رواية نبضات قاتلة الفصل السابع عشر 17 - بقلم زينب محروس
الفصل السابع عشر
التفوا أرضًا حول منضدة خشبية، يتناولون طعام الصباح في أجواء من الحب و السكينة، بادرت الجدة بالحديث عندما قالت:
_ أنا عملتلك البيض زي ما طلبت يا «أحمد»، عجبك؟
أومأ برأسه مادحًا:
_ جميل يا تيتا، و الله طعمه روعة.
ابتسمت الجدة قائلة:
_ بألف هنا يا حبيبي.
ساد بينهم الصمت، حتى قطعته الجدة مرة أخرى:
_ اعملي حسابك يا «غرام» تيجي تساعديني شوية في المحل.
اختصرت «غرام» ردها قائلة:
_ حاضر.
★★★★★★
كان ذلك المحل الذي قصدته الجدة، عبارة عن ورشة صغيرة لخياطة الملابس النسائية، فالبرغم من كبر سن الجدة إلا أنها قد اشتهرت في تلك القرية و القرى المجاورة بمهاراتها في تفصيل الملابس.
انتهت «غرام» من مساعدة الجدة في تثبيت فصوص التطريز اليدوية، و خرجت لتجاور «أحمد» في الوقوف، حيث شرد ذهنه، و قد غرقت عينيه في فحص الورشة المقابلة، و التي اختصت بصناعة الزينة اليدوية من الفضة.
أحدثت«غرام» طَقَّةً بإصبعيها أمام جفنيه لتقطع شروده، فنظر إليها سائلًا:
_ إنت هنا من امتى؟
ضيقت عينيها و نطقت بنبرة مشاكسة:
_ من أول ما عقلك سرح، أوعى تكون بتحب من ورايا!
علت ضحكته بنغمة قصيرة، و أشار بإصبعه إلى الجهة المقابلة مجيبًا:
_ واقع في حب المحل ده.
نقلت أنظارها بينه و بين الورشة، و سألته بفضولٍ واضح:
_ اشمعنا؟؟
ارتخت قسماته كعاشق يتحدث عن حبيبته، و أوضح لها قائلًا:
_ دا كان شغلي، والدي كان عنده ورشة زي دي، و أنا اتعلمت منه الحرفة دي و حبيتها، حتى مدخلتش كلية وفضلت إني أشتغل في صناعة اكسسوارات الفضة اليدوية، و بعد وفاة أهلى حاولت كتير لحد ما قدرت أكبر الورشة و أفتح مصنع و بقى عندي أربع محلات مخصصين لإنتاج المصنع، و بعدين قررت يبقى عندي شركة بقى و هنا لجأت ل«مالك» عشان يجري في الأوراق الرسمية و من خلاله اتعرفت على «چنى» وأنتي عارفة الباقي بقى.
تلك الابتسامة الهائمة، تحولت في نهاية حديثه إلى ابتسامة باهتة، و تزاحمت دموع الحسرة في عينيه، فتدخلت «غرام» سريعًا و ربتت على كتفه و قالت بخوف زائف:
_ طب بطل رغي بقى و تعال نساعد تيتا بدل ما ناخد على دماغنا.
_ ادخلى و جاي وراكي.
تراجعت خطوتين للداخل، قبل أن ترجع و ترفع إصبعها في وجهه بتحذيرٍ مرح:
_ لو فكرت تزعل دلوقت، هرنك علقة، و بعدها نعيط إحنا الاتنين سوا.
قهقه عاليًا على حديثها، و قال بصوت خافت:
_ مش هعيط يا دكتورة.
★★★★★★
كانت تتنقل في الأرجاء و هي تتبادل مع جدتها أطراف الحديث، لكنها توقفت عندما قالت الجدة بقلق:
_ ما تروحي يا بنتي تشوفي «أحمد» راح فين، مينفعش يتساب لوحده في الحالة دي.
_ أيوه صح، هطلع أشوفه مدخلش ليه!
ما كادت تتحرك من مكانها، حتى وجدته يدلف إليهما، و صوته الحماسي يسبقه مناديًا باسمها، كطفلٍ عاد لتوه من المدرسة بعد حصوله على درجة نهائية في امتحانه.
فور ما التفتت إليه، هتف في وجهها قائلًا:
_ غمضي عينك بسرعة، غمضي عينك.
امتثلت لطلبه دون أى تفكيرًا منها، فوقف أمامها و ألبسها عقدًا فضيًا تتدلى منه حلقة فضية متداخلة، و التى هي الرمز المشير إلى ما لا نهاية له..
حثها على فتح عينيها قائلًا:
_ فتحي بقى و شوفي جبتلك ايه.
حنت رأسها قليلًا و رفعت الرمز الفضي؛ لتتمكن من رؤيته، و همست بصوت وصل لسمعه:
_ مالا نهاية!
أكد «أحمد» قولها قائلًا بتلقائية:
_ أيوه، مالانهاية، عشان تعرفي إني مش ممكن أحب حد غيرك.
خفق قلبها بشدة، وتزاحمت الأفكار برأسها بشأن علاقتهما، بينما سألته الجدة بنبرة فضولية:
_ جبتها منين يا «أحمد» ؟
دل على نفسه و قال بفخرٍ:
_ أنا اللي عملتها يا تيتا، تعالى شوفيها كدا شكلها جميل و حلوة على غرام.
اقتربت الجدة لتتفقدها، فأكمل «أحمد» موضحًا:
_ أنا دخلت الورشة اللي قصادنا دي و طلبت من صاحبها أعمل السلسلة دي عشان«غرام» و في المقابل ساعدته في قطعة مكانش عارف يعملها.
★★★★★★★
كانت تتابع التلفاز، عندما تناهى إلى سمعها طرق الباب، توجهت لتفتحه، فوجدت أمامها «سامر» و «نوح»، من تعرف إليهما «أحمد» و أحب رفقتهما لشعوره بالدفىء و الحنان من قبلهما.
بادر «نوح» بسؤالها قائلًا:
_ «أحمد» جاهز؟
تجعدت جبهتها و سألته باستغراب:
_ هو جاي معاكم في مكان؟؟
أجابها «سامر»:
_ هنلعب ماتش كورة، لو تحبي تيجي تتفرجي تعالي.
جاء «أحمد» من خلفها قائلاً:
_ لاء أنا مش هاجي.
استفسرت «غرام» قائلة:
_ مش عايز تروح ليه؟
اقترب منها و مال عليها قائلًا:
_ هيبقى في هناك ناس و أنا خايف..
حاولت إقناعه قائلة:
_ ما أنت معاك «سامر» و «نوح» اهو.
_ برضو لاء
_ طيب لو أنا جيت معاك هتروح؟
أكمل بصوته الهامس:
_ خايف «مالك» يشوفنا.
أغمضت عينيها بيأسٍ و ألم، فكلما اعتقدت أنه يتجاوز ما حدث سابقًا، تتفاجأ بخوفه المتجدد من «مالك» ، تنهدت و قالت:
_ لاء متخافش، «مالك» خلاص عمره ما يعرف طريقنا.
سألها بترقب:
_ بجد؟
اومأت له تأكيدًا، فهتف بنبرة حماسية:
_ هغير و أجيلكم.
نطق «سامر» قائلًا:
_ شكلك زوجة مسيطرة.
ردت عليه بانتباه:
_ نعم!!
أوضح «سامر» قائلًا:
_ أقصد إن «أحمد» بيسمع كلامك يعني، اقتنع منك علطول، مع إننا بنقنع فيه من أسبوع.
لكزه «نوح» قائلًا:
_ أي حد طبيعي بيسمع كلمة مراته، أكيد مش هيسمع كلام واحد يعرفه من شهر.
سألت «غرام» بتذكر:
_ القرية هنا فيها جيم؟
أجابها «سامر»:
_ أيوه طبعًا، أنا بروح.
سألته «غرام» بنبرة جادة:
_ الجو هناك حلو؟؟
_ جامد بصراحة.
_ طيب لو أنا أقنعت «أحمد» ينزل جيم معاك، هتخلي بالك منه؟
_ طبعًا في عنيا، متقلقيش، باين عليه شخص انطوائي بس متخافيش أنا هخليه يصاحب أعضاء الچيم كلهم.
بالفعل حضرت «غرام» تلك المباراة الودية بين شباب القرية، كانت تجلس بين مجموعة من الفتيات، و في أولى الدقائق، استطاع «أحمد» أن يُحرز هدفًا، فنهضت سريعًا و هي تصفق بحرارة و تشجيع، فانتبه إليها ليحيها كأميرٍ راقي.
انتهت المباراة بمرور الوقت، و فاز فريق «أحمد»، فركض «سامر» صوبه على نيةٍ باحتضانه فرحًا بالفوز، لكنه تفاجأ بـ«أحمد» يتخطاه متجهًا إلى «غرام» التي استقبلته مهنئةً.
فأنزل «سامر» ذراعيه، ضاربًا كفيه، متلفظًا بسخرية:
_ أكيد هيروح لمراته، أروح أنا أشوف حد من الفريق أسلم عليه.
★★★★★★★★
تخطت عتبة غرفتها و أناملها الرقيقة تثبت خصلاتها خلف أذنيها، ثم سألت جدتها بحماس شديد:
_ كدا كل حاجة جاهزة، و لا ناقص حاجة يا تيتا؟
ردت جدتها باستنكارٍ لطيف:
_ حاجة ايه اللي جاهزة! دا أهم حاجة في العيد ميلاد مش موجودة، في عيد ميلاد من غير تورته؟!!
بررت لها «غرام» الأمر قائلة:
_ أصل «أحمد» مش بيحب السكريات و لا بياكل التورتة يا تيتا، عشان كدا قررت نحتفل بالأكلة المفضلة له.
توقف النقاش عندما دُق الباب، فهتفت «غرام» بتحفز:
_ أهو «أحمد» وصل.
استقبلته سريعًا فقالت:
_ أهلًا أهلًا بكابتن جيماوي بتاعنا.
كان يطالعها بنظرات من التعب، و قد تمكن الإرهاق من قسماته، فأردف متذمرًا:
_ هموت من الجوع، الحقيني بأي حاجة بسرعة.
حملت عنه حقيبته الصغيرة، و قالت ضاحكة:
_ ادخل ادخل، شكل اشتراك الجيم هيروح على الأرض.
تحامل على نفسه في خطواته، و تحدث بنبرة نافرة:
_ مش عايز أكمل، دا أنا جسمي متكسر، اعتقد لو اللي في الجيم مسكوني ضربوني مكنتش هحس بالوجع اللي حسيته بعد التمرين ده، أنا مش عارف «سامر» ده إزاي يقعد يصور تيك توك وسط تعب القلب ده.
ربتت على كتفه مشجعة و قالت:
_ معلش يا كابتن جيماوي، أول كام يوم بس، بعدين تتعود، خد شاور و تعال.
اعترض قائلًا بإصرار:
_ شاور ايه، و الله ما هعمل حاجة غير لما نتغدى.
امتثلت لإرادته فقالت:
_ طيب غمض عيونك، حضرت مفاجأة عشانك.
_ بعد الأكل هغمض.
تدخلت الجدة قائلة:
_ أنت لو مغمضتش مش هتاكل، اسمع كلامها.
طبق «أحمد» رغبتها، فدلفت سريعًا إلى المطبخ، قبل أن تخرج إليه حاملة ما صنعته من «السوشي»، فكانت قطعة واحدة لكنها تساوت في حجم كعكة الاحتفالات، و تتوسط الشموع منتصف القطعة.
تزامنت خطواتها نحوه، مع نطقها للجمل التالية:
_ سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا «أحمد» ، سنة حلوة يا جميل.
قابلته في الوقوف قائلة:
_ كل سنة و أنت طيب يا «أحمد» ، يارب تكون سنينك الجاية كلها خير و سعادة، خير و سعادة و بس.
كان يرمقها بنظرات متأثرة، و أردف خافتًا:
_ أنتي عملتيها!
خرج ردها حاملًا معه حبها و حنانها:
_ مكنش ينفع تقولي إن كان عندك رغبة تحتفل في عيد ميلادك بقطعة سوشي كبيرة و أنا معملهاش.
أغرورقت عيناه، و غمغم بصوت مختنق:
_ أنا بجد مش عارف أقولك ايه! من لما دخلتي حياتي و أنتي بتعدلي كل حاجة فيها.
_تؤ تؤ تؤ تؤ، أنا مش عايزة دموع، ننسي اللي فات و خلينا في الوقت الحاضر، و يلا بقى عشان نقطع التورتة، قصدي السوشي، تيتا متحمسة تدوقه.
احتفلوا بمولده كأسرة صغيرة، في جو من السعادة التي جاهدت«غرام» لانتزاعها من براثن الحياة.
★★★★★★
على صعيدٍ آخر.
كان «مالك» في مكتبه، منهمكًا في عمله، بغتةً اندفع «معتز» إلى مكتبه لاهثًا و قال:
_ عرفت مكان الدكتور، عرفت مكانها..
هب «مالك» واقفًا و هو يسأله باهتمامٍ شديد:
_ هي فين؟؟
•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية