رواية انين هوى الفصل الثالث 3 - بقلم امنية مصطفى
" أهوج من ظن أن العشق باقٍ.."
قبل ثلاث سنوات..
دلفت سلمى تزفر بلا توقف من هول ما تشعر به من غضب نحو أختها العنيدة. كانت الحجرة غارقة في دهاليز ظلام دامس رغم أن النهار قد انتصف، ففتحت الستائر بانفعال وراحت تصرخ بشقيقتها التي تلازم الفراش منذ أسبوع بلا حراك:
ـ أستقضين باقي حياتك هنا بالفراش؟
لم تتكلف فيروزة عناء الرد، وراحت تتقلب على الجانب الآخر وتعافر لتخفي وجهها عن مصدر الضوء المغتصب الذي فرضته عليها سلمى بلا إذنها.
شدت سلمى الوسادة من فوق وجهها، وأخبرتها بنبرة خالية من المشاعر:
ـ أمير مملكة الشمال قادم ليراكِ اليوم، أستقابلينه بهذا الوجه الشاحب وذاك الشعر المشعث؟
ثم جذبتها من يمناها وراحت تحثها ببرود:
ـ على أصغر أميرات المملكة أن تبدو بكامل حسنها ورونقها أم خطيبها، هيا فلتنهضي.
ـ دعيني وشأني..
صرخت بها فيروزة تعافر ضد قبضة سلمى القاسية حول معصمها.
ـ دعيني وشأني، ألم يكفيكما إبعاد يامن عني وعن مملكته كلها؟
ـ هل يليق بأميرة نبيلة أن تتحدث عن الدوق ومستشار الملك سابقا بلا ألقاب هكذا؟
ـ ما الذي ستجنيانه من فعلتكما هذه؟ تودان التخلص مني؟ دعيني أنفذ لكما ما تريدان إذن...
وهرعت في لحظة خاطفة تنتشل السكين الصغير من صحن الفاكهة الذي جلبته الجارية بأمر من الأميرة سلمى.
ـ دعيني أخلصكما من عناء التخطيط، وأنهي حياتي بنفسي دون أن تتورطا بي...
قالتها بأسى تقرب النصل الحاد من صدرها.
ـ الأميرة الصغرى لمملكة الجنوب تقتل نفسها في أحد الصباحات المشرقة، نعلن حالة حداد بالمملكة، كل المواساة للأسرة الحاكمة...ستمر فترة الحداد وبعدها تنعما بحياة رغدة بدوني.
أستطردت بأداء درامي بينما أغدقت عيناها عليها بسيل من العبرات.
راقبتها سلمى ببرود بينما تضم ذراعيها نحو صدرها، طالعتها بحاجب مرفوع، ثم تنهدت، ومقررة أردفت:
ـ سمو الملك ينتظرك على طاولة الغداء، لا تتأخري وتثيري غضبه زيادة.
تعلقت نظرات فيروزة المكلومة بأختها بينما تغادر الحجرة بغير تصديق وماتزال السكين موجهة نحو صدرها.
ارتعشت أوصالها، وارتمت على الأرض تئن من هول ما أحست به من خذلان مضن في بضعة أيام فقط.
ولجت جاريتها بينما تتلفت حولها، أغلقت باب الغرفة بإحكام وراحت تجاور الأميرة البائسة على الأرض وتحدثها برفق:
ـ جاءتكِ رسالة...عانيت الأمرين حتى أوصلها لكِ دون أن تكشف أمري جارايات الأميرة سلمى.
رفعت فيروزة رأسها وآيات الوهن تعانق كل حركاتها، لمحت ختمه يزين الظرف، فخطفت الخطاب من يدها بسرعة وراحت تفتحه بلهفة وشغف:
حبيبتي فيروزة،
كيف أنتِ؟ هل تفتحت زهور دوار الشمس بالمملكة؟
أظنني أعرف جيدا كيف تعيشين الآن في هذه الظروف التي أدمت حبنا، وفرقتنا.
الحياة هنا بالمنفى الذي يطلق عليه سمو الملك مهمة في سبيل الوطن مضنية وقاحلة بلا رؤية ملامحك الوضاءة، ابتسامتك الشغوفة، ونظراتك التي كانت تبث بقلبي الضعيف بعض الثبات.
سأعود، وإن تطلب الأمر سأهرب بك إلى أقاصي الأرض لأنتصر لحبنا البريء الذي يحاربه الجميع بإجحاف.
كوني واثقة أنني سأعود حتى وإن كلفتني عودتي رأسي، فيكفيني أن تكوني آخر من ترى عيناي.
ابقي قوية من أجلي ومن أجلنا، فأنا مازلت أحاول مهما كلفني ذلك، فلا حياة لي في أي بقعة كانت من بقاع الأرض وأنتِ لا تسكنيها.
ابعثي لي برسائلك مع الرسول الذي يأتي لك برسائلي.
المخلص لقلبك دائما
يامن
●●
تساقطت عبراتها على الورق، القطرة خلف أختها وكأنها تتلمس بذلك عناق كلماته التي خطها بأنامله الباردة.
شهقت كأن كل الهواء الذي بالغرفة لا يكفيها لتحيا، ترنحت نحو المكتب الذي يجاور أحدى شرفات الغرفة، أخرجت ورقة ودواة الحبر، وأخذ القلم يرتعش بينما يغمس من قلبها الكلمات ويصبها صبا على سطور الورق:
عزيزي يامن،
لم تشرق شمس منذ غادرت، فكيف لزهور دوار الشمس أن تتفتح إذن؟
سلمى والملك مزدهر يتفنون في تكبيل عنقي وجري نحو الهلاك.
لا أود لك ان تقدم حياتك من أجل حبنا، ولكن ماذا أفعل وخطبتي على أمير مملكة الشمال بعد أسبوع؟
ابق بخير، وابعث لي برسائلك لتؤنس وحشتي دائما.
وعليك أن تدرك أن لا حياة لي مع زوج ليس أنت.
أحبك دائما وحتى الموت.
فيروزة
●●
جاء أمير الشمال في زيارة رسمية لمملكة الجنوب، أقيمت الولائم على شرفه، زينت الطرقات كلها، وصاحبه الملك مزدهر في جولات قصيرة إلى أسواق المملكة الشعبية المبهرة.
وبعدما انتهت كل تلك الشكليات، استقر في القصر الملكي لعدة أيام، وحين تبقى على انتهاء زيارته يومين وليلة، طلب أن يرى خطيبته المستقبلية التي آثرت الإختباء عن الأنظار طالما هو هنا في القصر.
جاءتها الجاريات يجهزنها لوليمة الغداء التي أقامها الملك على شرف ضيفه أمير الشمال، فطردتهن جميعا، وقررت أن تتجهز وحدها.
كان الملك على رأس الطاولة، ويقابله على رأس الطاولة الآخر ضيفه المرموق. جلست عن يمين الملك الأميرة سلمى، التي كانت تنصت لمناقشاتهما في أمور الساياسة والحكم، وترمي بابتسامات متكلفة من حين لآخر.
أعلن الحاجب عن وصول الأميرة الصغرى؛ فيروزة ابنة سهيل، وكشف الباب عنها بقوامها الممشوق، ثوبها المتناسب مع طولها المتوسط، ولونه الأبيض الزاهي الذي استغربته سلمى حين طالعتها بتفحص.
اقتربت من الطاولة تترنح وتخفي يديها خلف ظهرها، وحين اصبحت قريبة كفاية من الجميع، انتفضوا جميعهم فزعا حين أدركوا أن أكمام ثوبها الطويلة يتقاطر منها دماء معصميها المقطوعين.
سقطت الأميرة تكبلها قطرات السائل القاني، وراح الملك يصرخ هلعا بالحرس ليحضروا الطبيب فورا بينما يحملها بين ذراعيه حتى غرفتها بغضب، تمتم بنبرة لم يسمعها أحد سوى سلمى التي جاورته في الركض حتى غرفة فيروزة:
ـ تحاولين تكبيل يدي يا فيروزة؟
ـ هذا ليس وقته سموك، سأذهب لأحضر الطبيب بنفسي.
