رواية قصر خازور الفصل الثاني 2 - بقلم سماهر جمال
كان الليل قد ابتلع شوارع الفيوم، ولم يبقَ في السماء سوى قمرٍ يتسلل ضوؤه بين الغيوم.
توقفت ليلى أمام القصر، تأملت اللافتة التي كُتب عليها بخطٍ عريض « قصر خازور »، أصبح قلبها يخفق بسرعة وهي تتأمل الواجهة المظلمة التي تفرض هيبتها على المكان. لم يكن وجودها هنا مألوفًا، فالكل يعرف أن الاقتراب من هذا المبنى بعد منتصف الليل أمر غير محمود، لكنه كان الموعد الوحيد الذي يمكنها فيه أن تراقبه بعيداً عن عيون المارة.
لم تمضِ دقائق حتى سمعت وقع خطواتٍ ثابتة تقترب من الخلف، التفتت بقلق، لتجد رجلاً جاوز الخمسين، ملامحه الصارمة تزداد وضوحًا تحت ضوء القمر، كان هو رفعت قاسم، المحقق والصحفي المتقاعد الذي طالما سمعت عنه.
توقف بجوارها، ونظر أولًا إلى القصر قبل أن يوجه بصره إليها، وقال بنبرة هادئة:
– "مساء الخير، يبدو أننا وصلنا في الموعد المناسب يا آنسة ليلى."
ابتسمت ابتسامة متوترة وردّت:
– "لم أجد وقتًا أفضل، لا أريد أن يرانا أحد هنا."
أومأ برأسه وهو يثبت عينيه على البوابة الحديدية الصدئة:
– "أتفهم ذلك، مكان كهذا يجذب الأسئلة أكثر مما يعطي الإجابات."
ساد الصمت لثوانٍ، لم يقطعه سوى حفيف أوراقٍ تساقطت من الشجر و تطايرت مع الهواء، وضع رفعت يديه في جيب معطفه وأكمل بنبرة عملية:
– "أخبريني، ما الذي يدفع صحفية شابة للوقوف أمام قصر مهجور في ساعة كهذه؟"
ابتسمت ليلى بخفة، وقالت وهي تحاول أن تُظهر ثقتها:
– "أظن أنك تعرف الإجابة يا أستاذ رفعت، لم آتِ هنا صدفة، حين رفضت طلبي أول مرة، كنت أظن أنك ستغلق الباب تمامًا، لكنك عدت واتصلت بي، وهذا يعني أن فضولك لم يكن أقل من فضولي."
ارتسمت على وجهه نصف ابتسامة سرعان ما تلاشت، ثم قال:
– "لم يكن فضولًا فقط، آنسة ليلى. بل قلق، هذا المكان له سمعة سيئة، وأنا عادة لا أقترب من شيء لا أعرف حدوده، لكن، ربما لم يعد عندي ما أخسره."
أطرقت برأسها للحظة، قبل أن تقول بجدية:
– "أنا لا أبحث عن قصة مثيرة فحسب، بل عن حقيقة. هناك أقاويل تتردد منذ سنوات، وأنا أريد أن أعرف لماذا ظل هذا القصر مطمورًا تحت طبقات من الخوف."
رفع رفعت نظره عبر السور الحديدي، يتأمل النوافذ المظلمة وكأنها عيونٌ تحدّق بهما، ثم قال بصوت منخفض:
– "الحقيقة يا آنسة ليلى أحيانًا تكون أثقل مما يتوقعه المرء. لكن بما أنني هنا الليلة، فدعينا نرَ ما الذي يمكن أن نجده."
اقترب خطوة من البوابة، ألقى نظرة على القفل الصدئ، ثم التفت نحوها:
– "هل أنتِ مستعدة حقًا للدخول؟"
ترددت أنفاسها للحظة، لكنها أجابت بحزم:
– "نعم."
ساد الصمت مجددًا، لم يقطعه سوى صرير حديدي حين لمس رفعت السلسلة المتهالكة التي تغلق البوابة.
في تلك اللحظة، بدا وكأن الزمن توقف حولهما، وأن الفيوم كلها قد سلَّمت روْحها للنوم، إلا هما والقصر.
مد رفعت يده بثباتٍ ظاهري، بينما عينيه تحملان توترًا لم يخفَ عن ليلى. ضغط على السلسلة المتهالكة، فانفرطت بحركة مفاجئة كأنها لم تحتمل مقاومة السنين.
تبادلا نظرة سريعة، بين خوفٍ دفين وإصرارٍ لم يعد هناك مفرّ من التراجع عنه، ثم دفع رفعت البوابة لتُصدر صريرًا طويلًا اخترق صمت الليل.
خطت ليلى أولى خطواتها إلى الداخل، وجدت قلبها يخفق بعنف حتى شعرت أن صوت ضرباته قد يوقظ القصر من سباته. وجهها كان متوترًا، عيناها تدوران في كل زاوية كما لو كانت تبحث عن شيء محدد، بينما يديها ترتعشان رغم محاولتها إخفاء ذلك.
أما رفعت، فملامحه بدت جامدة، لكن أسفل تلك الصرامة كان يتصارع شعورٌ قديم يعرفه جيدًا،كان خليط من الحذر والفضول، تمامًا كما كان يشعر حين يدخل مسرح جريمة لأول مرة.
كان أول ما واجههم هو الظلام الكثيف، لذا كان لا بد من وجود حامل ضوء، ليبصروا به المكان، وهذا ما لم تنسى ليلى حضوره.
مرّا عبر ممرٍ طويل، جدرانه عارية متآكلة، تتدلّى منها قطع من الطلاء القديم كأوراقٍ ذابلة. كان الهواء أشد مما توقعا، يحمل رائحة العطن والصدأ، ومع كل خطوة يعلو صدى أقدامهما، كأنه إعلان بقدوم دخيلَين.
صعدا الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق الأول و تحت أقدامهما شعرا بانحناءاتٍ تنذر بالسقوط.
في الأعلى، وجدوا قاعة واسعة، أرضيتها مغطاة بطبقة من الغبار السميك، وعلى الجدران آثار إطارات صور نُزعت منذ زمن، تاركة مربعات باهتة من اللون.
همست ليلى:
– "كأن أحدًا محا كل أثرٍ كان هنا."
فرد رفعت دون أن يلتفت:
– "أو كأنهم أرادوا ألا نتذكر ما كان معروضًا."
تابعا الصعود إلى الطابق الثاني، حيث الممرات أضيق، وأبواب الغرف متقابلة على الجانبين. كل باب بدا كعينٍ مغلقة، تخفي وراءها أسرارًا تنتظر من يجرؤ على فتحها.
توقفت ليلى أمام أحدها، مدت يدها بخوف، لكنها ترددت قبل أن تلمس المقبض، التفتت إلى رفعت، فوجدت عيناه مثبتتين على الباب الآخر، كأن شيئًا ما لفت انتباهه هناك، لم يدم طويلاً وتابع الصعود.
وأخيرًا، وصلا إلى الطابق الثالث، حيث سقف القصر العلوي. كان المكان مختلفًا؛ النوافذ المكسورة تسمح للهواء البارد أن يندفع بعنف، حاملاً أصواتًا مشوشة كأنها وشوشات متقطعة. هنا، تسارعت أنفاس ليلى، بينما تجمدت نظرة رفعت وهو يراقب الظلام الثابت على الجدار.
فقال بصوت منخفض، كأنه لا يريد أن يسمعه حتى نفسه:
– " أشعر أنّ هذا المكان يحمل أشياء ثقيلة يصعب حتى النطق بها. "
كان الممر العلوي يلفّهما بهدوءٍ خانق، حتى بدا وكأن القصر يحبس أنفاسه معهما. فجأة، دوّى صوتٌ حاد كارتطام زجاجٍ بالأرض، اخترق صمت المكان فأحدث رجفة في الجدران العتيقة.
تجمدت ليلى في مكانها، عيناها اتسعتا وارتجفت شفتاها:
– "أسمعت ذلك؟!"
التفتت إلى رفعت، فوجدته واقفًا ثابتًا، لكن ملامحه مشدودة، عينيه تضيقان بترقب، وجسده يتأهب كما لو كان في مسرح جريمة. لم ينطق بكلمة، فقط أشار لها أن تتبعه بحذر.
هبطا الدرج بسرعة، وقع أقدامهما يعلو فوق صرير الخشب، حتى وصلا إلى الطابق الأرضي، توقفا فجأ، وهناك، بجانب أحد الأبواب الخشبية المتهالكة، تناثرت شظايا كوب زجاجي مكسور، كأن يدًا غير مرئية ألقت به للتو.
انحنت ليلى قليلًا، يديها ترتجفان وهي تحدق في القطع المتناثرة، ثم قالت بصوت قلق:
– "لكن!، لا يوجد أحد هنا سوانا."
اقترب رفعت من الباب، عيناه تتفحصان كل تفصيلة، الخشب القديم الذي بدا وكأنه يتحرك، المقبض الذي تهدل بفعل الصدأ، والظلام الكثيف الذي يتسرب من الفجوة أسفل الباب.
أدار وجهه نحو ليلى وقال بنبرة هادئة لكنها مشدودة:
– "الزجاج لا ينكسر وحده يا آنسة، لا بد أن شيئًا ما كان هنا."
تراجعت خطوة للوراء، و قلبها يخفق بعنف، بينما ظل رفعت واقفًا أمام الباب، يمد يده ببطء نحو المقبض، كأنه يزن المجهول الذي قد ينتظره خلفه.
مد رفعت يده نحو المقبض، لكن قبل أن يضغطه لمح خيالًا سريعًا يتسلل بالقرب من الباب، جسم صغير له ذيل طويل انعكس مع ضوء القمر المتسلل من إحدى النوافذ.
شهقت ليلى شهقة عالية، وصرخت دون وعي:
– "آه! هناك شيء!"
رفع رفعت يده فورًا، وأشار إليها بالصمت، عيناه تحملان تحذيرًا صارمًا. بقي واقفًا بترقب، حتى تأكد من أن ما رآه لم يكن سوى قطة سوداء، عيناها تلمعان بلونٍ مخيف وهي تراقبهما قبل أن تركض مسرعة نحو الخارج.
اقترب هو نحو ليلى ببطء ، وهو يهمس بخفوتٍ شديد، لكن نبرته تحمل تفكيرًا عميقًا خرج على لسانه:
– "مجرد قطة، ولكن السؤال الآن، كيف دخلت إلى هنا؟ جميع الأبواب مغلقة، والنوافذ كذلك، عدا نوافذ الطابق الثالث المحطمة!."
أكمل بتقرير واقعي:
_"حتى وإن كان كذلك، فكيف تسنّى لها أن تصل إلى هناك؟ القصر لا يحيط به أي منزل يمكنها القفز منه!"
حدقت ليلى في عينيه بقلقٍ أكبر، لم يعجبها تفسيره، بل زادها رعبًا. عادت بنظرها إلى الباب المغلق، وكأنها تخشى أن يخرج منه ما هو أبشع من قطة.
وبينما كانا يتناقشان بخفوت داخل القصر، كانت الحياة بالخارج تسير على نحوٍ آخر؛ ثلاثة شبانٍ في منتصف عقدهم الثاني مرّوا في تلك اللحظة أمام البوابة الحديدية. كانوا يتحدثون بمرحٍ مكتوم، حتى قطعهم صريخ ليلى الذي انطلق منذ لحظات.
توقفوا فجأة، تبادلوا النظرات بوجوهٍ شاحبة، ثم ضحك أحدهم ضحكة عصبية وقال:
– "أرأيتم؟! تلك هي أصوات الأشباح التي تحرس القصر! هل يعقل أن بشريًّا يدخل هذا المكان عند منتصف الليل؟!"
هزّ الآخر رأسه بثباتٍ مصطنع:
– "لا يمكن، لا أحد يجرؤ على ذلك. هذا صراخٌ من عالمٍ آخر، ليس لنا به شأن."
وتابعوا سيرهم بخطواتٍ سريعة، يتجنبون النظر إلى الداخل، وكأن مجرّد التحديق قد يستدعي عليهم لعنة القصر.
أما ليلى، فكانت لا تزال واقفة قرب رفعت، أنفاسها متلاحقة، وصوت القطة الغامض يطارد عقلها، بينما رفعت ظلّ صامتًا، يضع يده مجددًا على المقبض، يتردد بين أن يفتحه أو أن ينتظر قليلًا.
دخل رفعت وليلى الغرفة بعد تردد قصير، ليتضح أنها مجرد غرفة قديمة، تملأها رائحة الرطوبة والغبار، والجدران متآكلة تحمل آثار الزمن، وعلى الجانب الأيمن من الغرفة توجد ستارة سوداء اللون غطت الجدار بأكمله، وبعض قطع الأثاث المتهالك ملقاة هنا وهناك، ككرسي مكسور وخزانة فقدت أبوابها. لم يكن هناك ما يثير الريبة، بل بدا المكان عاديًا، كأي غرفة مهجورة منذ سنوات طويلة.
أخذ رفعت يفتش بين الأركان والأدراج الفارغة، بينما جلست ليلى على حافة الكرسي المكسور وقد بدت علامات الضجر على ملامحها.
قالت بحدة منخفضة:
ــ "استاذ رفعت، لا يوجد شيء هنا، لقد سئمت وأريد الخروج الآن."
لكنه لم يلتفت إليها، وظل ينقب بتركيز شديد، وكأنه يبحث عن شيء بعينه، حتى توقف أمام صندوق خشبي صغير نصف مغطى بالتراب. مد يده ونفض عنه الغبار ببطء، ثم فتحه بحذر.
كانت هناك مجموعة من الصور القديمة، وقد اصفرّت أطرافها بفعل الزمن. أمسك إحداها وأشار بها نحو ليلى قائلاً:
ــ "انظري، هذه صورة صاحب القصر، السيد توفيق."
تقدمت ليلى بخطوات مترددة واقتربت لتنظر جيدًا. كانت صورة لرجل بملامح صارمة يرتدي بدلة قديمة الطراز. أخرج رفعت صورة أخرى وابتسم ابتسامة حزينة وهو يضيف:
ــ "وهذه حفيدته، خديجة."
ظهرت في الصورة طفلة صغيرة ذات عيون واسعة، تحمل براءة لا تخطئها العين، ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا، وشعرها مربوط بضفيرة وحيدة تتدلى على كتفها.
ارتجفت ليلى فجأة دون سبب واضح، وأحست أن العيون الصغيرة في الصورة تحدق فيها مباشرة. مدت يدها لتلمس الصورة لكنها ترددت وسحبت يدها بسرعة، بينما بقي رفعت يحدق مطولًا، وكأن عقله بدأ يربط بين تلك الطفلة والسر الذي يخفيه هذا القصر.
راح رفعت يزيح بعض الأتربة عن الرف الخشبي المهترئ، ليجد دُفترًا قديماً، أوراقه مصفرة وحوافه متآكلة، وكأن الزمن التهم نصفه. التقطه بحذر ونظر إلى ليلى قائلاً:
ــ "أظن أننا أمام شيء مختلف هذه المرة."
اقتربت ليلى بسرعة، وعيناها تتسعان بفضولها الصحفي المعتاد:
ــ "افتحه، ربما نجد ما يفسر شيئًا من غموض هذا القصر."
بدأ رفعت يقلب الصفحات الأولى، فوجد بعضها ممزقًا من المنتصف، وكأن هناك من تعمد أن يخفي ما كُتب فيها. أما الصفحات الباقية، فقد احتوت على سطور قصيرة غامضة، مكتوبة بخط يدٍ مرتبك:
"لم أعد أطيق هذه الجدران، فكل زاوية منها تفضح ما لا يراه الآخرون….. نظراتها لا تخفى عليّ، وتلك الضحكات المبطنة لا تخدعني… ليتني أستطيع أن أصرخ بالحقيقة، لكن أي يد ستصدقني؟"
تبادلت ليلى ورفعت نظرات الحيرة، ثم تمتمت ليلى:
ــ "من الذي كتب هذا؟ ولمن كان يوجه كلماته؟"
قلب رفعت صفحة أخرى، فإذا به يرى سطرًا آخر:
"هاشم مسكين، غارق في طيبته، لا يرى أن النار تلتهم بيته. أما أنا؟، فلا أملك إلا أن أراقب بصمت."
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها، فأطبقت يدها على ذراع رفعت:
ــ "هذا يزداد غرابة، وكأن الكاتب يتحدث عن خيانة أو سرٍ مدفون."
أكمل رفعت تقليب الأوراق ببطء، حتى توقفت يده عند صفحة أُرفقت بها صورة قديمة، بالأبيض والأسود، لفتاة في أواخر عقدها الثاني، ترتدي فستانًا أنيقًا، وقد كُتب أسفلها بخط واضح: "سعاد".
شهقت ليلى بدهشة:
ــ "ومن تكون هذه؟!"
ابتسم رفعت بخفوت، وكأنه يسترجع ما يحمله في ذاكرته من معلومات قديمة:
ــ "هذه سعاد، زوجة هاشم الابن الأكبر للسيد توفيق. وأم خديجة الحفيدة."
نطقت ليلى بدهشة أكبر:
ــ "إذن، الكاتبة ربما تكون هي؟"
أغلق رفعت المذكرة لوهلة، ونظر إلى ليلى بعينين تفكران بعمق:
ــ "أو ربما كان شخصًا آخر يراقبها، ويسجل ما رآه."
ساد الصمت من جديد، ولم يُسمع سوى صفير الريح يتسلل عبر النوافذ المحطمة، وكأن القصر نفسه يتربص بأسراره، رافضًا أن يكشفها بسهولة.
جلس رفعت على أحد المقاعد المتهالكة، يثبت المذكرة بين يديه، بينما اقتربت ليلى أكثر كأنها تخشى أن تفوّت حرفًا واحدًا. قلب رفعت الصفحات حتى توقّف عند مقطع جديد، مكتوب بخطّ أكثر ارتجافًا من السابق، كأن الكاتب كان متوتّرًا وقتها:
"اليوم لم أعد أحتمل… واجهتهما. كنت أعلم أن الصمت يقتلني أكثر مما تفعله خيانتهما. نظراتهما لا تخطئها عين، وخطواتهما المريبة في أرجاء هذا القصر ما عادت تخدعني. جمعت شجاعتي وناديت حسن أمامها، وقلت له ما كنت أخشى قوله؛ أنه خان دم أخيه."
توقف رفعت للحظة وهو يقرأ، فارتجفت ليلى، و تمتمت بخوف:
ــ "إذن، هو الجد توفيق من كتب هذه المذكرات؟"
أومأ رفعت برأسه:
ــ "يبدو كذلك."
ثم تابع القراءة بصوت خافت:
"أنكرا… كما توقعت. قالت بجرأة باردة إنني أتخيل، وإن العمر أثقل بصري وعقلي. وحسن، بدم بارد، أقسم أمامي أنه لم يمد يده إلا بالخير. كدت أضربه، لكنني تراجعت. ما الدليل؟ كلمة شيخ عجوز أمام قسم شاب ماكر، وامرأة بارعة في التمثيل. لو نطقتُ بهاشم، لن يصدقني. لقد أعمته محبته لها."
اشتدت أنفاس ليلى، حتى شعرت أن جدران الغرفة تضيق عليها:
ــ "يا إلهي، لقد كان يعرف، لكن لم يكن بيده حيلة."
أكمل رفعت القراءة، وصوته يزداد ثقلًا:
"عدتُ إلى غرفتي، وكتبت، كتبتُ لأن الكتابة هي السجن الوحيد الذي لا يقدرون على كسره. لو وجدت هذه الأوراق يومًا يا هاشم ، فاعلم أنني رأيت الحقيقة، لكني عجزت عن فضحها."
أسند رفعت ظهره إلى المقعد، يزفر ببطء وهو يحدق في المذكرة:
ــ "إذن المواجهة حدثت بالفعل، لكن بدون نتيجة. الحقيقة دفنت بين الجدران، ومعها سرّ أكبر مما تخيلنا."
نظرت ليلى إلى الصور المبعثرة بجانب الصندوق، ثم إلى المذكرة بين يدي رفعت، وقالت بصوت مضطرب:
ــ "هذا يعني أن ما نراه ليس إلا بداية الخيط، وأن ما لم يُكتب، وما تمزّق من هذه الصفحات، قد يحمل ما هو أخطر بكثير."
ساد الصمت، بينما تسللت من بعيد طرقعة خشب في سقف القاعة، كأن القصر نفسه استيقظ على أسراره، رافضًا أن تُحكى حتى النهاية
قلب رفعت صفحة جديدة، وقد بدا أن الحبر أثقل في الكتابة، وكأن اليد المرتجفة لم تعد تقوى على الكتمان. قرأ بصوت خفيض:
"لم أعد أحتمل وجودها في بيتي… سعاد. لا أراها إلا لعنة حلت على هذه العائلة. غرورها يقتلني، وخيانتها تحرقني، ولولا ضعفي أمام هاشم وخوفي على قلبه النقي، لقلت ما عندي أمام الجميع. لكنها ستكون السبب… السبب الذي يفرق بين أبنائي."
توقفت أنفاس ليلى للحظة، وشعرت بوخز في صدرها من شدة وقع الكلمات. أما رفعت فواصل القراءة:
"لكنني لست وحيدًا. ثمة من يراني بصدق، حفيدتي الصغيرة خديجة. يا لها من روح ناصحة، رغم أن عمرها لم يتجاوز العاشرة. عيناها تقرأ ما يخفى على الكبار، ولسانها يسأل ما لا يجرؤ غيرها على قوله. لقد رأت بعينيها ما حاولتُ إخفاءه عن أخيها. كم مرة سألتني: لماذا تغيب أمي حين يسافر أبي؟ ولماذا تضحك مع عمي حسن أكثر مما تفعل مع أبي؟"
شهقت ليلى دون أن تشعر:
ــ "حتى الطفلة كانت تشك، أيعقل أن تكون خديجة هي مفتاح اللغز كله؟"
أغلق رفعت المذكرة ببطء، وقد ارتسمت على ملامحه غمامة من التفكير العميق، ثم قال:
ــ "يبدو أن هذه السطور لن تنتهي بخيانة عابرة، ثمة ما هو أبعد، وربما أشد قسوة."
ساد الصمت لبرهة، لا يُسمع فيها سوى صرير الريح وهي تلامس النوافذ المحطمة. ثم رفع رفعت رأسه فجأة ونظر إلى ليلى بعينين حاسمتين:
ــ "يكفي هذا الآن. لا بد أن نغادر قبل أن يطلع النهار. إن رآنا أحد هنا فستكون مشكلة كبيرة، خاصة أن دخول هذا القصر محظور بأمر الحكومة، ومقرر أن تدخله هيئة الآثار قريبًا."
ترددت ليلى، فقد بدا شغفها أعظم من أن يُكبح، لكنها أيقنت في نبرة صوته أن الأمر خطير. جمعت الصور والمذكرة على عجل، بينما حمل رفعت الصندوق الصغير بين يديه، واتجه نحو الباب.
خرجا من الغرفة بخطوات حذرة، وكل ظلّ على الجدران يضاعف ارتجاف قلب ليلى، إلى أن وصلا إلى مدخل القصر. حين دفع رفعت الباب المتهالك ليخرج، ألقت ليلى نظرة أخيرة إلى الداخل، وهمست في نفسها:
ــ "هذا المكان… لن يتركنا بسلام."
ثم تبعته إلى الخارج، حيث كان الليل يوشك أن ينسحب، والسماء تميل إلى زرقة الفجر الأولى.
•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية