رواية نبضات قاتلة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زينب محروس
الفصل الرابع عشر
دُهشت من فعلته، فبدا جسدها متجمدًا، فلم تعرف كيفية التصرف، و أضاف «أحمد» جزءًا جديدًا إلى ذهولها قائلًا:
_ وحشتيني.
ابتلعت ريقها و كأنها تصنع ممرًا لكلماتها، فخرجت عن صمتها قائلة:
_ و أنت كمان يا «أحمد».
ابتعدت عنه و أكملت بابتسامة دافئة:
_ من النهاردة مش هسيبك أبدًا، متخافش.
رد عليها قائلًا:
_ بس أنا قلقان عليكي، مترجعيش تاني عند «مالك».
تزامنت كلمته الأخيرة مع دمعة هاربة من عينيه، فامتدت أناملها الرقيقة و أزالتها سريعًا، ثم قالت:
_ «مالك» خلاص مبقاش موجود، انساه يا «أحمد».
★★★★★★
انتقلت إلى غرفة تجاور غرفة «أحمد» كي تستريح قليلًا، لكنها قررت أن تعرف القسم المجهول من قصة «أحمد»، و «چنى»، التقتطت الدفتر الخاص بـ«چنى»، بينما يتردد في ذهنها صوت «سميرة» قائلة:
_ دا الدفتر اللي كان موجود في أوضة «چنى».
جلست القرفصاء، و شرعت في القراءة بعينيها، كان صمت الغرفة لا يُسمع فيه سوى صوت تقليب الصفحات، بدا الأمر روتينيًا في أولى الصفحات، ثم رويدًا رويدًا بدأت تغوص بين السطور، و ذلك عندما بدأت الكلمات في إشباع فضولها، حيث دونت «جني» قصة هلاكها قائلة:
_الدنيا كلها اتغيرت لما «مالك» قرر يخرج معايا في عيد ميلادي، في اليوم ده قابلنا «أحمد» بالصدفة، و اللي كان مقرب جدًا من «مالك» و كانوا بيحبوا بعض، بالرغم من إنهم مكنوش قد بعض سنًا و لا حتى زمايل دراسة، لكني عرفت إنهم اتعرفوا على بعض لما «أحمد» كان محتاج محامي يخلص له بعض أوراق شركته اللي لسه قايمة تقف على رجلها. و بصراحة في أول مقابلة «أحمد» مهتمش بوجودي أصلًا، لكن شاء القدر إننا نتقابل تاني في محل إكسسوارات تابع لشركة «أحمد» ، و هنا بدأنا نتكلم و نتعرف لما قولتله إني محتاجة أعمل سوار بتصميم معين، و من هنا بدأ الكلام و المقابلات و حبينا بعض، و قررنا نتجوز، لكن يوم الخطوبة تفاجأت ب«مالك» اللي هو المفروض ابن عمي بيعترف بمشاعره و عايزني أرفض «أحمد» ، لكني رفضت «مالك» و اخترت «أحمد» ، و من بعدها «مالك» غاب عننا لفترة بالرغم من اننا كنا عايشين في بيت عيلة واحد لكن مكنتش بشوفه، لكنه ظهر بعد فرحنا بأسبوعين، و المرة دي كان شخصية مختلفة تمامًا و كأنه اتجنن.
استغل سفر أهلي اللي سافروا عشان علاج بابا، و كمان «أحمد» أهله ميتين، و كنا عايشين في شقة لوحدنا، و في يوم اتهجم «مالك» علينا و معاه رجالته اللي ضربوا «أحمد» ضرب مُميت، و اخدوه مني، و سابوني لوحدي مع ابن عمي عشان أتعرف على شخصيته المتوحشة، و اللي معملش حتى حساب العشرة أو القرابة اللي بينا، و اعتدى عليّ و اخدني بيت العيلة تاني و منع عني الخروج من البيت، و بالرغم من علم مرات عمي إلا إنها كانت بتخاف على ابنها و واخدة صفه، و طلبت مني أعيش و اسكت، و بعد تهديدات كتيرة من «مالك» بإني لو حكيت اللي حصل لحد هيحرمني من «أحمد» العمر كله، فبقيت مضطرة أسكت و أعيش على أمل إني أشوف «أحمد» في يوم من الأيام.
و بالرغم من حملي اللي كان خطر عليّ و صحتي اللي كانت متدهورة، إلا إن «مالك» مكنش بيبطل ضرب فيا مع إن الجنين كان «مالك» أبوه، و أخيرًا بعد سنة كاملة من العذاب، قدرت إني أشوف «أحمد» تاني لكن متوقعتش إن «مالك» يكون عديم الرحمة أوي كدا و يطلع الفترة اللي فاتت دي كلها حابس «أحمد» على السطوح و بيعذبه.
قررت أكتب الكلام دا النهاردة عشان خلاص حاسة إني بموت، بالمناسبة اتخانقت مع «مالك» من شوية و حاول يموتني و خنقني جامد، أتمنى الظلم دا ينتهي، أتمنى «أحمد» يبقى بخير و ربنا يبعتله معجزة تخلصه من عذاب «مالك» ، و يارب «مالك» يختفى من على وش الأرض أو على الأقل يتعاقب على تدمير حياتنا.
أغلقت الدفتر و مازال عقلها يحاول أن يستوعب، كيف لبشريٍ أن تنعدم لديه الإنسانية ليصبح وحشًا لا يرحم! حتى عائلته طالهم طغيانه!
حركت رأسها رفضًا، عندما اعترض عقلها واصفًا «مالك» بشيطانٍ ماكر، فنطق لسانها بنبرة من الحزن و الحيرة:
_ دا الشيطان جنب «مالك» صفر على الشمال، أنا مش لاقية وصف للكائن ده!
★★★★★★★
استندت بذراعها على مقعد التقديم الرخامي، الخاص بالمطبخ، و قالت بود:
_ تحبي أساعدك في حاجة يا «صبا» ؟
استدارت لها الأخرى و منحتها ابتسامة لطيفة و قالت:
_ لاء أنا خلصت اهو، شكلك معرفتيش تنامي.
أطلقت «غرام» تنهيدة مهمومة و قالت:
_ فعلاً منمتش، و لا هعرف أنام غير لما «أحمد» يبقى في أمان.
نطقت «صبا» بكلمات، لتبث الأمان بداخلها:
_ كل حاجة هتبقى بخير، ربنا مش ناسيكم يا دكتورة.
_ إن شاء الله، هو ممكن صاحبتي تجيب دكتورة نفسية هنا عشان تشوف حالة «أحمد» و نشوف ايه اللازم؟
ردت عليها «صبا» سريعًا و قالت بترحاب:
_ أيوه طبعًا يتفضلوا في أي وقت.
ابتسمت لها «غرام» و قالت بامتنان:
_ متشكرة جدًا، مش عارفة من غيركم كنت هعمل ايه!
تركت «صبا» ما تفعله جانبًا، و تقدمت لتقابل «غرام» في الوقوف و قالت:
_ بالعكس يا دكتورة، إحنا اللي المفروض نشكرك، إنت متعرفيش «چنى» و «أحمد» كانوا مقربين مننا ازاي! بس علاقتنا دي اتقطعت لما «مالك» بدأ يسمم حياتهم و خطف «أحمد» و أجبر «چنى» تقطع التواصل معايا.
سألتها «غرام» بفضولٍ واضح:
_ يعني إنت و چنى مكنتوش على تواصل في الفترة الأخيرة؟
_ إطلاقًا، أنا عرفت باللي حصل دا كله بمسدچ مختصرة من «چنى» ليلة وفاتها، عشان كدا لما عرفت إن «مالك» هيتجوز حاولت أدور على العروسة و جبت رقمك من المستشفى و كلمتك.
_ الحمدلله ربنا بعتكم لينا سند، بس إن شاء الله مش هصعب عليكم الموضوع و أول ما الدكتورة تيجي بكرا و تقولي على علاج «أحمد» أنا هاخده و هسافر أسوان عند تيتا.
حاولت «صبا» منعها قائلة:
_ و لا تصعبي علينا الموضوع و لا حاجة، أنتم تقدروا تقعدوا هنا قد ما تحبوا.
بررت لها «غرام» قائلة:
_ إنت مش عارفة أنا عملت ايه، كلها يومين بالكتير و الدنيا هتتقلب عليّ.
_ لاء عارفة، «عبير» و هي بتكلمني عشان ابعتلكم «مؤمن» حكت لي اللي حصل بينك و بين «مالك» ، و صدقيني مفيش أي مشكلة إننا نقف في ضهركم.
_و الله أنا مش عارفة اقولك إيه على ذوقك و اخلاقك، بس لازم نبعد عن هنا قدر الإمكان على الأقل لحد ما «أحمد» يرجع يقف على رجله تاني.
_ هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
_ طبعًا.
نطقت «صبا» سؤالها باستفسار فضولي:
_ ليه ساعدتي «أحمد» ؟ و عرضتي حياتك للخطر!
تنهدت غرام، وردت بتلقائية حائرة:
_ مش عارفة! أنا أول ما شوفته حسيت إن لازم أساعده، كأن تقديم المساعدة دا فرض، مهمنيش «مالك» و لا علاقتنا اللي انتهت قبل ما تبدأ، عارفة لما تحسي إن في حاجة من غيرها حياتك مش هتكمل؟
أومات «صبا» تفهمًا، فاسترسلت غرام:
_ أنا بقى حسيت إن لو «أحمد» مبقاش في أمان أنا حياتي هتقف.
★★★★★★★★
اجتمعت «غرام» بالطبيبة النفسية التي جاءت بصحبة «منى» ، في وجود «صبا» و زوجها، ارتشفت الطبيبة الأربعينية رشفتين من قهوتها، ثم أعادت الفنجان إلى قاعدته، و اندرجت في الحديث لتخبرهم عن تشخيصها لحالة «أحمد»:
_ بصوا يا جماعة، بناءًا عن اللي أنا شوفته من حالة «أحمد» و الكلام اللي أنتم حكيتوه، فأنا شايفة إن اللي عند «أحمد» ده اضطراب ما بعد الصدمة، يعني لا جنون و لا توحد زي ما أنتم متخيلين.
سألتها «غرام» بنبرة من الإهتمام الذي يخالطه القلق:
_ طيب و دا هياخد وقت طويل على ما يخف؟
أجابتها الطبيبة بعملية فقالت:
_ هياخد وقت دا أكيد، بس مش وقت اللي هو سنين يعني، الموضوع هياخد شهور، إنما كام شهر بالتحديد دا بقى يعتمد عليكم.
تدخل «مؤمن» مستفسرًا:
_ طب و المطلوب مننا إيه يا دكتورة؟
بدأت تشرح لهم الأمر قائلة:
_ لازم تخلوه يحس بالأمان و دايمًا تدعموه، و بلاش تضغطوا عليه، و حاولوا واحدة واحدة تخلوه يرجع يتعامل مع الناس، و أنا هكتب لكم شوية أدوية كدا هتساعد في علاجه، و أي رد فعل غريب منه كلموني، و يُفضل لو تخلوني أشوفه كل فترة، و إن شاء الله لو العلاج مشي زي ما في دماغي في أقل من أربع شهور «أحمد» هيرجع طبيعي جدًا بإذن الله.
★★★★★★★
كادت «منى» أن تغادر مع الطبيبة، فأوقفتها «غرام» و خطت بها بعيدًا، و همست لها قائلة:
_ عايزاكي تروحي بيت بابا النهاردة.
قطبت «منى» حاجبيها و سألتها باستغراب:
_ ليه؟ عايزة حاجة من هناك؟؟
أومأت «غرام» برأسها قائلة:
_ أيوه هتروحي البيت و تدخلي أوضة ماما، هتلاقي في الدولاب خزنة سرية في أرضية الدولاب، مفتاح الخزنة دي موجود في جيب جاكت أسود.
_ و بعدين؟
_ هتلاقي في الخزنة دي ٥٠ ألف جنيه، هاتيهم و هاتي غويشة دهب من بتوع ماما.
اقترحت عليها «منى» قائلة:
_ ما بلاش الغويشة و لو محتاجة فلوس أنا معايا.
ربتت «غرام» على ذراعها، و قالت بامتنان:
_ متحرمش منك يا حبيبتي.
ودعتها بعناقٍ دافئ حتى تغادر مع الطبيبة.
★★★★★★★
زال عنه تأثير المخدر الطبي، و كان طلبه الأول هو رؤية مساعده الذي يمثل يده اليمنى في كل أفعاله، دلف إليه ذلك الشاب الذي تواجد في بيت «غرام» قبل وفاة والديها.
لم تمنعه حالته عن ارتكاب المصائب، حيث نطق بصوت واهن:
_ «غرام» فين يا «معتز» ؟
رد عليه بصوته الأجش:
_ منعرفش يا «مالك» بيه، أنا معاك هنا من إمبارح، و معرفش هي اختفت فين وقت الحريقة.
ساد الصمت لوهلة من الزمن، قبل أن ينطق «مالك» بصوتٍ متقطع:
_ هاتها لو من تحت الأرض، دور عليها هي ملهاش معارف كتير، يا إما عند «منى» صاحبتها أو في بيت أهلها.
أومأ «معتز» قائلًا:
_ اللي تؤمر بيه يتنفذ.
★★★★★
كان السكون يعم في الأرجاء، و تعمق الليل في عتمته، عندما هاتفهتها «منى» لتخبرها أنها لم تجد المفتاح الذي أخبرتها بشأنه، و لذلك أُجبرت «غرام» على الذهاب إلى منزل والديها، و إحضار المال بنفسها.
خرجت من المنزل دون أن تترك لهم خبرًا، غافلة عن «أحمد» الذي تبعها قلقًا عليها و خوفًا من تركه وحيدًا مرة أخرى، صعدت إلى سيارة قد طلبتها عبر الهاتف، و بغتة فُتح الباب، و صعد «أحمد» بجوارها قائلًا:
_ جاي معاكي يا غرام.
يتبع........ عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية