممزقة، لا بد أنّها ما زالت موجودة في مكان ما داخل القصر."

ارتشف رفعت رشفة صغيرة من قهوته، ثم قال بنبرة مترددة ولكنها حاسمة:
ــ "سنعود إلى قصر خازور، ولكن هذه المرة علينا أن نكون أكثر حذرًا. الليل يخفي الكثير، لكنه قد يكشفنا أيضًا."

أخذ رفعت يقلب صفحات المذكرة ببطء، حتى توقف عند مقطع أثار انتباهه، فاعتدل في جلسته واقترب من الضوء المنبعث من المصباح المعلّق فوق الطاولة، وقرأ بصوتٍ منخفض:

ــ "خازور لم يعد كما كان، الجدران ابتلعت نارًا لا تطفأ، والسقف شهِد صرخات لم يسمعها أحد. لقد احترق بيتنا، ولا أعلم أي يدٍ خفية أشعلت لهيبه. "

تجمّدت ملامح رفعت للحظة، رفع عينيه نحو ليلي ثم أعاد النظر إلى الورقة، كأنما يشكّ في عينيه.
قالت ليلي بسرعة، وعيناها تتسعان بدهشة:
ــ "هل تقرأ ما أقرأه أنا؟! هو يتحدث عن احتراق القصر!"

أغلق رفعت المذكرة ببطء ووضع كفه عليها، ثم تمتم بجدية:
ــ "لكن هذا مستحيل، الجميع يعرف أنّ الحريق وقع منذ خمس سنوات فقط، أي بعد وفاة الأسرة بأكملها. كيف يكتب توفيق عن احتراق القصر بينما كانوا لا يزالون على قيد الحياة؟"

أطرقت ليلي وهي تضع أصابعها على جبينها، وصوتها متردد بخليط من الخوف والفضول:
ــ "هل يعقل أن يكون هناك حريقان؟ واحد قديم لم يسمع به أحد، ثم ذلك الذي أتى على القصر بعد موتهم؟"

هزّ رفعت رأسه ببطء، يراقب الناس من حوله ليتأكد أن أحدًا لا يستمع، ثم عاد يهمس:
ــ "إن صحّ ذلك، فالأمر أعقد بكثير مما توقعنا. هذا يعني أن النار كانت تلاحقهم منذ زمن بعيد، وأن الحريق الأخير ليس البداية، بل النهاية فقط."

شحب وجه ليلي أكثر، وشدت على حقيبتها بقوة وهي ترد:
ــ "لكن لماذا لم يُذكر شيء عن ذلك الحريق الأول؟ لماذا أخفاه الجميع؟"

أعاد رفعت فتح المذكرة وأخذ يقلّب الورق من جديد، ثم قال بعينين متحفزتين:
ــ "توفيق لم يكتب مَن أشعل النار، وهذا الصمت أخطر من أي اعتراف. إن عرفنا من هو، سنعرف سرّ العائلة بأكملها، وربما سبب اللعنة التي تحيط بالقصر."

ارتجفت ليلي للحظة، ثم تنفست بعمق وقالت:
ــ "إذن… علينا أن نعود الليلة نفسها. لا بد أن نجد بقية الأوراق الممزقة. هي وحدها التي ستفسر لنا هذا التناقض."

رفع رفعت بصره إليها، للحظة بدا كمن يفكر في التراجع، لكن سرعان ما قال بنبرة حازمة:
ــ "الليلة إذن، سنرى خازور مرة أخرى."

•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية

تعليقات