رواية هاجس الروح الفصل الحادي عشر والاخير 11 - بقلم رباب حسين
يا الله، أيّ قلبٍ يمكنه أن يحتمل لحظة كهذه؟
أن تنكشف الحقيقة كسكينٍ يشقّ الصدر ليزرع فيه ظلامًا أبديًّا. كان الأب في نظره وطنًا... ظلًّا يحتمي به من قسوة الأيام وصوتًا يأمن له حين ترتجف الأرواح لكنّه الآن يرى في عينيه وحشًا يعرف اسمه، وصوتًا مألوفًا صار يُرعبه. تذكّر والدته، ضحكتها... دفءَ كفّها.. تلك النظرة التي كانت تُطفئ نيران حزنه، أصبحت مصدر ألم لا يحتمل، ثمّ تذكّرها وهي تغيب فجأة دون وداع... دون تفسير، فقط الغياب الملثم بالكذب. وها هو التفسير الآن يقف أمامه بملامح أبيه. كم تمنّى أن تكون كذبة أو تهيؤًا، أو أي شيءٍ سوى الحقيقة. كم أنكر وحارب تلك الأفكار، كم دافع عنه، لكن الحقيقة لا ترحم بل جاءت دامية.. باردة، تُلقيه بين نارين: حبّه لمن كان أبًا وحنينه لمن كانت كلّ الأمان.
صرخ في داخله ألف صوتٍ ولم يخرج من فمه سوى الصمت، صمتٌ ثقيل كجدارٍ بينه وبين العالم، كأنّ كل شيءٍ فقد معناه، الاسم، الدم، العائلة، وحتى نفسه.
هنا وتساءل: كيف أعيش بنصفٍ قاتل ونصفٍ مقتول يسكنان في الجسد ذاته؟ أينتهي الابن حين يكتشف أن ما في عروقه ليس سوى خطيئةٍ تورّثها من الآباء؟ ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يرى في أبيه سوى قبراً متحرّكاً، ولا في نفسه سوى طفلٍ يتيمٍ مرتين مرّةً بموت أمه ومرّةً بحقيقة أبيه.
ثمّ تذكّر هذه الفتاة، تلك الحبيبة التي تحملت إنكاره ودفعت الثمن غاليًا.
كان ريان يقف بالطابق السفلي بينما كانت الشرطة تُخرج ما تبقى من جثة صديق والده الذي دُفن أسفل منزله، أما أسعد فانتظر داخل القسم حتى عاد ريان مع عناصر الشرطة، ليذهب معهم إلى مكان دفن زوجته، هنا ووقف ريان يشاهد جسدها يُستخرج من تحت التراب، لم يتمالك ما تبقّى من صبره وتحمّله، ضعف وبكى، لم يرَ سوى ابتسامتها ولم يشعر سوى بهذه الغصّة التي سكنت قلبه.
وقعت عيناه على أسعد الذي ينظر إلى الأرض خجلًا مما فعل، فاقترب منه ريان والغضب يسيطر عليه وقال: كنت سيبتها... سيبتها تهرب وتاخدني معاه، هددها بأي حاجة غير إنك تقتلها! أنا أعمل إيه دلوقتي؟
زاد بكاؤه وقال بصوتٍ متهدّج: أعمل إيه؟! أسامحك إزاي؟! أبص في وشّك إزاي وإنت قاتل أمي؟! أعمل إيه فيك؟! أتعامل معاك بأنهي وشّ؟ أقولك بابا إزاي وإنت حارمني من حضنها، روح الله يسامحك، الله يسامحك على اللي عملته فيّا.
ترك كل شيء وعاد إلى المنزل ليجد عناصر الشرطة قد أغلقته وطردت جميع العاملين.
اقتربت منه سعدية وهي تبكي وقالت: هو اللي بيقولو ده حقيقي؟!
أومأ لها ريان بالإيجاب والحزن يسيطر عليه فأردفت: أنا مش قادرة أصدق؟!
نظرت إلى ريان ورأت كم الألم الذي يشعر به وكأنه هَرِمَ بالعمر في ليلةٍ واحدة فقالت: أنا عارفة إن الصدمة صعبة عليك، بس إنت أدها يا ريان، متأكدة إن ورا الشاب اللي كان بيضحك ويهزر ده واحد تاني قوي وقادر يقف قصاد أي مشكلة ويحلها.
أومأ لها مرة أخرى فقالت: طيب هتروح فين يا ابني؟
ريان: إنتو هتروحو فين؟!
سعدية: لينا رب اسمه الكريم.
ريان: أنا أول ما أموري تستقر هتصل بيكم كلكم ترجعو شغلكم لو حابين تشتغلو معايا.
سعدية: أنا معاك ابني ووقت ما تحتاجني هتلاقيني.
ريان: عَدّوا عليّا بكرة في الشركة خدو مرتباتكم.
سعدية: متشغلش بالك بينا، شوف بس حالك وربنا يقويك على اللي جي.
اقترب ريان من عناصر الشرطة وقال: ينفع بس أدخل آخد هدومي.
نظر الشرطيان إلى بعضهما وقال أحدهما: أدخل بسرعة واطلع على طول.
دخل ريان المنزل ليجد شبح أمه يقف أمامه وقد تبدلت هيئته، كانت هي أمه بوجهها الملائكي، تنظر إليه بابتسامة دافئة فاقترب منها ونظر لها ودموعه تنساب على وجهه وقال: ماما!
حنان: أيوة ماما يا حبيبي، كنت عارفة إنك هتجيب حقي.
ريان: أنا آسف يا ماما، آسف على اللي بابا عمله.
حنان: إنت معملتش حاجة عشان تعتذر، إنت وقفت قدامه عشان الحق يظهر عشان إنت شجاع وقوي، إوعى تفكر إن اللي حصل عيب في حقك... لأ، ده يخليك ترفع راسك طول العمر لإنك وقفت مع الحق ضد أقرب الناس ليك.
ريان: بس أنا تايه، مش عارف أعمل إيه.
حنان: فترة وهتعدي، وهترجع تاني وأحسن من الأول، إبدأ من جديد لوحدك وهتقدر تقف على رجلك، دلوقتي أنا اطمنت عليك ولازم أمشي.
ريان وهو يبكي: لا، خليكي معايا شوية.
حنان بابتسامة حزينة: مين قال إني مش معاك، أنا دايمًا هفضل معاك، وبعدين فيه واحدة هنا مستنية مساعدتك، خلي بالك منها، ديه بنتي اللي مخلفتهاش واستحملت كتير عشاني.
ابتعدت من أمامه ليرى تالين ملقاة على الأرض فاقدة للوعي، فركض إليها ووضع يده على وجهها الشاحب فلاحظ برودة جسدها، فخرج سريعًا وهو يحملها بين ذراعيه ووضعها بالسيارة ثم انطلق بها إلى المشفى.
بعد وقت، كان يقف ريان خارج غرفة بالمستشفى وخرج الطبيب وقال: حضرتك تبقى مين؟
ريان بسرعة: أنا جوزها.
الطبيب: هي ليه مش بتاكل؟
ارتبك ريان ثم قال: كان فيه مشكلة... يعني خناقة بينّا وهي رفضت تاكل.
الطبيب: واضح إنها بتحبك أوي، على العموم هي محتاجة شوية محاليل كده عشان ضغطها منخفض من قلة الأكل، وانزل كده هات أكلة محترمة واطلع صالحها وأكلها.
ريان: حاضر، حاضر يا دكتور.
ذهب ريان ليشتري بعض الطعام، فسمع صوت رنين هاتفه، فنظر إليه ليجد حور هي من تتصل فتلقّى المكالمة على الفور وقال: ألو.
صرخت حور بصوت مرتجف قائلة: إلحقني يا ريان، بابا اتقبض عليه.
ريان بهدوء: عارف.
حور بصدمة: عارف؟! عارف منين؟
ريان: حور أنا مش قادر أتكلم دلوقتي، روحي معاه القسم وإنتِ هتعرفي كل حاجة، أنا مش عايز اسمع كلمة على الحوار ده خالص.
أنهى ريان المكالمة لتبقى حور تنظر إلى الهاتف بذهول، وقفت في حيرة، لا تعرف ماذا تفعل ثم تماسكت واتصلت بالمحامي، وطلبت منه أن يلحق بوالدها إلى قسم الشرطة، وبدلّت ثيابها وذهبت إلى هناك.
بعد وقت، كانت حور تقف أمام غرفة الضابط وتسمع صراخ عادل بالداخل وهو يقول: بس هو قالي إنها خانته!
الضابط: وهل ده مبرر يا دكتور عادل إنك تساعده وتتستر على جريمة بالشكل ده؟! تستغل المستشفى بتاعتك وتديلة جثة مجهولة يدفنها مكانها! ده القسم اللي قسمته يا دكتور؟!
عادل بارتباك: ما... ما أنا مكنتش أعرف، مكنتش أعرف إنه قاتل وإنه بيشركني في جريمة زي ديه من غير ما أفهم.
الضابط: كان لازم تبلغ مش تساعده، حتى لو خانته كان هيخرج براءة بالقانون لو أثبت الزنا، لكن هو حَكم عليها بالإعدام وإنت ساعدته، كده إنتو الاتنين تحت المساءلة القانونية، وللأسف يا دكتور المستشفى بتاعت حضرتك هتتقفل بسبب استغلال المرضى للتستر على الجرائم.
صاح عادل: الله يخرب بيتك يا أسعد زي ما خربت بيتي، يا باشا هو ضحك عليا، فهمني إنها خانته، والخاينة تتعاقب بالموت، أنا راجل صعيدي ومعرفش غير ده.
الضابط: صعيدي أو لأ، إنت راجل متعلم ومثقف، الكلام ده كان بيتقال زمان، لكن دلوقتي بالقانون تاخد حقك، ده حتى الدين قال هات أربع شهود، مش تصدق كلام جوزها من غير دليل وكمان تساعده.
خرج عادل مُقيّدًا بالأصفاد وخلفه المحامي، نظرت له حور بصدمة وقالت: فيه إيه يا بابا؟!
عادل بحزن: سامحيني يا حور، أنا مكنش قصدي كل ده، سامحيني.
أخذه العسكري ونظرت حور إلى المحامي وقالت: فهمني فيه إيه؟
زفر المحامي في حزن وقصَّ عليها ما حدث، فلم تعد قادرة على الوقوف، فجلست بصعوبة على الكرسي خلفها.
تذكرت ريان، هل من الممكن أن يسامح والدها فيما فعل؟! لقد اتفق مع والده وأخفى جريمته.
أمسكت هاتفها واتصلت به مرة أخرى.
كان ريان قد عاد إلى المشفى وظلّ بجوار تالين منتظرًا أن تستعيد وعيها حتى سمع صوت رنين هاتفه فنظر إليه ليجد حور تتصل به، تلقّى المكالمة وقالت حور ببكاء: ريان أنا عرفت... عرفت كل حاجة، إنت فين؟!
ريان: في المستشفى.
حور بصدمة: إنت كويس.
ريان: كويس.
حور: طيب أنا عايزة أشوفك.
ريان: هبعتلك اللوكيشن تيجيلي.
أنهى ريان المكالمة وظلّ ينظر إلى تالين وبعينيه آلاف الاعتذارات الحزينة.
بعد وقت، وصلت حور وطرقت باب الغرفة، وفتح لها ريان الباب لتنظر إليه بحزن الذي تبدلّ إلى دهشة حين رأت تالين ممدّدة بالفراش وهو يجلس بجوارها.
نظر لها ريان وقال: إدخلي يا حور.
دخلت وجلست بالغرفة وعيناها مرتكزتان على تالين ثم قالت: هي مالها؟!
ريان: لا ده موضوع كبير، قوليلي عايزة إيه؟
حور: طيب إنت ليه قاعد جنبها كده يعني، ديه حتة شغّالة! سايب كل اللي إحنا فيه ده وقاعد جنبها، أطلبك عشان تيجي القسم تقف معايا ترفض عشانها؟!
ريان: اه، رفضت عشانها، عشان هي مش مجرد شغّالة، تالين تبقى بنت خالتي.... وفي نفس الوقت... مراتي.
فتحت حور عينيها بصدمة وقالت: مراتك؟! إنت متجوزها؟!
ريان: أيوة، بصي يا حور أنا ظلمتك معايا كتير، بس أنا كنت واضح من الأول معاكي ودايمًا كنت بقولك إنك زي أختي، حصل حاجات كتير أوي خلتني أوافق على الخطوبة وأهمها إن بابا كان بيضغط عليا، النهاردة بس عرفت إن جوازنا كان تمن سكوت أبوكي عن حقيقة الجريمة اللي عملوها سوا، أبوكي مكفهوش الفلوس اللي خدها من بابا... لأ، ده كمان شرط عليه إني أتجوزك عشان يضمن إن كل فلوس بابا تبقى ليكي.
تجمّعت الدموع في عينيها فزفر ريان بقوة وقال: أنا خلاص، حياتي أتدمرت، الشركة هتروح بسبب السرقة اللي حصلت وأكيد نصيب شريك بابا الحكومة هتتحفظ عليه ده غير سمعة الشركة اللي هتروح في الأرض، باقي راس المال هيرجعلي اه بس بعد سداد المرتبات والديون والشروط الجزائية للعملا هيبقى شوية ملاليم، الفيلا مش هعرف أعيش فيها خلاص ولا حد هيرضى يشتريها، أنا بقيت صفر على الشمال، وهدفع تمن اللي حصل ده كله غالي أوي... ولوحدي. بالنسبة لينا بقى، أنا بحب تالين، حصل مشاكل بينا وسوء تفاهم كبير ده اللي خلاني أتمم الخطوبة منك، لكن أنا وإنتِ يا حور مننفعش لبعض، أنا لو طلعت بحاجة واحدة كويسة من حياتي ديه... فهي تالين، ومش هقدر أضيعها من إيدي تاني، كفاية أوي اللي حصلها بسببي.
نظرت إليه حور مطولًا، لم تجد حديث يُقال، فقط ألمٌ وحسرةٌ إعتصرتا قلبها، ظلّت تنظر إليه بصمت ثم قالت بصوتٍ مرتعشٍ مكسور: فهمت، معاك حق، أنا همشي ومش هيضايقك تاني أبدًا.
خرجت حور من الغرفة وهي تتمالك دموعها رغمًا عنها.
ونظر ريان إلى الباب حتى سمع صوت تالين تقول بضعف: كنت عارفة إنك لسه بتحبني.
نهض ريان واقترب منها سريعًا وأمسك يدها وقال: حبيبتي، إنتِ كويسة؟
ابتسمت تالين بضعف وقالت: دلوقتي بس كويسة، روحي ردت فيا لما سمعتك بتقول كده لحور.
ريان: حقك عليا، مكنتش قادر أصدق يا تالين، أو مكنتش عايز أصدق، معرفتش أشوف بابا قاتل، قسيت عليكي ودفعتي تمن خوفي.
تالين: أنا فهماك يا حبيبي ومش زعلانة منك، كنت عارفة إنك في الآخر هتفوق وتقف جنب الحقيقة، كنت واثقة فيك، بس اللي وجعني... كلمة بحبك اللي قولتها لحور، كانت أقوى من كل الضرب اللي خدته منك.
قبل ريان يدها وقال: مكنتش من قلبي، أنا محبتش غيرك ولا عايز غيرك، سامحيني... متزعليش مني، أنا هعوضك عن كل ده.
تالين: وجودك جنبي هو العوض الوحيد اللي مستنياه.
ريان: مش هسيبك، بس.... بس أنا مش معايا أي حاجة دلوقتي، ولا حتى مكان نعيش فيه، كل اللي أملكه هو قطعة أرض كان بابا كاتبها لماما قبل تموت وأنا ورثتها، أنا هبيعها وأبدأ من جديد، هتقدري تتحمليني لحد ما أرجع أقف على رجلي من تاني؟
تالين: أنا هفضل جنبك حتى لو مش معاك حاجة خالص، إنت عندي كفاية.
ابتسم ريان وقال: ربنا يخليكي ليا، بس فيه مشكلة كبيرة دلوقتي، أنا مش عارف هنخرج من هنا نروح فين.
تالين: بيت خالتك موجود يا ابن خالتي، تنورنا، وكمان تيجي تطلب إيدي منها رسمي، ولما تظبط أمورك شوية، نعمل فرح صغير هناك وتجبلي فستان حتى لو إيجار، وتاخدني من بيت ماما، موافق.
ريان: جدًا، بس قبل ما نخرج لازم تاكلي، إنتِ جسمك ضعيف ومحتاج أكل.
تالين: أنا جعانة، وعايزة أكل معاك، إنت عارف إن عمرنا ما كلنا مع بعض؟!
ريان: بعد كده مش هاكل غير مع مراتي حبيبتي.
ابتسمت له بسعادة وهي ترى الحب في عينيه مرة أخرى.
وفي النهاية، لم يكن نصرًا صاخبًا بل هادئًا كنسمةٍ بعد عاصفة، دافئًا كأحضانٍ وجدت طريقها أخيرًا بعد طول ضياع. انكشفت الوجوه وسقط الزيف ووقف الحق شامخًا يعلن أنه وإن تأخّر لا يضيع.
ظلّ الوفاء الكلمة الأخيرة في حكايتهما. يربط بين القلوب كما لو كان وعدًا خُطّ قبل الوجود.
وهكذا، انتهت القصة كما بدأتها النوايا الصادقة بانتصار الحبّ على كل ما حاول أن يهزمه وبميلاد فجرٍ جديد يحمل اسمهما معًا.
النهاية
لقراءة ومتابعة روايات جديده وحصريه اضغط هنا
•تابع الفصل التالي "رواية هاجس الروح" اضغط على اسم الرواية