رواية نبضات قاتلة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زينب محروس

 رواية نبضات قاتلة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زينب محروس

الفصل الثاني عشر
و كأن عاصفة من النوم قد هبت على عاملى البيت، بمن فيهم «عبير» و «سميرة»، فقد سقطوا في أماكنهم ذاهبين في ثبات عميق، غافلين عن وصول أربعة من السيارات السوداء، و قد ترجل منهم ما يزيد عن عشرة رجال.
كانت ملابسهم شديدة السواد، و قد أُخفيت وجوههم أسفل قناعٍ قماشي أسود، لم يُظهر سوى أعينهم.

ما إن اقتربوا مباشرة من الباب الداخلى للمنزل، فُتح لهم الباب و كأن هناك من ينتظر قدومهم، تسلل جزء منهم إلى ظهر المنزل، دون أن يصدورا صوتًا قد يسلط الضوء عليهم. و بقي الجزء الآخر لتأمين الطريق.
كانت لديهم نسخة من المفتاح الخاص بغرفة «أحمد» ، الذي أصابه الزعر لرؤيتهم، مما جعله يشدد يديه محتضنًا ركبتيه، فكان ملتصقًا بحائط الغرفة، و لا مجال للهروب منهم.
اقترب منه أحدهم مطمئنًا، و بدأ في نزع السلاسل الحديدية بعيدًا عنه إلى الأبد، و عندما حاول الرجل مساعدته على الوقوف، دفعه «أحمد» أرضًا.
فخرج صوت الآخر، ليتضح من نبرتها الرقيقة أنها أنثى، فقالت:
_ هو أكيد خايف حاول تطمنه.

امتثل لحديثها و أردف بصوت خافت:
_ متخافش يا «أحمد» ، احنا هنا عشانك، لازم تيجي معانا عشان تبعد عن أذى «مالك».

حرك «أحمد» رأسه تكرارًا للرفض، و نطق بتلعثم:
_ امشوا من هنا مش عايز اجي معاكم، امشوا من هنا.

حاول الشاب أن يأخذ بيد «أحمد» الذي حرك جسده بعشوائية، فنتج عن ذلك إزاحته للطاولة الخشبية الموضوعة جانبًا فارتطمت أرضًا. و نجم عن ذلك صوتًا مزعجًا، ارتفع صداه في المكان.

★★★★★★★

انتبه «مالك» إلى ذلك الصوت، فلم يكن الفاصل بين غرفته و غرفة «أحمد» سوى الكتلة الخرسانية التى تعمل كسقفٍ لغرفة «مالك» ، و الذي بدوره ترك من يده كأس العصير، ناظرًا إلى الأعلى بإنصاتٍ و اهتمام، و كأنه يستشف ما يحدث عند أسيره.
ابتلعت «غرام» ريقها بتوتر، قبل أن تمتد يدها لتتلمس الخاصة ب «مالك» ، و هي تقول في خطوة لإرباكه:
_ ايه رأيك لو...........

قاطعها «مالك» عندما أشار إليها بإصبعه كي تكف عن الحديث.
★★★★★★★

على الجانب الآخر
نظر الشاب إلى رفيقته قائلًا:
_ مش معاكي مخدر؟ هاتيه.

اعترضت الفتاة قائلة:
_ ما بلاش مخدر، حاول تطمنه زي ما «غرام» قالت.

زجرها الشاب قائلًا:
_ دا مش وقت يسمح لنا نطبطب و نطمن، اخلصي هاتي المخدر بدل ما نرجع من هنا من غيره، أو الكافر اللي تحت ده ميخلناش نرجع أصلا.
ناولته قنينة زجاجية صغيرة، و قطعة من القماش، و بينما كان يصب المخدر فوق قطعة القماش، باغته «أحمد» و أسقط القنينة من يده، فتهشمت و انتشر ما بها أرضًا.

و بالرغم من ذلك، أطبق الشاب القطعة المبتلة على أنف «أحمد» ، الذي حاول جاهدًا أن ينفلت من بين يديه، و لكن باءت محاولاته بالفشل. رفعه الشاب على كتفه و أشار للفتاة بالتحرك، لتخرج أمامه و من بعدهم خمس رجال.
★★★★★★

التقط سمعه الصوت الناتج عن انكسار القنينة، فهب واقفًا كمن لدغته حية، قائلًا بشك:
_ في حاجة بتحصل فوق.

و بالفعل قد دنا «مالك» من الباب، تحت نظراتها المتوجسة، فتحركت سريعًا لتمنعه من الخروج، لكنه فعليًا قد فتح باب غرفته تزامنًا مع هبوط الآخرين على الدرج، فأدارت وجهه إليها وعاتبته بدلالٍ أجادت تصنعه:
_ يعني كل ما يبقى لينا وقت خاص تسيبني و تروح عند اللي فوق ده!

شعر بدوارٍ في رأسه، و تشوشت رؤيته متعجبًا:
_ ايه اللي بيحصل!
لم تكن هي في حالة أفضل منه، بل أصابها ما أصابه، فتراجعت إلى الأريكة و قالت:
_ حاسة نفسي دايخة.
رمقها «مالك» بنظراته الناعسة، قبل أن يتحرك ليجلس على طرف فراشه مرددًا:
_ و أنا كمان.
★★★★★★

أفاضت الماء على وجهها، فنهضت مذعورةً من سباتها كمن أفزعه كابوس لاذع، كان وجهه المتهجم و نظراته التي ترميها بسهام الغضب المشتعلة، تكاد تجزم في تلك اللحظة أنه إن كانت النظرات تحرق، لكانت «غرام» الآن تُحسب ضمن التراب.
لم يعطها تفسيرًا لفعلته، و لم ينطق بحرف واحد من شفتيه، بل نطق ذراعه عندما امتد إلى خصلات شعرها القصيرة جاذبًا إياها بعنف مفرط. كان يجرها خلفه كمن يسحب حزمة من القش، لم يكترث بصراخها، و توسلها إليه كي يتركها.
دلف بها إلى الغرفة التي غادرها «أحمد» ، لتبدأ رحلتها في عذاب زوجها الوحش الكاسر، دفعها أرضًا فتأوهت بشدة، فقد اخترقت القطع الزجاجية ساقها، تغاضت عن الدم المتدفق من قدمها، كما تغاضى «مالك» عن آلامها تمً، و قرر أن يغدق عليها بآلام جديدة، عندما بدأ ضربها بحزامه الجلدي كما فعل سابقًا مع «أحمد».
دوى صراخها في أرجاء الغرفة، كمن يعزف لحنًا حزينًا يقطع نياط القلوب، و رغم ذلك فهو لم يشفق عليها و إنما زجرها قائلًا:
_ صوتك دا يتكتم، مش أنتي اللي هربتيه! يبقى تستحملي و تاخدي دوره بقى.

حركت رأسها نفيًا، و حاولت الدفاع عن نفسها قائلة:
_ أنا معملتش حاجة، معملتش حاجة.

دنا منها، ليعتصر فكيها بين قبضته الغليظة، و تحدث بأنفاس متهدجة:
_ متكذبيش، أنا سمعت في تسجيلات المراقبة الناس اللي بعتيهم و هما بيتكلموا عنك.

اتسعت حدقتيها، و اختنقت الكلمات في حلقها، فلم تكن تعلم شيئًا عن تلك الكاميرا، أغمضت عينيها بألمٍ أدركت الآن أنه لن ينتهي، فقد سقطت بين براثن الوحش.
ابتعد عنها قائلًا بتوعد:
_ هخليكي تلعني اليوم اللي اتولدتي فيه، و إلا ميبقاش اسمي «مالك».

تركها و غادر، لتنزوي بنفسها، و انخرطت في بكاءٍ مرير، حسرةً على ما قد آلت إليه الأمور، يا لحظها العاثر؛ لقد حافظت على قلبها و مشاعرها، لم تسمح لشاب قط بالتودد إليها، حتى ظهر هو بأسلوبه الناعم وقسوته المغطاة بوشاح وثير من الطيبة و الحنان. لقد اختارته و فضلته عن الجميع، فقابل حبها بخذلان لن يغتفر، و بدلًا من منحها بيتًا جديدًا، هدم بيتها و استقرارها العائلي فوق رأسها، حرمها أمنها وأمانها، فقدت الاحتواء من أمها، و خسرت من عاشت دائمًا تحتمي بظهره. ليتها علمت مسبقًا بأنه اختيار خاطئ، فكيف للمَرْء بإكمال حياته بعدما تعرض قلبه إلى خيبة أمل، و عاش مرار الانكسار، من أين لها بالقوة كي تنسى أوجاعها! يحتاج قلبها إلى جرأة كبيرة للوقوع في الحب مجددًا.
قُطعت وصلة بكائها، عندما لاحظت سكينًا يُمرر إليها من فتحة صغيرة أسفل الباب.
★★★★★★

تراص الحرس أمامه كالمذنبين، فصرخ «مالك» في وجههم مستغربًا:
_ كنتم فين يا بهايم لما هما دخلوا البيت؟ قال مشغل عندي حرس، دا أنتم عايزين اللي يحرسكم!

تحدث واحدًا منهم دون أن يرفع عينيه عن الأرض:
_ و الله يا «مالك» بيه احنا كنا شايفين شغلنا كويس لحد ما حضرتك بعت لنا العصير و الجاتو، من بعدها نمنا كلنا.

ضيق ما بين حاجبيه قائلًا باستنكار:
_ عصير ايه؟ أنا مبعتش حاجة.

تدخلت «سميرة» التي طلت من الخلف، قائلة:
_ العصير دا بعتته دكتورة غرام.

أومأ برأسه متفهمًا:
_ كدا العبارة وضحت.
★★★★★★★

سحب كرسي خشبي، و جلس أمامها واضعًا قدمًا فوق الأخرى، و تحدث بنبرة هادئة:
_ يعني عيد الميلاد دا كان خطة منك عشان تهربي «أحمد» ، غدرتي بيا ليه؟ تعرفي «أحمد» دا منين عشان تعملي كدا عشانه؟؟

كانت تعلم أن هدوءه هو ما قبل العاصفة، لم تجبه فقط تستمع إلى حديثه، فاسترسل «مالك» بنبرة ماكرة:
_ بس أنا مينفعش حد يعلم عليّ، مينفعش انتي تعملي حاجة تزعلني، مع أنا اللي بدأت على فكرة.

نظرت إليه بأعين ضائقة و كأنها تنتظر تفسيرًا، فأضاف بصوتٍ يقطر منه الشر:
_ عارفة عملت ايه؟ أنا قتلت أهلك، أيوه أنا السبب.

قهقه عاليًا بوتيرة جنونية، قبل أن تتهادى ضحكته قائلًا:
_ أبوكي عرف موضوع «أحمد» دا قبل كتب الكتاب، و عشان كدا كان لازم اخلص منه، أصل أنا كنت معجب بيكي و عايز اتجوزك، و عشان كدا بقى قتلته و قولت ابعت معاه امك تونسه و الموضوع يبان إنه مجرد حادثة بسبب أنبوبة الغاز.

انهمرت دموعها بتتابع متزايد، و أردفت بلهجة من الندم:
_ أنت بلاء، أنت لعنة دخلت على حياتي.

تلوت شفتيه ببسمة ساخرة، و قال بصوت كالفحيح:
_ لاء و لسه اللي هعمله دلوقت، هيخليكي تكرهيني و تدعي عليّ عمرك كله، أنا مرحمتش اللي حبتها مابالك بقى اللي يادوب معجب بها شوية صغيرين!

لم تفهم ما يرمى إليه، حتى وجدته يحاول التقرب منها، فدفعته بعيدًا بأنفاسٍ منبعها النفور، فنظر إليها بعصبيةٍ و غضبٍ شديد، و عاد يضربها بلا رحمة، قبل أن يسيطر عليها بذراعيه.
كانت ضعيفة و ضئيلة الحجم مقارنة به، لكنها لم تستسلم بل عافرت و جعلت تتحرك بعشوائية حتى وصل بهما الأمر إلى جانب الفراش، و هنا امتدت يدها إلى السلاح الأبيض الذي قد أخفته في الفاصل الصغير بين الحائط و السرير.
و على حين غرةٍ، تفاجأ «مالك» بطعنة تخترق معدته، لقد فاقت توقعه بتصرفاتها الشرسة.

ها هي تثأر لنفسها و لوالديها، انفجر بركان غضبها دون سابق إنذار، لتحرقه و تلقنه درسًا على أفعاله الشنيعة التي لا تغتفر، كررت فعلتها مرة أخرى دون أن يرف لها جفن، كانت تطالعه بنظرات من الكره، و نار الانتقام التي اعتمرت بصدرها.
أعلنت ركبتيه الانسحاب، و خارت قواه، فوجد نفسه طريحًا على الأرض، فرت دموعه هاربة، بعدما خرجت منه آهة حارقة، بينما هي استوت على أقدامها و رفعت عينيها لتتقابل بأعين «سميرة» التي قد حضرت لتوها، فكانت تطالعها بنظرات من الجمود.
يتبع............ عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات