رواية احببت نصابا الفصل الاول 1 - بقلم نسرين بلعيجلي

  رواية أحببت نصابا (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم نسرين بلعيجلي

رواية احببت نصابا الفصل الاول 1 - بقلم نسرين بلعيجلي

وقت الغروب، كانت نور تجلس في مقهى على ضفاف النيل، تتأمل لوحة السماء وهي تتزين بألوان المغيب، وتسرح في جمال خلق الله بين السماء والأرض، ولسانها يلهج بالإستغفار.

حتى جاءت صديقتها فيروز...

فيروز : حبيبة قلبي، وحشتيني جدًا جدًا.

قامت نور واحتضنتها بكل لهفة وشوق.

نور : إنتِ كمان وحشتيني جدًا جدًا.

وبعدما قعدوا مع بعض، طلبوا عصير فراولة وليمون بالنعناع. الجو كان هادي، نسمة الهوا جايّة من فوق النيل، وصوت المراكب بيعدي ببطء.

فيروز : عاملة إيه يا نور؟ شكلك متغيّرة شوية.

إبتسمت نور إبتسامة فيها حزن خفيف، وغمست نظرها في الكوب قدامها.

نور : ماعرفش يا فيروز، يمكن الدنيا تقلت عليّا شوية. ساعات بحس إني تعبت من كتر التفكير.

فيروز : (مسكت إيدها) يا بنتي إنتِ أقوى من كده بكتير. فاكرة زمان لما كنتي دايمًا بتقوليلي: "مفيش حاجة تكسر البني آدم طول ما هو قريب من ربنا"؟

اتسعت عيون نور شوية والدمعة لمعت فيها.

نور : فعلاً، هو ده اللي مخليني واقفة. لو مش بإيماني، كان زماني وقعت من بدري.

سكتوا لحظة، والهدوء غلّف المكان غير صوت الميّه وهي بتخبط في حافة الكورنيش.

فيروز : طب قوليلي، إيه اللي مضايقك بالظبط؟ يمكن لو حكيتِ تفضفضي ترتاحي.

تنهدت نور ورفعت راسها للسماء.

نور : حكاية طويلة يا فيروز، يمكن تكون بداية جديدة أو يمكن تكون مجرد امتحان تاني من ربنا. قوليلي بقا إنت حكايتك إيه؟ أنا بعد ما سافرت قفلت على العالم كله.

جلست فيروز وقد ظهر على ملامحها خليط من الحزن والتعب، أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تحكي.

فيروز : عارفة يا نور، أنا كنت زيك بالظبط يوم من الأيام، اتعلقت بواحد إفتكرته هيبقى سندي وضهري. كنت باصدّق كل كلمة بيقولها، كل حلم بيرسمه قدامي. لدرجة إني ما كنتش بشوف غير الصورة اللي هو عايزني أشوفها.

نور : (بحنان) وبعدين يا فيروز؟

فيروز : في الآخر اكتشفت إنه نصاب. كان بيستغلني، ياخذ مني فلوس بحجج واهية، مرّة يقول شغل، ومرّة يقول عليه ديون، ومرّة ظروف طارئة. وأنا، بقلبي الطيب، كنت مصدّقة. كنت فاكرة إني باسنده، وإنه هيقف على رجليه ويرجعلي كل حاجة.

سكتت لحظة ومسحت دمعة نزلت على خدها.

فيروز : بس الحقيقة كانت صدمة. إكتشفت إن النصب مش بس في الفلوس، النصب الحقيقي كان في المشاعر، في الثقة اللي اديتها له، وفي العمر اللي راح على أوهام.

نور : (تشد على إيدها) يا حبيبتي، إنتِ قوية، واللي حصل ده ما يقللش منك أبداً.

فيروز : عارفة يا نور، الوجع مش إني خسرت فلوس. الوجع الحقيقي إني حسيت نفسي مغفّلة، إني صدّقت الكذب، لكن اتعلمت. ربنا نجّاني في الوقت المناسب، يمكن علشان أفتح عيني وأعرف إن مش أي حد يستاهل يدخل حياتي أو ياخذ ثقتي.

نور : بصّي يا فيروز، اللي حصل ليا يمكن يكون أكتر منك. اللي حصل ليا قلب كياني وحياتي، وخلّاني أكره نفسي. ما إنتِ عشتِ شوية معايا، إيه اللي خلاكِ توقعي الوقعة السودة دي؟

فيروز : لا لا… إنتِ كنتِ وسط مافيا، ده ربنا نجّاكي بأعجوبة.

نور : علشان نيّتي كانت كويسة وربنا عالم ما في القلوب. مين ده؟ وإمتى حصل ده؟

رجعت فيروز بظهرها على الكرسي وقالت : إنتِ ما تعرفهوش. بعد ما سافرتي والبنات كل واحدة انشغلت بحياتها، وأصلًا، الله ياخذه، كان السبب إن شلتنا تتفشكل، وقعت الوقعة دي.

إتنهدت فيروز، وبصّت في الكوباية اللي قدامها من غير ما تشرب.

فيروز : جه في وقت كنت ضعيفة فيه. كنت محتاجة كلمة حلوة، حضن أمان، أي حاجة تطبطب على روحي. إستغل ده… دخل حياتي بالهداوة، بالكلام المعسول. خلاني أصدّق إني لقيت الراجل الصح.

نور (متحمسة تعرف) : وبعدين؟

فيروز : بدأ يطلب حاجات صغيرة: "سلفيني لحد آخر الشهر"، "ظرف طارئ"، "شغل واقف". وأنا يا بنتي كنت بقول لنفسي: عادي، الحبايب بيشيلوا عن بعض. لحد ما لقيت نفسي غرقانة، فلوسي راحت، وقلبي إنكسر.

نور (بصوت كله حزن) : يا حبيبتي، إنتِ زيي بالظبط. نفس الأسلوب، نفس الكذب، نفس الوجع.

فيروز : الفرق الوحيد يا نور إن أنا لسه بقاوم أثاره لحد النهارده. إنتِ قوية أكتر. شُفتِ الكابوس من أوله، وربنا كشفه قدامك.

سكتت نور لحظة، وبصّت في عيونها بثبات.

نور : عارفة يا فيروز، إحنا مش ضحايا. إحنا ناجيات. اللي اتاخذ مننا مش خسارة، ده درس. واللي يوجعنا النهارده، هيبقى سلاحنا بكرة.

فيروز (ابتسمت والدموع في عينيها) : عندك حق. يمكن ربنا كتب لينا الطريق ده علشان نعرف نِقيم اللي يستاهل.

مدّت نور إيدها، ومسكت إيد صاحبتها بقوة.

نور : وإحنا مع بعض مش هنسمح لحد يكسّرنا تاني.

نور : بس لسه مش عارفة إزاي حصل فيك كده وإنتِ أكثر واحدة فينا كنتِ واعية.

فيروز : ما أنا قولتلك، كنت في وقت ضعيفة فيه. إتخطبت له، كله كان صالونات. في الأول كان كويس معايا، وكنا بنجهّز الشقة، وهنا ابتدت الحكاية.
– "حاسبي إنتِ العمّال، إدّفعي لحد ما أديكي."
وفي خلال ست شهور الشقة جهزت كلها من فلوس الورث اللي سابه بابا. وبعدها بدأ يتلكّك، كل شوية خناقة، كل شوية مشكلة، بس علشان يطفّشني. وأنا كنت مستحمّلة، ما أنا اللي دافعة فلوسي. في الأول كنت بقول يمكن ضغوط، يمكن مشاكل عادية بتحصل بين أي إثنين مخطوبين. كنت بابلع وأعدّي عشان ما يبانش إني فشلت أو إني مستعجلة. بس الصدمة جات لما عرفت إنه أصلاً كان مخطوب قبل كده، وعايش نفس الدور مع البنت اللي قبلي، نفس السيناريو. ياخذ فلوس، يجهّز الشقة، وبعدين يقلب ويعمل مشاكل لحد ما يطفّشها.

نور : (مصدومة) يعني الموضوع كان متخطط له؟

فيروز : أيوه يا نور. إتضح إنه واخذها مهنة. نصّاب بوش راجل محترم. وأنا كنت عايشة الوهم، فاكرة نفسي بحقق حلمي. وفي الآخر… فلوس بابا ضاعت، وكرامتي اتجرحت، وقلبي اتكسَر.

سكتت شوية ومسحت دموعها...

فيروز : أكثر حاجة وجعتني مش الفلوس، اللي وجعني إني كنت فاكرة نفسي ذكية وواعية. بس اتضح إني في لحظة ضعف، سلمت قلبي وعقلي لشخص ما يستاهلش.

شدّت نور على يد صديقتها بقوة، ونظرت في عينيها بثبات، ثم قالت.

نور : بصّي يا فيروز، إنتِ ما تتعبيش نفسك باللوم. كلنا في لحظة ضعف ممكن نغلط. بس عارفة الفرق؟ إنك قمتي على رجليك تاني. إنتِ ما استسلمتيش.

أطرقت فيروز برأسها، وقالت بصوت مكسور.

فيروز : بس خسرت كثير يا نور.

ابتسمت نور بحنان، وأجابت بهدوء.

نور : الخسارة الحقيقية مش في الفلوس، الخسارة إننا نسمح للي أذانا يخلينا نعيش مكسورين. إنتِ دلوقتي عندك درس، عندك وعي، وعندك قوة. اللي راح، ربنا يعوّضك عنه أضعاف.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه فيروز، رغم أن الدموع ما زالت تلمع في عينيها.

فيروز : كلامك بيهون عليّا كثير.
Nisrine Bellaajili

فربّتت نور على يدها، وأكملت بنبرة واثقة..

نور : خلي التجربة دي علامة في حياتك، مش جرح. كل مرة تبصي وراكِ، إفتكري إنك مشيتِ وسط النار، وربنا طلّعك منها واقفة على رجلك. ومحدش بعد كده هيعرف يضحك عليكِ.

زفرت فيروز تنهيدة ارتياح، كأنها تخلّصت من حمل ثقيل كان يثقل صدرها، ثم قالت.

فيروز : عندك حق يا نور، يمكن التجربة دي كانت علشان أتعلم أقيّم نفسي أكثر، وأعرف إن أنا أستاهل أحسن بكثير.

وبينما كان الغروب يزداد جمالًا، تلونت السماء بدرجات برتقالية وأرجوانية تنعكس على صفحة النيل الهادئة. مدت نور يدها من جديد، فأمسكت فيروز بها بقوة أكبر هذه المرة. تبادلتا نظرات صافية مليئة بالعزم، كأنهما تعاهدتا في صمت ألا يسمحا لأحد بعد اليوم أن يكسرهما.
وقفَتا معًا أمام النهر، والهواء العليل يلفح وجهيهما، كأن الطبيعة كلها تشهد على بداية صفحة جديدة في حياتهما. إبتسمت نور إبتسامة واثقة، وهمست...

نور : من النهارده مافيش رجوع لورا.

إبتسمت فيروز بدورها، وردّت بصوت ثابت..

فيروز : ومن النهارده مافيش حد يقدر يضحك علينا تاني.

وبين ضحكة امتزجت بالدموع، عانقتهما لحظة الغروب كأنها تمنحهما قوة إضافية، ليبدآ معًا فصلًا جديدًا من حياتهما، أكثر وعيًا، وأكثر صلابة.

عادت نور إلى بيتها القديم، أضاءت المصباح، وبغير إرادتها بدأت الذكريات تتدفّق إليها، حتى سالت دمعة من عينيها من غير أن تشعر.

جلست على الأريكة، وأخذتها ذاكرتها إلى الوراء، خمس سنوات مضت… إلى اللحظة التي بدأت فيها قصتها مع رياض.

**فلاش باك…**

كانت نور يومها في إحدى الأمسيات الصيفية، تجلس مع صديقتها في مقهى صغير على كورنيش النيل. الجو كان مليئًا بالحياة، والهواء يحمل نسمات خفيفة.

وبين ضحكات الجالسين وحديثهم، لفت نظرها شاب أنيق دخل المقهى بخطوات واثقة. تبادل النظرات مع نور للحظة قصيرة، ثم ابتسم إبتسامة هادئة قبل أن يتوجّه إلى الطاولة المجاورة.

إقترب بعد قليل، وقال بصوت منخفض فيه ودّ.

رياض : مساء الخير، ينفع أقعد هنا ولا الكرسي محجوز؟

رفعت نور عينيها بتردد، ثم ابتسمت بخجل..

نور : لأ، اتفضل، الكرسي فاضي.

جلس رياض، وأخذ الحوار بينهما يتدرّج بخفة، من جملة عابرة إلى حديث أطول. ومع كل كلمة، كانت تشعر أن القدر يفتح أمامها بابًا جديدًا لم تكن تتوقعه.

رياض (مبتسما) : واضح إنكِ بتحبي الهدوء، طول الوقت مركّزة في البحر ومش واخدة بالك من الدنيا حواليك.

نور (ابتسمت بخجل) : أيوه، البحر بالنسبة لي أمان، بيخليني أرتاح.

رياض : عندك حق، البحر عمره ما بيكذب، بيكشف كل حاجة، حتى الموجة لو صغيرة بتبان. يمكن عشان كده أنا بحبه زيك.

نظرت إليه نور بدهشة؛ لم تتوقع أن تجد في كلماته صدى لمشاعرها. ومع مرور الدقائق، أخذ الحديث بينهما يمتد: عن الدراسة، عن أحلامها الصغيرة، وعن شغفها بالكتابة.

كان رياض يستمع باهتمام شديد، يعلّق على كل كلمة بعبارات تشجيع، حتى جعلها تشعر أنها مميّزة.
نسرين بلعجيلي

رياض : بصراحة، مش أي بنت تكلّمني كده وتشدني. إنتِ مختلفة يا نور، فيكِ حاجة بتخلي الواحد يصدق إن الدنيا لسه فيها نقاء.

تورد وجه نور، وشعرت لأول مرة منذ زمن بعيد أن أحدًا يرى داخلها بصدق.
ومن تلك اللحظة، بدأت الثقة تُزرع بينهما، بذرة صغيرة، لكنها كانت كافية لتفتح أبواب قصة لم تتوقعها.

في اليوم التالي، وبينما كانت نور تسير على الكورنيش متجهة إلى نفس المقهى، فوجئت بصوت مألوف يناديها من بعيد.

رياض (مبتسم وهو يلوّح) : هو ده حظ ولا صدفة جميلة؟!

إبتسمت بخجل...

نور : شكلك بتحب المكان زيي.

جلسا سويًا من جديد، وابتدأ الحديث هذه المرة أكثر قربًا. تكلّما عن العمل، وعن تفاصيل الحياة اليومية. كان رياض يطرح أسئلته بذكاء، كأنه يحاول التعرّف على أعماقها أكثر.
وبعد لحظة صمت قصيرة، نظرت نور إلى فنجان القهوة أمامها، ثم قالت بصوت خافت..

نور : لازم أكون صريحة معاك من البداية يا رياض، أنا أرملة.

إرتجف قلبها وهي تنطق الكلمة، وكأنها تعيد فتح جرح قديم. حاولت أن تبدو ثابتة، لكن الخوف من ردة فعله كان ينهش صدرها.

توقف رياض عن الكلام للحظة، ثم رفع حاجبيه بدهشة خفيفة..

رياض : أرملة؟!

نور (أومأت برأسها، والدمعة تلمع في عينها) : أيوه، وجوزي الله يرحمه مات من خمس سنين، وعندي بنت صغيرة هي كل حياتي.
ساد صمت قصير، قلب نور يخفق بقوة، ثم قطع رياض السكون بابتسامة فيها دفء مصطنع

رياض : بالعكس يا نور، ده يخليني أحترمك أكتر. تخيلي قد إيه إنتِ قوية علشان تكملي حياتك وتربي بنتك. مش أي حد يقدر يعمل كده.

شعرت نور أن كلمات رياض تنزل على قلبها كبلسم، وكأنها أخيرًا وجدت من يسمعها بلا حكم أو شفقة.
شعرت نور بدمعة تحرق مقلتيها، لكنها أخفتها سريعًا. لم تكن متأكدة إن كان عليها أن تصدّق حنانه، لكن في تلك اللحظة، كان قلبها في أمسّ الحاجة إلى كلمة طيبة، حتى لو كانت وهمًا.

•تابع الفصل التالي "رواية احببت نصابا" اضغط على اسم الرواية

تعليقات