رواية قصر خازور الفصل الاول 1 - بقلم سماهر جمال

 رواية قصر خازور (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم سماهر جمال

رواية قصر خازور الفصل الاول 1 - بقلم سماهر جمال

لم تكن مقاهي الفيوم القديمة غريبة عن "رفعت قاسم" الصحفي المتقاعد، فقد اعتاد أن يطوي أيامه بين جدرانها منذ تقاعده، يستعيد بصمتٍ ماضٍ أثقل كاهله أكثر مما ودّ. جلس في الركن البعيد من المقهى المطل على بحيرة قارون، يراقب انعكاس الغروب على صفحة الماء، وكأن بينه وبين ذلك المشهد حوارًا صامتًا لا ينتهي.

اقتربت خطوات مترددة، ثم وقفت أمامه شابة تحمل في ملامحها مزيجًا من الحماسة والعناد. كانت "ليلى" قد قطعت الطريق من الاسكندرية إلى الفيوم خصيصًا للقائه، بعد أن سمعت عنه من زميلٍ قديم يصفه بـ "المحقق الذي يكره النهايات السهلة".

قال رفعت وهو ينهض مرحّبًا:
– " تفضلي بالجلوس، لقد تأخرتِ قليلًا."

جلست ليلى مقابلةً له، ثم وضعت على الطاولة دفترًا صغيرًا امتلأت صفحاته بالملاحظات. بدا صوتها ثابتًا وهي تقول:
– "أعلم أنّك تابعت قضية "قصر خازور " منذ ثلاثين عامًا، جئت لأطلب مساعدتك؛ أريد أن أعيد فتح الملف."

تأملها بعينين ضيّقتين، وكأنما يقيس معنى كلماتها، ثم أجاب بعد برهة:
– "يا ابنتي، هناك قضايا لا تُفتح، لأن ما خلفها أصعب من أن يُحتمل. لقد أُغلق الملف بقرار رسمي، وما ستجدينه داخله لن يكون سوى جدران باردة وصدى قديم."

ردّت بثباتٍ يخالف الارتعاش الخفي في أصابعها:
– "أقبل المخاطرة، كل الأدلة تشير إلى أنّ الأمر لم يكن انتحارًا كما سُجّل، هناك فراغات، وتناقضات، و أحاديث لم يلتفت إليها أحد."

صمت رفعت طويلًا، ثم انحنى للأمام وقال بصوتٍ خفيض:
– "إن قررتِ الدخول إلى ذلك القصر عليك أن تكوني مستعدة لأن تسمعي أكثر مما تحتملين."
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه، لكنها لم تحمل شيئًا من الدفء، أشعل سيجارة وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أكمل:
– "لقد اعتدتُ أن أرى العناد في عيون الصحفيين الشباب، لكن ما أمامي الآن ليس مجرد عناد بل تهوّر."

حاولت ليلى أن تقاطعه، غير أنه رفع كفّه بحزمٍ وأردف:
– "إن كنتِ تبحثين عن قصة تُملأ بها صفحات جريدتك، فابحثي عن غير هذا القصر. فما حدث داخله أكبر من أن يُختزل في مقال، وأشدّ من أن يُحتمل بعقلٍ واحد."

سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أكثر خشونة:
– "أنا لن أرافقك."

تسارعت أنفاسها للحظة، لكنها تماسكت وقالت بجرأةٍ ظاهرة:
– "حسنًا، لن أجبرك على العودة إلى ماضيك. لكنني سأدخل القصر بمفردي. إن كان هناك من سرٍّ يُخبئه، فسأكشفه، حتى وإن اضطررتُ إلى تحمل النتيجة وحدي."

ارتعشت أصابعه وهو يطفئ سيجارته ببطءٍ في المنفضة، ثم رفع بصره إليها، بعينين يعلوهما بريق غامض، وقال:
– "حين تُبصرين الظلام لأول مرة في ذلك القصر تذكّري أنني حذرتك."

نهض من مكانه، تاركًا خلفه طاولة يتصاعد منها دخان السجائر، وليلى تحدّق في أثره بعينين متقدتين. أدركت أنّ الطريق قد انفتح أمامها، حتى وإن أُغلق باب المساعدة. القصر ينتظرها، وهي على وشك أن تخطو نحوه.
راجعت ليلى خطواتها عائدة إلى شقتها الصغيرة التي استأجرتها في وسط مدينة الفيوم، في أحد العمائر القديمة المطلة على القصر مباشرة. لم يكن اختيارها فوضويًا، بل عمدت أن يكون بيتها المؤقت في مواجهة غايتها، لتراقب كل حركة وتفصيل دون عناء.

دخلت الشقة بخطواتٍ مثقلة، وقد ظلّ صوت رفعت قاسم يتردّد في أذنيها: حين تُبصرين الظلام لأول مرة في ذلك القصر تذكّري أنني حذرتك." جلست للحظة على الأريكة المهترئة، قبل أن تقف متجهة نحو الشرفة. أزاحت الستائر الثقيلة التي حجبت الضوء والهواء، فانفتحت أمامها إطلالة كاملة على القصر المهيب.

وقفت واجمة، عيناها تتأملان البوابة الحديدية التي غمرها الصدأ، والشرفات العالية التي غطتها نباتات متسلقة. بدا القصر كجسدٍ نائم لم يوقظه الزمن.

وضعت يدها على حاجبها لتقي عينيها من وهج الغروب، وأطلقت زفرة متوترة. راودتها كل الأقاويل التي سمعتها:
– "أصوات بكاء تُسمع ليلًا."
– "أضواء تظهر في الطابق العلوي ثم تختفي فجأة."
– "ظلال تتحرك خلف النوافذ، رغم أن القصر مغلق منذ ثلاثين عامًا."

ارتجفت قليلًا وهي تفكر: هل يمكن أن تكون تلك مجرد خرافات شعبية، أم أنّ ثمة حقيقة دفينة؟

وفجأة، وبينما كانت تحدق في النوافذ السوداء، أحسّت كأن ستارة في الطابق الثاني تحرّكت ببطء، ثم عادت لتسكن من جديد. تسمرت قدماها، وعيناها اتسعتا في صدمة… أكانت مجرّد هبّة ريح، أم أنّ القصر قد بادلها النظرة بالفعل؟

أغلقت الستارة بعجالة، ثم أسندت ظهرها إلى الحائط، تتنفس باضطراب. وضعت كفّها على صدرها تهدئ خفقان قلبها، وتمتمت لنفسها:
– "غدًا سأدخل."
*******
في صباحٍ جديد، بدت الحياة في المدينة تمضي على وتيرتها المعتادة، ولكن قلب ليلى ظلّ مثقلًا بما يشغله. استيقظت من نومٍ متقطّع أرهق جفونها، إذ ظلّ القصر حاضرًا في ذهنها حتى في أحلامها. نهضت بخطواتٍ متزنة، تؤدي روتينها اليومي في إعداد قهوة سريعة وترتيب أوراقها، علّها تُبعد عن نفسها وطأة التفكير.

قطع انشغالها صوت رنين هاتفها الذي انبعث فجأة، فمدّت يدها لتلتقطه عن الطاولة الصغيرة، لترى اسم والدتها يتلألأ على الشاشة. ارتسمت ابتسامة سريعة على وجهها، وضغطت زر الإجابة على الفور.

– "صباح الخير يا أمي."
– "صباح النور يا ابنتي، كيف حالك هناك؟ هل تأقلمتِ مع المكان؟"

ساد بينهما حديث قصير دافئ، تبادلا فيه السلام والاطمئنان، بينما كانت نبرة الأم لا تخلو من قلق مكتوم. تذكّرت ليلى أنها أخبرت والدتها بأنها ذاهبة إلى الفيوم لإجراء بحثٍ ميداني معتاد حول موضوعات متفرقة، شأنها شأن رحلاتها السابقة إلى محافظات أخرى. كان الأمر مألوفًا لدى أهلها، لذلك لم يثر سفرها هذه المرة ريبة كبيرة.

لكنها، بالطبع، لم تذكر شيئًا عن القصر أو ماضيه الغامض. لم ترغب أن تُثقِل قلب والدتها بما قد يزرع الرعب في بيتهم، فاختارت أن تُبقي السرّ طيّ الكتمان، حتى ولو كان ذلك على حساب راحة بالها هي.

أنهت المكالمة بعد كلماتٍ مطمئنة، وأغلقت الهاتف ببطء، ثم تركت تنهيدة ثقيلة تفلت من صدرها. حدّقت للحظة في دفاترها المبعثرة، وهمست لنفسها:
– "لا عودة الآن… لقد بدأت الطريق."

وما إن وضعت الهاتف جانبًا، حتى جلست إلى مكتبها الصغير ترتّب أوراقها من جديد. ولكن شرودها لم يدم طويلًا؛ إذ دوّى رنين الهاتف مرة أخرى، قاطعًا أفكارها المضطربة.

نظرت إلى الشاشة، فتجمّد بصرها للحظة، كان الاسم واضحًا: "رفعت قاسم".
كانت قد حصلت على رقم هاتفه من نفس الزميل الذي أخبرها عنه، ترددت أناملها قبل أن تضغط زر الإجابة، ثم جاءها صوته الجهوري، هادئًا كعادته، لكنّ خلفه أميالاً من التوتر:
– " صباح الخير يا آنسة ليلى، أظن أنّك لم تُغيري قرارك بعد."

ابتلعت ريقها، وأجابت بحذر:
– "لم أعد أملك رفاهية التراجع يا أستاذ رفعت."

ساد صمتٌ قصير، قطعه صوته العميق:
– "إذن استمعي إليّ جيدًا، لا تدخلي القصر وحدك، على الأقل انتظري حتى نلتقي."
ارتفعت حاجباها دهشة:
– "لكنك رفضت مساعدتي بالأمس!"

أجاب بعد تنهيدة ثقيلة:
– "نعم، لكنني أدركت أنّك ستذهبين مهما كان الثمن، وأنا لا أريد أن أسمع اسمك في خبرٍ أسود يُضاف إلى أرشيف ذلك المكان."

غمرها شعور متناقض بين الارتياح والقلق، ثم همست:
– "متى نلتقي؟"

قال بصوتٍ محسوم:
– "مساء اليوم، عند الساحة المقابلة للقصر."

وقبل أن تضيف كلمة أخرى، أنهى المكالمة تاركًا وراءه أسئلة أكثر من الأجوبة. أمسكت الهاتف بيدٍ مرتجفة، وعيناها تتعلّقان بموعدٍ لم تكن تعلم إن كان سيقرّبها من الحقيقة أم من الهاوية.

•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية

تعليقات