ـ ماذا سنفعل مع أمير الشمال؟ لقد فضحتنا أمامه وأفسدت كل شيء.
ـ سأجد حلا...
قالتها بينما تغادر مهرولة بالممر.
●●
استلقت بجسدها الواهن على فراشها بينما انشغل الطبيب بتضميد جراحها بحرص.
وقف الملك بركن الحجرة يراقب وأمارات الشرود والجمود تكسو ملامحه الباردة. دخلت الأميرة سلمى ومن خلفها جاريات فيروزة ليبدلن لها ثيابها التي تلوثت بآثار جرمها الأرعن بحق نفسها.
سأل مزدهر دون أن يرفع نظره عن فيروزة النائمة بهدوء إزاءه:
ـ هل كنتِ على علم بأنها ستقدم على قتل نفسها؟
ـ ظننتها محض تهديدات واهية..
ـ غبية...وغباؤك كلفنا علاقة كانت ستنقذ المملكة من براثن الحرب، كان يجب أن تراقبيها حين هددت.
صرخ بها بعدما صمت لهنيهة. انتفضت سلمى، وأحست بفداحة الموقف أخيرا، وحين أرادت أن تجيب، انفتح الباب فجأة واندفع يامن يركض نحو فيروزة الغائبة عن الوعي دون أن يلقي بالا للملك الذي يقف خلفه.
بدأ يستنتج ما عنته بكلماتها في الرسالة؛ أرادت أن تحبه دائما وحتى الموت، فرأت أن الموت أقرب وأكثر راحة من العيش دوما بدونه.
تنهد بينما اغرورق الدمع في عينيه، قاطع لحظات الشجن تلك صوت الملك بقسوته:
ـ هل تركت مهام عملك كسفير وعدت دون إذني؟
استقام يامن واقفا بعدما كان راكعا أما الفراش يراقب ملامح حبيبته التي خلت من آيات الحياة، أخرج سيفه من غمضه فاندفع حارس الملك الذي وقف خلفه منذ البداية- نحوه بغضب.
اوقف مزدهر حارسه بإشارة من يده، وركع يامن أمامه يقدم السيف بيديه نحوه مردفا:
ـ أنا مستعد لتلقي عقابي على عصيان أمرك، اقتلني إن كنت تنوي فأنا لن أعود إلا والأميرة زوجتي.
تفحص الملك ملامح الإصرار التي كست وجه الدوق ثم ابتسم باستهزاء، وأمر حراسه الآخرين بجمود:
ـ فلتستعد المملكة من أجل زفاف الأميرة.
طالعه يامن بغير تصديق، وأحنى رأسه يستعد لتلقي مصيره؛ فقد قتل بالفعل بعد هذا القرار، ما دامت ستتزوج غيره، فقد مات فعلا، ولا يمكن لجثة هامدة أن تقتل مرتين.
اقفل الملك مغادرا، وفي خضم سيره التفت نحو يامن الذي كان مايزال راكعا، وأمره ببرود:
ـ تأنق جيدا لتليق بالوقوف جوار الأميرة، فلا يجب لزوجها أن يبدو أقل شأننا منها.
وهكذا، خضع الملك لجنون أخته والدوق العاشقين.
●●
كانت الأميرة غارقة في لج الذكريات الهائج، أقشعر بدنها حين تذكرت كم قدمت هي والدوق ليصبحا زوجين، فانتفضت تحس بكل ذرة من كيانها تتألم بشدة.
قاطع شريط الذكريات ولوج الجارية وراحت تقدم الكأس الذي جلبته من المرسم إلى سيدتها بهدوء.
أخذته فيروزة دون تفكير وبلا تروٍ تجرعته دفعة واحدة، نبست ونظرة جامدة تعانق مقلتيها:
ـ دعوني بمفردي، ولا تدعي أي شيء يزعجني حتى الغد.
●●
ـ يتبع ـ عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية