رواية انين هوى الفصل الثاني 2 - بقلم امنية مصطفى

 رواية انين هوى الفصل الثاني 2 - بقلم امنية مصطفى

" كل المحاربين بساحة الحُبّ مهزومون حتمًا."

ـ العيون حولك تراقب، وليست كل العيون جديرة بالأمانة يا سمو الأميرة.
قالتها العجوز بينما لم تتوانى عن تثبيت بصرها بعيني فيروزة المتمردتين.
تلفتت حينها فيروزة بحذر، ثم ابتسمت وأردفت متشفية:
ـ ليخرج الجميع إلى الخارج، ولا تُدخلوا أحدا إلى هذه الغرفة دون أمري.
خرج الحرس وتبعتهم جاريتها المقربة دون أن ينبس أحدهم بحرف واحد، فالتفتت هي نحو أختها مدهوشة متساءلة عن عدم تنفيذ طلبها.
رفعت سلمى كتفيها وصاحت بها حانقة:
ـ لا تنتظري مني الخروج وتركك هنا وحدك مع هذه المجنونة.
ـ بل ستفعلي.
قامت حرب نظرات ضارية بين الأختين الغاضبتين، لم يقطعها سوى صوت العجوز المتهدج ناصحا:
ـ لا بأس، فمن ليسوا جديرين بالأمان قد غادروا بالفعل.
أشاحت فيروزة ببصرها نحوها متساءلة، فأومئت لها مستدرجة:
ـ لا دير من بعض المساندة.
ـ إن كانت مساندة الأميرة سلمى هي الأخيرة في العالم، فعلى جثتي أن أقبل بها.
أردفت توجه حديثها نحو سلمى التي رفعت كتفيها بتحدٍ وراحت تعود لمجلسها مجددا دون أن ترد على وقاحة أختها الجمة.
زفرت فيروزة بضيق، وراحت تحدث العجوز المتشحة بالأسود:
ـ والآن أخبريني، من هي تلك الشمطاء؟ وكم مرة تقابلا؟
ـ ظننتك تراقبينه بالفعل؟
سألتها العجوز مقررة مبتسمة.
ـ أتراقبين يامن؟
اندفعت سلمى تسألها وآيات الدهشة لا تنفك تتراقص على قسماتها.
ـ إن كنتِ ستبقين في هذه الغرفة، فلا أود أن أسمع صوت أنفاسك حتى.
همست بها فيروزة بينما تجلس على مقعدها الوثير جوار أختها.
وضعت ساقا فوق الأخرى، وراحت تنظم أنفاسها مطبقة أجفانها بترو. أتتخذ قرارا حكيما فيما تفعله الآن؟ وراحت تسألها نفسها أن تتحلى ببعض الحكمة. لا دير ببعض التشويق، وإن تبينت كذب تلك العجوز فستسجنها حتما، ولن تجد من قبلها سوى العذاب.
فتحت عينيها فجأة، وكشفت عن مقلتين متقدتين بالحماس والشغف، التفتت نحو تلك المرأة الغريبة وأردفت مهددة بنبرة لا تبشر بخير:
ـ أسأقضي باقي نهاري أسألك عما تعرفين؟
ابتسمت العجوز وراحت تقترب منها بتروٍ، أجابتها بهدوء مريب:
ـ زمردة لا تفتن، ولا تنقل الأقاويل، زمردة تجعل صاحب الشأن يرى بعينيه ما يعنيه.
ـ ومن تلك الزمردة؟
قهقهت العجوز على سؤال الأميرة، وراحت تشير نحو نفسها بزهوٍ:
ـ زمردة هي أنا، في خدمة سمو الأميرة فيروزة ابنة سهيل.
ـ وكيف ستجعلينني أرى؟ بالطبع لن أذهب بنفسي لأراقب زوجي الدوق.
ـ شربة من هذا الكأس كفيلة بكشف الخائن والمنحوس، ودون أن تحرك مولاتي ساكنا.
اخرجت الكأس من داخل عباءتها وتركته على الطاولة القصيرة أمامها، طالعته فيروزة من علٍ بحذر دون ان تلمسه، وأخذت تنذرها أفكارها المتشابكة بخطورة ما هي مقدمة على فعله.
أتلك ساحرة وتحاول التلاعب بها؟ وقع السؤال في أيكة رأسها كمطرقة تعانق السندان، آلمها رأسها عند هذا الخاطر فاغمضت عينيها بوهن ترتب ما عليها قوله، وحين فرقت جفنيها، تفاجأت بالعجوز وقد اختفت وتبدد أثرها.
التفتت نحو سلمى بلهفة متساءلة، فهزت الأخرى رأسها بغير تصديق مردفة:
ـ تلك العجوز غريبة، خرجت دون أن تنطق حين اغمضتِ عينيكِ
اعتدلت فيروزة في مكانها، دون أن تنبس، ثم التفتت نحو أختها ثانية تقول بهدوء مريب:
ـ اتركيني وحدي.
ـ فيروزة، حبيبتي لا تقترفي هذا الجنون بحق نفسك وبحق زوجك، مستحيل أن يخونك يامن بعدما قدمه ليتزوج بكِ.
ـ قلت لكِ اتركيني وحدي يا سلمى.
تسللت تنهيدة صاخبة من بين شفتيها وراحت تغادر المرسم متثاقلة، تاركة خلفها أختها الصغرى تعافر أمواج الشك الهائجة في لجٍ من الخيانة الغادرة.
●●
تزعزع كيانها فجأة في عز شعورها الجم بالكبرياء، أحست لوهلة أن معرفة الحقيقة ورؤيتها ستودي بعزها ونبلها إلى هلاك محقق. ثم ماذا إن كان طريق السحر ذاك كذبة وخداع من أجل أن يوقع بها أعدائها؟
تساءلت بينما تتخبط روحها بجزع داخل أسوار جسدها الواهن؛ أكانت الخيانة لفظ مطروح في علاقتها بيامن؟ إنها ورغم كل ذلك الثبات الذي تكسو به ملامحها الجامدة عاشقة مجروحة خذلتها وعود الحب الجامحة.
أزاحت الكأس بعيدا عن مرمى بصرها بظهر يمناها، وارتمت بظهرها تستند على مسند مقعدها تحارب بضراوة شيطانها الذي يدعوها أن تضع خاتمة لكل هذا العذاب...فإما هي حياة رغيدة مع من تحب، وإما هو عذاب محقق لكليهما، ولن تقدر هي الأخرى على الفرار منه حتى وإن كانت هي بذاتها الجلاد.
نهضت وقد تسلحت بكبريائها مجددا وراحت بخطاها الوئيدة تجر كيانها النبيل الذي يرفض ذكر حقيقة أن تهزم هي أو تخدع. مشت حتى غرفة نومها وقبل أن تصل وجهتها بخطوات انفرج الباب وكشف عن سلمى تخرج من هناك وخلفها يامن بملامح قد اكفهرت وكساها الأسى.
رأت سلمى تشد على ذراعه وتربت على كتفه، وتتمتم بتقرير:
ـ سأتحدث معها مجددا، لابد أن أحدهم قد لعب بعقلها..لا تقلق.
وراحت تسير مغادرة في اتجاه معاكس عن ذاك الذي تسلكه فيروزة.
حثت خطاها نحو زوجها بتصميم، تخطته ودلفت الغرفة دون أن تنطق، فتنهد هو وراح يتبعها بعدما أغلق الباب خلفه.
ـ هل يمكننا الحديث الآن؟ هل هدأت ثورتك؟
ـ هل خنتني؟
ـ لم أخنك، أقسم لكِ.
ـ حسنا..
تسلل رعب حتى قلبه، وأخذ بنصل الريبة البارد يسلخ نياطه الوجلة.
كانت تجلس على طرف الفراش ساكنة، فانحنى يركع على ركبتيه أمامها، وأردف مصمما:
ـ أقسم لكِ، أصبح قلبي محرم على جنس النساء أجمع منذ ولجتِ أنتِ إلى فؤادي يا فيروزة.
ـ أنا أصدقك.
ـ سأخبرك بما حدث ليلة الأوبرا ليطمئن فؤادك.
ـ لا داعٍ، وظيفتك تحتم عليك حضور مناسابات كتلك.
انتفض خافقه في صدره، وراحت ضرباته الهلعة تبث الخدر حتى أطرافه، ماذا حل بها؟ وكيف تبدل حالها تماما هكذا في غضون ساعة.
تلجلج في لج أفكاره، أيترك التفسير ويصدق أنها تصدقه؟ أم أنه واقع تحت رحمة اختبارها الذي سيحدد مصير حياته؟
تنهد بينما يحاول باستماتة الحفاظ على رباطة جأشة؛ هل قررت بالفعل قتله والتخلص منه؟ إذن هي ترى أن تفسيراته كلها بلا داعٍ.
لامس اناملها الباردة، وراح يلثم كفها بهيام، حاول أن يقيد عسليتيها بعينيه المتوسلتين مردفا:
ـ كيف يمكن لعاشق مثلي كاد أن يقدم روحه قربانا لأجل قربك أن يضحي بحبك؟ أخبريني، ماذا يجب أن أفعل لأكفر عن ذنب لم أقترفه؟
رفعت كفها الأيسر وراحت تلامس به خده، أحست بعبراته تسيل مترقرقة على راحتها، فانتفضت كما لو أن صاعقة أحيت روحها المحتضرة، جذبته إلى أحضانها ورهبة الفقد تتملك كل ذرة من مهجتها الملتاعة، أخذت تنشج بألم، ولوعة الذنب تحاصرها، نطقت كلماتها المختنقة:
ـ لا تفعل أي شيء..فقط ابقى جواري، فأنا أخاف البقاء وحدي.
فك العناق هو، وراح يرتب خصلاتها السوداء الفحمية، آلم قلبه صوتها الذي بح إثر البكاء، لثم جبينها طويلا وراح يمسح على ظهرها الذي أحسه متصلبا إثر التوجس.
وقف معتدلا بينما يسحب يديها معه لتجاوره أمام المرآة الطويلة، وأخذ يحدثها بتروٍ:
ـ أي مجنون ذاك الذي يفرط بجميلة جميلات المملكة لأجل نساء عاديات أخريات؟
تنهد بينما يطالع عينيها في المرآة:
ـ كل ما أعرفه هو انني لست بذلك المجنون يا سمو الأميرة.
لاحظ هو شرودها المفاجئ، وأخذ ينتظر أن تجيبه لهنيهة، لكنها كانت سارحة تطالع صورتهما بالمرآة كصنم.
هزها برفق، وأخذ يفسر لها بحذر:
ـ عليّ الذهاب لمقابلة جلالة الملك، ما رأيك لو أخبرتهم أن يجهزوا لنا طاولة العشاء بالحديقة كما تحبين؟
اماءت له وابتسامة قد شقت ثغرها لأول مرة منذ ولجت للغرفة، ثم فاجأته بعناق آخر طويل، أنهته بتمرير أناملها على كتفه الأيسر، وأجابت بحب يقطر من كلماتها:
ـ لا تتأخر، سأنتظر عودتك..
لامس هو صدغها المحمر إثر البكاء وهز رأسه إيجابا، خرج مسرعا فقد أدرك أنه تأخر على موعده مع الملك، وفكر مستهزئا؛ في محاولاته لإنقاذ زواجه من الأميرة يكاد يضحي بحياته عن طريق إغضاب أخيها الملك.

وعندما تسلل لأذنيها صوت إغلاق الباب، راحت تترنح حتى الفراش بتعب، جلست مشدوهة على طرف السرير، تكور قبضتيها، وأمارات الذهول تغدق قسماتها.
فتحت كفها الأيمن، وكشفت عن خصلة بنية فاتحة تميل في لونها للأشقر، وحين تبينت صحة اللون، شهقت وغصة البكاء تغزو حلقها.
حتى دليل جريمته الذي تعلق بثوبه لم يكلف نفسه عناء التخلص منه، كما لو كان يستهزئ بذكائها...ولكنها رأتها، رأت تلك الخصلة التي بالطبع لا تنتمي لشعرها الأسود في ذات اللحظة التي كادت تصدقه فيها وتضرب بكل شكوكها عرض الحائط.
صرخت منادية على جاريتها، فولجت مهرولة تتبين سبب غضب سيدتها.
ـ أمرك يا سمو الأميرة..
ـ اجلبِ لي الكأس الذي تركته بغرفة المرسم حالا.
ـ يتبع ـ عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات