رواية قصر خازور الفصل الحادي عشر والاخير 11 - بقلم سماهر جمال
في صباح اليوم التالي، كانت الفيوم بأكملها تضجّ بالخبر، وكأن المدينة لم تعرف النوم تلك الليلة. انتشرت القصة بين ألسنة الناس كالنار في الهشيم، وتحوّل اسم "قصر خازور" إلى العنوان الأبرز على كل لسان.
الصحف تصدّرت صفحاتها الأولى بعناوين صارخة:
"كشف لغز القصر المسكون بعد ثلاثين عامًا من الغموض"
"الناجية الوحيدة من مذبحة خازور تُكتشف حيّة"
"ثلاثة عقود من الحبس في سردابٍ مظلم.. والفاعل يعترف"
أما القنوات الفضائية، فقد جعلت من الحادثة مادةً دسمة تتناقلها البرامج الإخبارية ومنصّات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة. مقاطع الفيديو، الصور، التحليلات، والآراء المشتعلة اجتاحت كل مكان، حتى بات الناس يتجادلون في تفاصيل القضية وكأنهم شهود عليها.
وفي أحد المقاهي الشعبية، كان صوت أحد الرجال يعلو قائلًا بانفعال:
_"ثلاثون عاماً أيها الناس، ثلاثون عاماً وهى محبوسة، هذا لا يمكن أن يكون بشراً حتى يفعل ذلك!"
فيرد عليه آخر وقد اعتلت وجهه علامات الذهول:
_"والعجيب بالأمر، أن لا أحد شك، ولا حتى سمعنا عنها منذ يوم الحريق!، إنها بالفعل قضية القرن."
في تلك الأثناء، كان قسم الشرطة في حالة استنفار غير مسبوقة. الأوراق تتناثر فوق المكاتب، والضباط يتنقلون بسرعةٍ بين الغرف، والهواتف لا تتوقف عن الرنين.
جلس الضابط يوسف خلف مكتبه بوجهٍ متجهم، يتصفح ملفات القضية التي تكدّست أمامه، وإلى جواره عمران يراجع أقوال العم ربيع التي سجّلتها النيابة في الليلة السابقة.
رفع يوسف نظره قائلًا:
_"النيابة أمرت بتحويل المتهم إلى السجن الاحتياطي لحين استكمال التحقيقات، وسيُعرض على المحكمة خلال أيام. أما الفتاة، فستبقى تحت الرعاية الطبية والنفسية حتى تستعيد وعيها الكامل."
أومأ عمران موافقًا وقال بصوتٍ منخفضٍ يحمل حذرًا:
_"لكن، سيدي، لا أظن أن القضية ستُغلق بسهولة، فهناك الكثير من الغموض بعد... كيف عاش حسن طوال تلك السنوات باسمٍ مستعار دون أن يُكشف؟ ومن ساعده في تزوير الأوراق الرسمية؟ لا بد من البحث في الماضي أكثر."
أجابه يوسف بنبرةٍ جادة وهو يضمّ يديه فوق المكتب:
_"أنت محق، تلك ليست مجرد جريمة قتلٍ وحبسٍ قسري، بل شبكة كاملة من التلاعب والفساد. وسنكشفها قطعةً قطعة، مهما طال الزمن."
*****
خارج القسم، كانت الكاميرات تحيط بالمكان من كل صوب، والصحفيون يتدافعون للحصول على أي معلومة جديدة.
وفي المشفى، كانت خديجة لا تزال ترقد صامتة في فراشها الأبيض، غير مدركة أن العالم الخارجي قد عاد ليتحدث باسمها، وأن قصتها — التي بدأت بالصمت — صارت الآن صرخةً مدوّية تملأ البلاد.
******
في صباح اليوم التالي، اشتعلت الأحاديث في كل مكان، وتحوّلت الحكاية إلى قضية القرن التي شغلت الرأي العام. امتلأت الصحف والمواقع والقنوات بخبر المرأة التي حُبست ثلاثين عامًا داخل قصر «خازور»، وبأن الجاني الحقيقي قد مات منذ خمسة عشر عامًا بعد أن عاش متخفيًا باسمٍ آخر.
أُدين العم ربيع بعد التحقيقات التي أجراها الضابط يوسف، واعترف بكل ما اقترفه، فحُكم عليه بالسجن المؤبد.
لم يحاول الدفاع عن نفسه، ولم يبدِ اعتراضًا، فقط جلس صامتًا، شاردًا بعينين تائهتين كأنهما تُفتّشان في الماضي عن نقطة البداية التي أودت بكل شيء.
وفي زنزانته الصغيرة، كان يهمس كل ليلة باسم خديجة، كأنه يطلب منها الغفران في عالمٍ لن يصله منه سوى صداه.
وفي المستشفى، كانت خديجة ترقد في صمتٍ مؤلم، لا تنطق حرفًا واحدًا منذ لحظة إنقاذها. أكّد الأطباء أنها تُعاني من اضطراب كربٍ ما بعد الصدمة؛ عقلها حُبس في لحظةٍ لم تبرحها منذ الطفولة، تعيش الذكرى كأنها ما زالت تحدث الآن، بين خوفٍ متجذّر وصمتٍ لا يُكسر.
وهكذا انتهى السر الذي دفنته الجدران، لكن أثره لم ينتهِ بعد… إذ بقي في النفوس ما هو أعمق من الحكاية نفسها.
منذ أن انتشرت القصة، صار اسم "ليلى" يتردد في كل مكان، تتناقله الألسن كما لو كان أسطورة أُعيد بعثها من رمادها. الصحف كتبت عنها، البرامج استضافتها، ومواقع الأخبار ملأت صفحاتها بصورتها وهي تبتسم ابتسامة لا تعكس ما في داخلها.
ترقّت سريعًا، وصارت من أشهر الصحافيين في الوسط، لكن داخلها ظلّ ساكنًا كبحرٍ هدأ سطحه، فيما تضج أعماقه بالعواصف.
كانت تكتب، نعم، غير أن الحروف فقدت دفأها، والقصص التي ترويها لم تعد تُدهشها كما كانت.
فمنذ أن خرجت من ذلك القصر، لم يعد العالم كما تعرفه، ولم تعد هي كما كانت.
كل ليلة، حين تسكن المدينة ويغفو ضجيجها، كانت تجلس أمام المرآة، تحدّق في انعكاسها طويلاً كأنها تنتظر منه أن يبوح بشيء… بشيء لم تستطع هي فهمه بعد.
مضت أيامٌ قليلة ظلّت فيها خديجة تحت رعاية الأطباء، ساكنة الملامح كأنها تستريح من كل ما أنهكها عمرًا. كانت ليلى تزورها يوميًّا، تجلس جوارها تراقب سكونها وتحدّثها رغم علمها بأنها لا تسمع. لكن في صباحٍ هادئ، حين دخلت الغرفة كعادتها، لاحظت شيئًا مختلفًا… ابتسامة هادئة استقرّت على وجه خديجة، ويدٌ متجمدة ما زالت تمسك بطرف الغطاء كأنها همّت بالرحيل بهدوء.
اقتربت ليلى بخطواتٍ مرتجفة، وضعت يدها على يدها الباردة، ثم رفعت رأسها نحو السماء هامسةً بصوتٍ متكسّر:
_"رحلتِ أخيرًا يا خديجة... رحلتِ كما عشتِ، صامتةً تحملين سرك إلى ما بعد الحياة."
خرجت من الغرفة بخطواتٍ مثقلة، والدموع تترقرق في عينيها، لكن في داخلها شعور خفي بالسكينة… كأن روح خديجة تركت في المكان أثرًا من سلامٍ لم تعرفه يومًا في حياتها.
*****
بعد أشهرٍ من انقضاء الحادثة، وقد عادت ليلى إلى الإسكندرية، إلى مدينتها التي لطالما وجدت في هوائها طمأنينةً تُشبه حضن أمٍ غابت طويلًا. كانت تجلس برفقة عائلتها على شرفة المنزل المطلّة على البحر، النسيم يلاعب خصلات شعرها، وصوت الموج ينساب إلى أعماقها كأنّه يُعيد ترتيب فوضاها الداخلية.
وفي خضم هذا السكون، تعالت نغمة هاتفها لتكسر الصمت. نظرت إلى الشاشة، ترددت لحظة، ثم أجابت.
جاءها صوت عمران، مفعمًا بخفّته المعتادة معها في الأوان الأخيرة:
_" من الواضح أن الشهرة لم تغير بكِ شيئًا يا أستاذة ليلى! "
ابتسمت رغمًا عنها، وقد سرى في ملامحها دفء غريب لم تشعر به منذ زمن، ثم ردّت بنبرة هادئة:
– "وعلامَ أُغيّر، يا عمران؟ ما زلتُ أبحث عن القصص التي لا يريد أحد سماعها."
ضحك بخفوتٍ عبر الهاتف، ثم قال:
– "يبدو أن القصص كانت سببًا في لقائنا، فشكرًا لها."
ضحكت ليلى هي الأخرى، تنظر إلى الأفق حيث يلتقي البحر بالسماء قائلةً بخفة:
_"بل شكرًا للقدر يا عمران، لولاه ما كنت تعرفت على شخصيةٍ جميلة ولطيفة مثلك. "
يتبع روايات جديده وحصريه اضغط هنا
•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية