رواية الهويداء الفصل الثالث 3 - بقلم مريم نعيم
صرخت بأعلى صوتها، صرخت وهي تقاومه رغم تعبها، ورغم آلام ظهرها التي لم تشفَ بعد.
ولكن ماذا عن آلامها النفسية؟ التي جعلتها تصدم في الشخص الذي آمنت له ووثقت به وأحبته بصدق.
رأت حجرًا قريبًا… مدت يديها نحوه، أمسكته، وضربته به على رأسه.
من شدة الضربة توقف عن الحركة وُأغشي عليه فوقها.
أبعدته عنها ومسحت شعرها الذي خرج من طرحتها، وهي تبكي بصدمة وتوتر.
كل هذا حدث في لحظات… لحظات بسيطة كسرتها وكسرت كل شيء.
لم تكن تعلم ماذا تفعل.
تذكرت شيئًا واحدًا… صورها.
هذا الشيء الوحيد الذي تذكرته.
اقتربت منه ودورت على هاتفه المحمول، فكان في جيب جاكتته.
أخذته بسرعة وذهبت للسيارة، ودورت بها أيضًا… رأت هاتفًا آخر.
رأت نور سيارة قادم ناحيتها.
لم تكن تعلم ماذا تفعل… كانت خائفة كثيرًا.
لكن السيارة وقفت أمام السيارة.
وقع قلبها… لا لا، قلبها لن يتحمّل المزيد.
وقع قلبها أكثر عندما سمعت صوت الشخص:
"جاسمين!"
جسدها خرج لا إراديًا من السيارة.
التفت الشخص لها عندما سمع باب السيارة يتفتح.
تألم لشكلها… فاقترب منها:
"جاسمين…"
علا صوت بكائها، فاقترب قليلًا… وهي بدورها ابتعدت.
لاحظ خوفها منه، فأردف مطمئنًا:
"متخافيش… أنا عبيده اللي ساكن جنبكم.
شوفتِك وإنتِ نازلة… نزلت وِراكي.
آسف علشان جيت متأخر… أنا آسف."
بكت أكثر وأكثر.
اقترب قليلًا… فابتعدت، وبكاؤها لا يتوقف.
"مش مصدقاني صح؟
أنا اللي كسرت باب أوضتك.
لونه أبيض وعليه ورد بينك… شبه باب بوه اللي أنتِ بتحبيها.
وحاطة صورتِك وإنتِ متخرّجة من الابتدائي.
متخافيش… والله مش هأذيكي."
توقفت حركتها للحظة…
فاغتنم الفرصة واقترب منها على حين غفلة، وضمّها إلى حضنه.
صرخت بأعلى صوتها… قلبها يتألم.
"والله لهندّمه… والله لهندم كل واحد نزل دمعة من عينيك.
متخافيش… أنا معاكِ، والله ما هسيبك ولا هجرحِك."
قال كلماته الأخيرة وهو يمسك وجهها بكلتا يديه:
"والله لهندهم كلهم."
ضمّها أكثر وهي تتشبث به كالغريق؛ كانت تحتاج لأي أحد يطمئنها في حالتها تلك. هدأت قليلًا بعد وقت، فحملها ووضعها في سيارته، ثم ذهب إلى رحيم. وضع يده على موضع النبض فوجد نبضه موجودًا، فتركه وتوجّه إلى السيارة الأخرى. أخذ منها أشياء جاسمين ووضعها في سيارته، ثم أخرج الهاتف من جيبه واتصل على رقم يحفظه عن ظهر قلب.
"في شخص مرمي على طريق *** جنب عربيته… هتجيب الرجالة واتعاملوا معاه."
قالها وأغلق الخط، ثم ركب السيارة وانطلق إلى أقرب مستشفى. نزل منها واقترب من بابها وفتحه، فحملها برفق، وبسبب تعبها لم تكن تشعر به ولا بأي شيء حولها؛ كانت حالتها صعبة.
"بعد الفحص المبدئي، اتضح إن المريضة عندها كدمات متعددة في أماكن مختلفة من الجسم، خصوصًا منطقة الظهر. الكدمات متنوعة بين حديثة وقديمة، وده بيدل على تعرضها المتكرر للعنف الجسدي على فترات طويلة. بعض العلامات على الجلد مطابقة لكدمات ناتجة عن الضرب بأداة جلدية زي الحزام، وفيه كمان خدوش سطحية وتهتكات بسيطة نتيجة مقاومة أو محاولة دفاع.
ومن الناحية النفسية، البنت في حالة خوف وتوتر شديد، وده يوضّح إنها تحت ضغط نفسي مستمر."
سكتت الطبيبة قليلًا وكتبت في الروشتة بعد الأدوية:
"العلاج هتجيبه من الصيدلية اللي قرب المستشفى، ولازم متابعة طبية منتظمة. لكن الأهم إن حالتها النفسية محتاجة تدخل سريع… لازم تتعرض على أخصائي نفسي في أسرع وقت. تقدر تستأذن."
تركها عبيدة وهو يمسح على وجهه بعصبية؛ فتاة لا تتخطى الثامنة عشرة يحدث لها هذا؟ وتفعل هذه الأشياء بسبب أهلها؟ هو لا يعلم شيئًا عن أهلها، لكن ذلك اليوم الذي رآها فيه ووالدها يضربها كان من أصعب اللحظات التي مرت عليه. لا يعلم كيف انتهى الأمر، فقد كان مصدومًا… لم يسألها لماذا فعلت هذا، لم يسألها لماذا تحدثت مع رجل آخر حتى كادت أن تروح فيها.
دخل غرفتها فوجدها راقدة على السرير تنظر للسقف. اقترب منها وجلس بقربها، وبلا شعور منه مدّ يده ومسح على وجهها. كادت أن تصرخ، لكنه طمأنها سريعًا:
"متخافيش… دِنا."
"عبيده…"
قالتها بوهن وخوف.
أمسك يديها وأردف بنبرة دافئة:
"أيوه… أنا. ارتاحي دلوقتي علشان أروحك البيت."
ضغطت على يديه، واحمرّت عيناها ونزلت دموعها:
"لا… لا مش عاوزة أروح هناك تاني. لا… مش عاوزة… مش عاوزه أروح هناك. هيقتلوني… علشان خاطري، متودّينيش هناك يا عبيده."
كانت تصرخ وهي تحدثه، فقام ووضع يده الأخرى يمسح على شعرها:
"متخافيش… مش هوديكي. بس علشان خاطري إهدي."
لكنها لم تهدأ، بل زاد اضطرابها أكثر. ضغط عبيدة على الزر القريب من السرير، وفي ثوانٍ دخلت الدكتورة الغرفة.
"مالها؟ حصلها إيه؟"
"قلت ليها إني هروحها البيت… وحصل لها كدا."
أخرجت الدكتورة حقنة من جيبها ووضعتها في المحلول، وفي ثوانٍ كانت جاسمين تهدأ وتدخل في نوم عميق.
"زي ما قلت لحضرتك… لازم تتعرض لدكتور نفسي. وكمان إحنا لازم نبلّغ عن الضرب ده."
مسح عبيدة على شعره بغضب وحزن من حالتها.
"معرفش أعمل إيه يا دكتورة. أنا مجرد جارها… واللي أعرفه إن والدها هو السبب الرئيسي للضرب ده."
هزّت الدكتورة رأسها بفهم، وأردفت:
"خلاص… لما تفوق نشوف هنعمل إيه."
استيقظت بعد ساعات قليلة، فتأوّهت بألم. لم تكن تدري لماذا هي هنا، لا تتذكر شيئًا… وبعد ثوانٍ، حين بدأت الذكريات تتجمع، انفجرت في البكاء. لم يكن أحد في الغرفة وقتها، لكن عبيدة دخل بعد لحظات، فرآها في حالتها تلك.
اقترب منها بقلق وهو يتفحصها بعينيه:
"في حاجة بتوجعِك؟"
"قلبي…"
اقترب وضمّها لصدره بخفّة، فتشبثت به وهي تشهق.
"مش عاوزِك تفكّري في حاجة. والحمدلله إنها جت على قد كدا. إنتِ غلطتي… آه، بس إحنا جايين الدنيا علشان نغلط ونصلّح غلطنا… علشان نوصل للجنة. وإنتِ قدامِك فرصة تصلّحيه."
"أصلّحه إزاي؟ كل حاجة باظت."
"مافيش حاجة باظت… ربنا موجود. قرّبي منه… حسّني علاقتك معاه."
"بعد اللي عملته ده… مش هيحبّني."
"مافيش حاجة باظت، ربنا موجود… قرّبي منه وحسّني علاقتك معاه."
"بعد اللي عملته ده… مش هيحبّني."
"بالعكس… ربنا بيحبّك أوي، لدرجة إنه خلّاني لأول مرة منامش بدري، وأشوفك وأجي أنقذك. بنتنا طلعت قوية وقدرت تحامي عن نفسها."
ابتعدت قليلًا عن حضنه:
"هو فين دلوقتي؟"
"معرفش… بس بوعدِك لهندمه. وحقّك إنتِ اللي هتجبيه بنفسك."
"مش عاوزة حاجة يا عبيدة… عاوزة أرتاح."
"الراحة في الجنة يا جاسمين. ولازم تقربي من ربنا… ربنا غفور رحيم."
هزّت رأسها ببطء، وابتسامة حزينة ارتسمت على وجهها:
"شكرًا يا عبيدة… شكرًا على كل حاجة."
"مافيش شكر بينا يا جاسي… ريّحي شوية."
بعد وقت طويل في مكان آخر… رُشَّ عليه جردل مياه باردة جعله يشهق بتفاجؤ. انخفض عبيدة لمستواه حيث كان يجلس على كرسي مربوط بإحكام.
"كل ده نوم؟ قولنا مُت ولا حاجة!"
"إنتو مين؟ وعايزين مني إيه؟"
"تؤتؤ… أزعل منك. مانتاش عارفني؟ بس علشان بحبك هقولك أنا مين… أنا قدرك الأسود."
كان يتحدث ببرود وتلاعب، قبل ما يقف ويرفع صوته بغضب، وابتسامة ماكرة على وجهه:
"يا رجالة… ضايفوه. واهتمّوا بيه شوية… علشان ده الغالي."
"في عينينا يا باشا… إنت تؤمر."
تركهم عبيدة وخرج وهو يهذّب ملابسه، متوجهًا للمكان الذي كان من البدايه أن يذهب الين من بدري.
ضغط على جرس الباب، ففُتح، وعلى وجه السيدة علامات الحزن والحسرة.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… اتفضل يا ابني."
"كنت محتاجك في موضوع ضروري لو تسمحي."
"اتفضل يا ابني."
أخبرها بما حدث. كانت مصدومة، ودموعها تنزل بصمت، لا تصدّق ما جرى لفلذة كبدها… مهما غلطت، قلب أمها موجوع عليها.
وفجأة جاء صوت زوجها من الخارج:
"إيه الكلام اللي سمعته ده؟ فين بنت الـ***؟ لازم أقتلها وأخلص منها! رايحة تهرب مع واحد؟ بنت الـ***!"
وقع قلب الأم رعبًا من كلامه—متى جاء؟
دخل المطبخ وخطف بيده سكينًا حادًا. فزع عبيدة فور رؤيته.
"اهدَ يا عمي… مش كده."
"أهدى إزاي؟ وهي مدوّرَاها؟ بنت الـ***! لازم أخلص عليها… هي فين؟ انطق!"
كان يتحدث بغضب أعمى… أعصابه مشدودة، نيّته القتل.
"أنا أهو."
التفتت كل الأنظار نحوها… كانت واقفة عند باب البيت. التعب ظاهر على ملامحها، دموعها تنزل بصمت، وابتسامة منهارة على وجهها. يبدو إنها سمعت كل كلمة.
اقتربت من والدها وسط خوف والدتها.
"جاسمين! ابعدي!"
وقفت أمامه… أمسكت يديه… عدّلت اتجاه السكين… وفي ثوانٍ معدودة، بحركة واحدة منها، غزت السكينة جسدها.
سقطت دموعها في اللحظة نفسها.
صرخت أمها صرخة مزّقت المكان كله.
ثم في لحظات قصيرة… كان جسد جاسمين يهوِي، وروحها تطلع للسماء.
أنهت حياتها بيديها.
أنهتها بطريقة خاطئة.
بطريقة تُغضِب الله.
كان باب التوبه مفتوحا، ولكنه أغلق
كان لديه الفرصه الكبيره للتوبه... لكنها لم تتب، ولم تطلب منه المغفرة.
الدماء كانت تسيل، والجميع يقف مصدوم… يد والدها مُلطّخة بالدماء، لكنها لم تكن أي دماء، بل دماء ابنته. هو أراد أن ينهي حياتها… فأنهت هي حياتها.
أحبّت حبًا خاطئًا… حبًا لم يرضه الله، وبسبب خطأ صغير منها تحطمت حياتها.
لم يكن الخطأ عليها… بل كان كله على أهلها، عائلة لم تعرفها معنى التربية الصحيحة، بل ربّتها على طرق معوجّة؛ بدأت بمقارنتها بأختها، ثم بحرمانها من الاحتواء، وغياب الأمان، وانعدام الحب، حتى أُجبرت أن تبحث عن الحب في مكانٍ خاطئ وبطريقةٍ خاطئة.
رجل في الثالثة والثلاثين من عمره… لماذا لم يختَر فتاة في عمره؟ لماذا وقع اختياره على فتاة أصغر سنًا؟
لأنه كان يعلم أنها بحاجة إلى الاهتمام والحب، فاستغل ضعفها، وضحك عليها، حتى أوصلها إلى النهاية التي لم تكن تستحقها… النهاية التي اختارتها بيدها، لتنهِي حياتها.
لو كنت مكان جاسمين، هتتصرف إزاي؟
هل حسيت إن القصة واقعية جدًا؟ وليه؟
لو كان عندك فرصة تغيّري حاجة في الأحداث، هتغيّري إيه؟
إيه الرسالة اللي خدتِها من القصة؟
•تابع الفصل التالي "رواية الهويداء" اضغط على اسم الرواية