رواية انين هوى (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم امنية مصطفى
رواية انين هوى الفصل الاول 1 - بقلم امنية مصطفى
" ذلك المخذول من ظلمة الليل، يعاقب الشمس حين يرى النهار.."
ـ هل تبعثين بالجواسيس ليتتبعوني سموك؟
ـ أتظن بزواجك بي أن خداعي مسموح يا حضرة الدوق؟
ـ عن أي خداع تتحدثين بالضبط؟
احتدم النقاش بين الأميرة وزوجها الدوق، وكانت أصداء أصواتهما مجلجلة في أركان القصر الموحشة ـ التي تستغرب وحشة نفسها بعدما كانت تذخر بعبق المودة والنقاء.
ـ أكانت تلك شغف ابنة ملك الشمال؟
ـ عما تتحدثين يا فيروزة؟
لقد لعب على حبل أعصابها المشدود، طالعته بغير تصديق تحدج قسماته المدهوشة، صاحت به وآيات الإهانة المتأصلة في أعماق قلبها بائنة في مقلتيها العسليتين:
ـ تلك التي أصطحبتها إلى عرض الأوبرا بالأمس يا يامن...
تهدجت أنفاسها، وبح صوتها الذي كان معهودا لها به رقيقا غيدا ورزينا، أخذت تلهث بينما واصلت غاضبة يتخلل صياحها نشيج الخذلان:
ـ نعم كنت أراقبك...كنت أراقب حبيبي خوفا من أن يودي طموحه برأسه تحت نصل جلاد أخي الملك...
أطالت النظر نحو عينيه التي أضحت لها غريبة وكفت عن بث الأمان بفؤادها، ترقرقت الدموع بعسليتيها مردفة:
ـ فإذا بي أجدك ككل الرجال؛ لا تقاوم زيغ عينيك نحو الأخريات.
صرخت في وجهه بهيستيريا، وأقفلت نحو الخارج تلطم باب غرفتهما خلفها.
●●
رفرف ذيل ردائها الأزرق خلفها بينما يرن صدى طقطقة حذائها في طرقات القصر الساكنة. انتفخت أوداجها من فرط الانفعال، وراحت الأفكار تعصف برأسها فلم تلحظ جاريتها التي أخذت تتبعها منذ لطمت باب الغرفة فجأة.
ـ أيظنني حمقاء؟
توقفت فجأة عن السير وراحت تحدث نفسها بأسى:
ـ هل كوني أميرة يجعل مني امرأة يسهل خداعها؟
ـ سموك...
قاطعتها الجارية بنبرة ملؤها التوتر.
التفتت لها فيروزة حانقة، ورفعت سبابتها في وجهها صارخة:
ـ هل أنا حمقاء في نظرك أنتِ أيضا؟
هزت الجارية رأسها سريعا وبتوجس جلي وراحت تعانق بنظراتها الأرض هربا من عيني الأميرة التي تكاد تفقد عقلها.
ازدردت الجارية ريقها واستجمعت ما لديها من شجاعة مردفة:
ـ الأميرة سلمى تنتظرك بغرفة المرسم يا مولاتي.
تراجعت فيروزة خطوة للخلف، تسللت من بين شفتيها زفرة متذمرة، وراحت تضرب الأرض بحذائها بينما تحث خطاها نحو غرفة المرسم، تتكالب الظنون من كل جهات على قلبها؛ فأي مصيبة قد ألقت بأختها في قصرها اليوم؟
●●
عدلت فيروزة من هندامها قبل أن تشير للحرس بفتح باب المرسم إزاءها. ارتدت قناع الخيلاء وراحت تتمايل بكبرياء نحو الداخل حتى مقعدها المكسو بقماش القطيفة البنفسجي الباهر.
القت نظرة خاطفة بطرف عينها نحو أختها التي انشغلت بمراقبة الحديقة الخلابة بالخارج من خلال شرفة الغرفة التي تقع عن يمين مقعد فيروزة المهيب.
ـ غريب أن تزوريني دون إنذار يسبق قدومك بأسبوع...
ثم التفتت نحوها بكامل جسدها بلهفة وسألتها ببهجة جمة:
ـ هل اقترب أجلك وجئتي لتكفري عن ذنوبك؟
طالعتها سلمى لأول مرة منذ ولجت الغرفة، وراحت تتعلق بشفتيها الرفيعتين ابتسامة مستهزئة.
عدلت فيروزة من جلستها مجددا واستطردت حينها:
ـ لن اسامحك، قطعتِ طريق طويل حتى هنا هباءً، يمكنك الموت بعيدا عني.
ـ ألن تكبري يا سمو الأميرة؟ تصرفات الصغار هذه تجعل منك مسخا مثيرا للسخرية.
ـ هل جئتِ لأنكِ اشتقتِ لإلقاء المواعظ؟
ـ أخونا قلق عليكِ يا فيروزة، جئت بأمر من الملك شخصيا، فانتِ لم تزوري القصر الملكي منذ شهور.
جلجلت ضحكتها العالية في أرجاء المرسم، وراحت تطالع سلمى بسخرية:
ـ ومم هو قلق سموه؟
جذبت سلمى الكرسي الخشبي من أمام لوح الرسم وقربته من مقعد فيروزة متنهدة بنفاذ صبر، فتحت فاهها ترتب الكلمات على لسانها بينما تتخذ من الكرسي مقعدا، فقاطعها ولوج الحارس فجأة يصيح بقلق:
ـ مولاتي الاميرة، هناك زائر يصر على رؤيتك فورا.
اكفهرت أسارير فيروزة وراحت تهدر بحنق:
ـ ألا ترى أنني مشغولة؟ أخبره أيا من كان أن يأتي لاحقا، أو ينتظر.
ـ ولكن يا حضرة الأميرة..
كادت ترد عليه فيروزة موبخة، فاهتز كيان الغرفة أجمع لحظة دلوف الضيف ذاك غاصبا.
كانت امرأة ملتحفة بسواد عبائتها، تخفي أساريرها تحت قلنسوة ردائها الداكن والتي قد يتخيلها أيا من يرى هيئتها دون ان يتبين وجهها مرعبة.
نبست بنبرة هي والفحيح سواء:
ـ حين تريد زمردة رؤيتك، فذلك يعني أنك بخطر جم يا مولاتي.
ـ من زمردة؟ وكيف تجرأتِ على الدخول دون أمري؟
كادت فيروزة تشير نحو الحراس ليجرجروا تلك الجريئة هي وجسارتها حتى باب الزنزانة لتتأدب في حضرة الأميرة.
رفعت السيدة عصاها التي تتكئ عليها لتوقف الحارس عن الإقتراب منها:
ـ ألا تريد سمو الأميرة أن تعرف مع من يخونها الدوق؟
شهقت سلمى حينها، وهبت واقفة من هول صدمتها، بينما أحست فيروزة أن دلو من ماء جليدي قد انزلق على جلد ظهرها العاري وأرداها ضحية قشعريرة هائلة.
ثم اعتدلت واقفة، تقترب من تلك المرأة التي تتشابه في رونقها الضبابي مع رونق الساحرات المشئومة. أحست سلمى بأختها تقع في فخ تلك المجهولة وهرائها، فجذبت ساعدها بحدة وهمست لها موبخة دون أن يصل صوتها لباقي الموجودين بالغرفة:
ـ لا تكوني حمقاء واطرديها فورا.
نفضت فيروزة أنامل أختها عن ذراعها، وأخذت تقترب بتؤدة نحو السيدة المتشحة بالسواد متمتمة بتحدٍ ضاغطة بغيظ على فكها:
ـ اخبريني من تكون...
●●
•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية
