رواية نبضات قاتلة الفصل السادس عشر 16 - بقلم زينب محروس
الفصل السادس عشر
حرك رجاله بهزة من رأسه، فتصدى «أحمد» لأولهم، لكنه لم يقدر على البقية، فكما يقال الكثرة دائمًا تغلب الشجاعة، و بناءًا على ذلك فقد أبرحوه ضربًا، غير عابئين بالكلمات التي تصرخ بها غرام، طلبًا للرحمة و الابتعاد عنه.
و أخيرًا طلب منهم الكف عن ضربه و إحضاره للذهاب، بينما تحرك للخروج، يجرها خلفه جرًا.
قبل أن يخرجوا بهما لإرجاعهم إلى الهلاك، تفاجأ «معتز» و رجاله، بعدد كبير من الأشخاص يقتحمون شقة العجوز الذي هدأت ملامحه، و تلألأت على شفتيه ابتسامة الظَفر، و قال بصوته المبحوح:
_ زي ما أنت شايف كدا دول سكان العمارة دي و العمارة اللي جنبنا كمان، و البوابة تحت اتقفلت و الشرطة في الطريق، فقدامكم حلين، الأول أنكم تسيبوا «أحمد» و «غرام» معانا و تتوكلوا على الله.
ظهر من بين الجيران شاب يافع، و استرسل الحديث بدلًا عن العجوز حين قال:
_ و الحل التاني تفضلوا هنا لحد ما الشرطة توصل.
حاول «معتز» أن يبث فيهم الخوف، عندما أشهر سلاحه في وجههم قائلًا بامتعاض:
_ إحنا معانا أسلحة، يعني ممكن نقتلكم كلكم دلوقت.
أردف الشاب ردًا عليه:
_ و مالو، اعملوها يا كبير، بس برضو ساعتها مش هتعرفوا تخرجوا من هنا غير لما الشرطة توصل.
شد أجزاء السلاح، و هددهم قائلًا:
_ أنا مش بهزر، و الله اقتلكم.
رد عليه العجوز في تلك المرة:
_ بص بقى الدكتورة و أهلها اللي يرحمهم مغرقين الجيران جمايل، و عشان كدا محدش فينا هيتخلى عنها دلوقت، لو على موتنا.
و أكمل الشاب بشجاعة ظاهرة:
_ و برضو لو أنت اذيت حد فينا أكيد هنشتبك معاكم، و بالرغم من وجود أسلحة معاكم إلا إننا اكتر من تلاتين شخص يعني برضو هيتقبض عليكم و مش هتاخدوا الدكتورة.
أطلق «معتز» زفرة حارة، و رفع قبضته عن غرام، و أشار لرجاله بترك «أحمد» الذي ينتصب على قدميه بصعوبة، فالتقطته «غرام» تعينه على الوقوف.
بينما تلفظ «معتز» بصوته الأجش:
_ افتحوا لنا البوابة، و هنمشي من غيرهم.
لقد حصدت أولى ثمرات الخير بأفعالها التي تعلمتها عن والديها، فاستطاع الجيران تأمينها، و أمسكوا بها قبل أن تسقط في الهاوية.
★★★★★★★★
عادوا إلى بيوتهم بعدما تأكدوا من مغادرة «معتز» و رجاله، فجلست «غرام» تعالج جرحه النازف في زاوية فمه، و تمرر على كدمات وجهه مكعبات من الثلج، قبل أن تشرع برأسها و تسأل العجوز بنبرة نبعها الاستغراب:
_ الجيران اتلموا كدا ازاي يا عمو؟
نظر العجوز إلى الشاب الذي يقابله في الجلوس و أوضح لها قائلًا:
_ أول مرة يكون سهر الشباب مفيد، أنا اتصلت على إياد و اختصرت له الوضع و طلبت منه يتصل على الجيران كلهم و يلمهم هنا، بصراحة كنت خايف لأن دا كان محتاج وقت على ما الناس تتلم بس بتوفيق ربنا قدر إياد إنه يلمهم.
أومأت برأسها تفهمًا و قالت بامتنان:
_ أنا متشكرة جدًا و الله، جميلكم دا على راسي العمر كله.
أصرت «غرام» على المغادرة من بيت العجوز دون أن تنتظر حلول الصباح، و ذهبت إلى «مؤمن» و زوجته مرة أخرى.
خرجت «غرام» من غرفتها صباحًا، و هي تتحدث إلى «منى» في مكالمة هاتفية، فتابعتها «صبا» بعقل شارد، حتى أنزلت الأخرى هاتفها الخلوي عن أذنيها، فسألتها «صبا» بأعين ضائقة:
_ هو الفون دا بتاعك؟
_ أيوه، ليه؟
اندفعت «صبا» قائلة بخوف واضح:
_ دا ممكن يهد كل اللي إحنا بنعمله، دا ممكن من خلاله «مالك» يعرف مكانكم، اقفليه فورًا.
بدا عليها القلق، و هي تطبق ما قالته «صبا»، و همست بخفوت:
_ ربنا يستر
★★★★★★★★
خرج لتوه من حجرة «مالك» ، بعدما اطمئن عليه، فوجد شاب من رجاله يركض نحوه، قبل أن يتوقف أمامه و يخبره بأنفاس لاهثة:
_ قدرنا نعرف مكان الدكتورة.
سأله «معتز» بلهفة قاسية:
_ هي فين؟
_ صاحبي بيقول إنها في عمارة****** اللي في حي ******.
_ يلا بينا، عايزين نجيبها قبل «مالك» بيه يخرج من المستشفى.
توجه «معتز » برفقة رجاله إلى العنوان الذي عرفه من مساعده، فكان العنوان تفصيلًا يطابق العنوان الخاص بمنزل «مؤمن» و «صبا» .
★★★★★★
صعد بمفرده إلى الطابق الذي استدل عليه من مساعده، دق جرس الباب بهدوء يناقض شخصيته الهمجية، و ابتعد خطوتين عن الباب و قد لانت ملامحه الخشنة.
لم تنقضى دقيقة واحدة حتى فُتح الباب، فظهرت «صبا» الذي سألته بنبرة جادة:
_ مين حضرتك؟
تكلف «معتز» في ابتسامته قائلًا:
_ أنا دكتور «معتز» ، محتاج اتكلم مع دكتورة غرام.
لقد رأته سابقًا في تلك الليلة التي تحرر فيها «أحمد» من أسرهم، لكنها تظاهرت بالجهل كي تصل إلى مُرادها، فرحبت به قائلة:
_ اتفضل يا دكتور، اتفضل.
اعتلى الأريكة بأعين متفحصة، بينما جاءت إليه «صبا» بكأس من المياه الغازية، و جلست على الأريكة المقابلة:
_ اتفضل اشرب يا دكتور.
_ شكرًا لحضرتك، بس ممكن أشوف الدكتورة «غرام» ، عشان أنا مستعجل.
_ الدكتورة «غرام» مش موجودة، حصل معاها مشاكل في الفترة الأخيرة فقررت تسافر برا البلد تريح أعصابها شوية.
سألها «معتز» بلهجة ظلالها الشك:
_ سافرت! امتى؟
_ لاء هي لسه مسافرتش، هي حاليًا في طريقها للمطار، لو حضرتك وصلت بدري عشر دقايق كنت لحقتها، و اعتقد حضرتك ممكن تلحقها قبل ما تسافر طيارتها الساعة ١٢ الضهر لأمريكا.
انسحب من المبنى بأكمله و قد اقتنع بعض الشيء بما قالته «صبا»، و لكن تأكد قولها عندما وافاه مساعده بالأخبار قائلًا:
_ مكان الدكتورة اتغير، صاحبي بيقول إنها دلوقت موجودة في المطار.
استعجل «معتز» في رده قائلًا:
_ خلونا نلحقها بسرعة، دي فرصتنا الأخيرة.
★★★★★★★
رجعوا إليه جارين معهم أذيال الخيبة، انتصب «معتز» أمامه مطأطئ الرأس، و قص عليه ما حدث، و رحلة بحثهم عن«غرام» التى بائت بالفشل، و اكتشافهم بأن «صبا» قد كذبت عليهم لتضليلهم، حيث علموا وقت وصولهم المطار أنه لا وجود لتلك الرحلة التي أخبرتهم بها «صبا».
ران عليهم صمت ثقيل، قبل أن يعكره «مالك» قائلًا بصوت ماكر:
_ خلاص بلاش تدوروا عليها تاني لا هي و لا «أحمد»، أنا عندي اللي هيدور.
رفع «معتز» رأسه ناظرًا إلى «مالك» بجبهة متجعدة و سأله بنبرة فضولية:
_ مين اللي هيدور؟
لاحت على شفتي «مالك» ابتسامة خبيثة و قال:
_ الحكومة، هقدم شكوى ضدها، قضية شروع في قتل.
★★★★★★★
انتشرت نسمات الهواء الباردة في الأرجاء، لكنها تسارعت في تلك اللحظة و كأنها تسابق موجات النهر التي ترتطم بمكعبات الصخر متفاوتة الارتفاع، ليخلق مشهدًا خلابًا يناسب تلك البيوت التي طُليت بألوان تشع بهجة و سعادة في نفوس ساكنيها، فقد تنوع الطلاء بين الأبيض و الأزرق، و العديد من الألوان التي شكلت رسومات زاهية، كما هو الحال في بعض القرى النوبية.
طلت من خلف باب عتيق قد فُتح على مصراعيه، كان زيها النوبي الأبيض يليق كثيرًا ببشرتها السمراء، و التي أبرزت جمالها بقلة من مستحضرات التجميل، و تركت العنان لشعرها القصير، و انتعلت حذاءًا أرضيًا يتميز بأوتارٍ مشدودة من الخرز اللامع.
خطت خطوتها الأولى و نادت بصوتها الناعم:
_ «أحمد»!
قد سكنت نظراتها علي ظهره المقابل لها، فكان يتوسط شابين في الجلوس، لكن ما إن سمع صوتها، قفز عن تلك الصخرة، و استوى واقفًا على قدميه، و قد أفرجت شفتيه عن ابتسامة لطيفة.
انقضى أسبوعين على وصولهم تلك القرية التابعة لمحافظة أسوان، لكن من يراه الآن يُجزم أنه قد رجع إلى عهده السابق، فقد مشط شعره الكثيف ليرجعه إلى الوراء، و اكتسب قلة من الكيلوا جرامات، التى أعلنت تواجدها بوجهٍ قد اختفت نحافته.
لوح لها بيده قائلًا:
_ أنا هنا قاعد مع «سامر» و «نوح».
بادلته «غرام» الإشارة بحركة استعجالية من يدها، و قالت:
_ يلا تعال عشان نروح عند عمو «سامي».
ودع «أحمد» الشابين ذي الشعر الأجعد، و تحرك إليها راكضًا، انتقت له زيًا رجوليًا يطابق الخاص بها، و طلبت منه ارتدائه إلى أن تستعد جدتها.
ذهبا برفقة الجدة إلى المنزل المجاور، حيث أقام العم «سامي» حفلة عيد ميلاده، كان الحاضرون لديهم ملابس تشابه «غرام»و «أحمد» و كذلك الجدة التي تتشارك مع حفيدتها في بعض الملامح.
لم ينعدم خوفه من الآخرين، فهو يخشى الأماكن المزدحمة، لذلك أمسك بيدها و مال عليها محاولًا تذكيرها قائلًا:
_ متسبنيش لوحدي يا «غرام».
ربتت على يده مطمئنةً و قالت:
_ متخافش، عمري ما هسيبك.
جعلت وعدها حقًا عندما رافقته طوال الوقت، حتى أنها لم تسحب يدها من بين قبضته، وقفا جنبًا إلى جنب، يتابعان الرقصات النوبية المميزة، فتفاجأت به«غرام» يترك يدها بعدما تخلى عن خوفه و انطوائه و قال بنبرة حماسية:
_ تعالي نرقص معاهم.
قطبت حاجبيها، و حركت رأسها رفضًا:
_ لاء، مش بعرف.
عرض عليها قائلًا:
_ أنا هعلمك، دا رقصهم سهل خالص.
ضحكت بخفة و سألته بلهجة فضولية:
_ اتعلمت فين؟
_ من «سامر» و «نوح» ، تعالي يلا تعالي.
لم يترك لها مجالًا للرفض أو الاعتراض، و سحبها إلى ساحة الرقص، فكان يريها ما تعلمه سابقًا و يطلب منه تكرار حركاته، و استمر الوضع بين ضحكاتهم النابعة من جوف الاستمتاع لمدة لا بأس بها.
يتبع.......... عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية