رواية نبضات قاتلة الفصل الحادي عشر11 - بقلم زينب محروس
الفصل الحادي عشر
اندفع إلى غرفته كالثور الهائج دون دق الباب، و تشدق مردفًا بنبرة حازمة لا تقبل النقاش:
_ تقدري تمشي دلوقت يا دكتورة.
تعجبت «منى» من حالته، فكانت عروقه بارزة، عينيه يتطاير منهما الشرر غضبًا، و قد اختنق الاحمرار في وجهه و كأنه جمر مشتعل، عندما رآها ثابتة في موضعها، صرخ بصوت مرتفع:
_ سمعتي قولت ايه؟؟
انتفضت «منى» و اعتراها الخوف، فأشارت إليها «غرام» بعينيها تحثها على المغادرة، فنهضت «منى» ، لتحرك قدميها بخطى متكاسلة تخشى على «غرام» من بطش «مالك» المتوحش.
لم تمر ثانية على خروجها من الغرفة، حتى كان «مالك» قابضًا على عنق غرام، لينهرها قائلًا:
_ ايه اللي بيطلعك عند «أحمد» ؟ مش حذرتك أكتر من مرة متقربيش من سطح البيت؟ حصل و لا لاء.
كانت يده تشتد على عنقها، و بالرغم من محاولاتها في إزاحة يده إلا أنها فشلت، و ما زاد الأمر سوءًا هو إدراكها بمعرفته للأمر، مما جعلها ملجأ لخوفٍ عارم، قد ملأ قلبها و شل حواسها.
مرت عليها لحظات ثقيلة، قبل أن تدرك أنها على وشك الهبوط في محطتها الأخيرة، لترتفع بإنضمامها نسبة الوفاة. فعادت تضرب ساعده بيدها الرقيقة، و أغرورقت عينيها بالدموع، لترمقه بنظرات متوسلة، فدفعها للوراء مبتعدًا عنها.
وقف يلتقط أنفاسه المتهدجة و كأنه يسابق الغضب، و يحدجها بنظراته الحادة، بينما هي كانت تسعل بشدة، و ارتفع معدل التنفس لديها، انتصبت على قدميها و اقتربت منه لتبرر فعلتها قائلةً بنبرة متقطعة:
_ أنا عملت كدا عشان، كنت خايفة عليك.
افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة، و أردف مستنكرًا:
_ دا على أساس ايه بقى؟ فاكرة نفسك بتكلمي عيل صغير!!
صرخ في جملته الأخيرة، فحركت رأسها رفضًا، و تحدثت من بين شهقاتها:
_ لاء أنت مش صغير، بس صدقني أنا بحبك و بثق فيك و الدليل على كدا إني مسألتش مين الشخص اللي فوق ده و لا أنت حابسه ليه، عارف ليه؟ عشان أنا بثق فيك و عارفة إن عمرك ما تعمل حاجة غلط، بس كمان لما عرفت إنك بتأكله كل تلت ايام مرة، خوفت يموت أو يحصله حاجة بسبب قلة الاكل و ساعتها أنت هتبقى في مشكلة، أنا ميهمنيش الشاب ده، بس أنت تهمني و خايفة عليك....
اقتنع بحديثها بعض الشيء و لكن ليس كليًا، فكان يطالعها بنظرات من الشك، فأكملت «غرام» و هي تمسك بيده:
_ «مالك» أنت عارف إني بحبك، بلاش تخلي سوء التفاهم ده يعمل بينا مشكلة يا «مالك» ، أنا بحبك و الله.
أبعدها عنه بعنفوان، و خرجت كلماته بصرامة:
_ الأهم من إنك تحبيني هو إنك تسمعي كلامي، المرة دي هكتفي بحبسك هنا في الأوضة كعقاب ليكي و شغلك اللي كان مفروض تنزليه من بكرا دا تنسيه.
مسحت خديها بظهر كفيها، و أومأت قائلة بحنو و ندم:
_ معنديش مشكلة يا «مالك» ، أهم حاجة إنك تسامحني يا حبيبي، أنا متقبلة أي عقاب يا حبيبي.
أغلق عليها الباب و احتفظ بالمفتاح في وحدة إدراج تستقر بين الغرف، و توجه إلى «أحمد» ليصب عليه ما تبقى من غضبه، فجعل يضربه بحزامه الجلدي بغضب و عنف، دون أن يحفل بآلامه و جسده الذي أصبح لوحة يُرسم عليها بفرشة التعذيب.
اكتفى من جلده عندما أصابه الألم في ذراعه، فألقى الحزام من يده، و جلس أمامه يلتقط أنفاسه، قبل أن يرمقه بنظرة تقيمية من رأسه إلى أخمص قدميه، ثم هدر بغضب تتخلله الغيرة:
_ نفسي أعرف بيحبوك على ايه؟ فيك ايه مميز عني عشان يبقوا كويسين معاك كدا؟ دا أنت لا جمال و لا حتى ذكاء، فيك ايه يتحب عني؟؟!
كان «أحمد» صامتًا في البكاء، فاسترسل «مالك» صراخه قائلًا:
_ رد عليّ! بيحبوك عني ليه؟؟
تراخت نبرته و تغيرت تمامًا، ليتحول من فهد مفترس إلى حمل وديع:
_ بس أنت المفروض تشكرني يا «أحمد» ، عارف ليه؟
أشار بيده إلى مصدر الضوء قائلًا:
_ لأن لو أنا بتفرج على كاميرا المراقبة كل يوم مكنتش أنت هتعرف تاكل أكل حلو، ولا كنت لاقيت حد يودك أو يعبرك غير «سميرة» اللي كشفت مكرك و رغبتك إنك تسرق مني مراتي.
انتصب «مالك» على قدميه واقفًا، فظهرت قامتها الفارعة، و تحرك ليقف مباشرة أسفل الضوء، ثم شرع برأسه ناظرًا لأعلى بأعين ضائقة:
_ محدش واخد باله إن دلاية النور فيها كاميرا مراقبة بتصور كل حاجة ٣٦٠ درجة و بالصوت كمان، يعنى دبة النملة عندك هنا متسجلة.
★★★★★★
منع عنها الخروج من غرفتها و سلبها هاتفها الخلوي، و أكد على «عبير» أن تكتفى بعملها في المطبخ، فأصبحت «غرام» تحت مسؤولية «سميرة» التي تذهب إليها بالطعام يومياً إن لم يتواجد «مالك» في البيت.
قلة من الأيام و لم تستطع «غرام» البقاء على هذا الوضع، فأوقفت «سميرة» ذات مرة، بينما كانت تحضر إليها الطعام، و قالة برجاءٍ أجادت تصنعه:
_ ممكن اطلب منك طلب يا «سميرة» بعد إذنك؟
_ طبعًا يا دكتورة، اتفضلي.
_ عايزة أشوف عبير، ينفع تخليها تيجي تقعد معايا شوية؟
ضيقت «سميرة» حاجبيها و قالت باستغراب:
_ عبير!
اومأت «غرام» برأسها و أكدت:
_ أيوه عبير، عشان خاطري يا «سميرة»، أوعدك هما خمس دقايق بس.
اعترضت «سميرة» قائلة:
_ بس أستاذ «مالك» مانعها تطلع هنا، و مأكد عليّ محدش يقابلك غيري.
_ خمس دقايق بس يا «سميرة» و الله، و كدا كدا لو أنتي مقولتيش ل«مالك» هو مش هيعرف.
تنهدت «سميرة» و قالت:
_ حاضر يا دكتورة، هنزل و ابعتها.
ابتسمت غرام، و قالت:
_ طيب عايزة مساعدتك في حاجة كمان.
_ ايه؟
_ عيد ميلاد «مالك» كمان يومين، عايزاكي تساعديني أعمل عشا رومانسي هنا في الأوضة.
ردت عليها «سميرة» بترحاب:
_ مفيش مشكلة، شوفي انتي حابة نحضر ايه و أنا معاكي.
صفقت «غرام» بيديها، و رددت بحماس زائف:
_ حيث كدا بقى لما تبقى فاضية عرفيني اكتبلك شوية طلبات تجبيهم أو تخلي حد من الشباب يروح يجيبهم.
★★★★★★
و أخيرًا و بعد طول انتظار، قد أتى اليوم الفاصل، إنه نقطة الحسم و التحول في حياة أحدهم، رغبتها في القضاء على استبداده و سيطرته التى أصبحت حق مكتسب بالنسبة إليه، جعلتها تلقى بحياتها و مستقبلها على حافة الهاوية.
صنعت ديكورًا لطيفًا بالورود الحمراء، و أضافت إليها طابع رومانسي باستخدام شموع بيضاء تنتشر في الغرفة، و تجهزت «غرام» بارتدائها فستانًا ذهبي اللون، قد لاق كثيرًا مع بشرتها الداكنة، و نسقت مع فستانها القصير زوج من الأقراط الفضية المشابهة لقلادة عانقت عنقها في رقة و جمال.
طالعت انعكاسها في المرآة، و حاولت بث الشجاعة في نفسها هامسة:
_ إنتي قدها يا غرام، هانت و الكابوس دا ينتهي، إنتي قدها.
استغنت عن الإنارة الكهربائية، كما تخلت عن خجلها و خوفها، و فضلت ضوء الشموع اللامع، سمعت طقطقة خفيفة صادرة من الباب، فأدركت أنه قد وصل أخيرًا من عمله.
تزامنت أولى خطواته مع استخدمها أنبوب المفرقعات الورقية، و هنأته قائلة بحبور:
_ Happy birthday, baby!
ألقت تلك الأنبوب الورقية من يدها، و احتضنتها بين ذراعيها، قبل أن تبتعد عنه قائلة بدلال لا يليق بسواها:
_ ربنا يخليك ليا يا «مالك» ، يارب العمر كله مع بعض يا حبيبي.
★★★★★★
تأكدت «عبير» من دخول «مالك» إلى غرفته، ثم تحركت مباشرة إلى المطبخ لتحمل صينية متوسطة الحجم، تعددت عليها أنواع العصائر، و انطلقت لتعطى ما بحوزتها لرجال الحرس المنتشرين حول المنزل، و لم تغفل عن إعطائهم قطع من الكيك، لتخبرهم أنه يقدم إليهم بناءًا على طلب من «مالك» ، ليحتفلوا معه بعيد ميلاده.
بينما يتردد في عقلها صوت «غرام» التي أكدت عليها قائلة بجدية:
_ لازم الكل ياكل الكيك أو يشرب من العصير يا عبير.
★★★★★
ساعدته في نزع الجاكت الخاص ببذته، ثم سحبته من يده قائلة:
_ خلينا نتعشى الأول، أنا طلبت من «سميرة» تعمل الأكل اللي أنت بتحبه.
كان لديه شيء من النرجسية و الغرور، يخبره بأنها تأكيدًا لن تُعجب بذلك الشاب الرَثّ، و بالفعل هو فقط من تهيم به عشقًا، فها هي لم تعترض على عقابه، و إنما تحاول إرضائه بشتى الطرق.
بدأ يتناول طعامه، و هو يسترق النظرات إليها، فكانت تتحدث إليه بسعادة و حب عارم أجادت تصنعهما.
★★★★★★
و كأن عاصفة من النوم قد هبت على عاملى البيت، بمن فيهم «عبير» و «سميرة»، فقد سقطوا في أماكنهم ذاهبين في ثبات عميق، غافلين عن وصول أربعة من السيارات السوداء، و قد ترجل منهم ما يزيد عن عشرة رجال.
كانت ملابسهم شديدة السواد، و قد أُخفيت وجوههم أسفل قناعٍ قماشي أسود، لم يُظهر سوى أعينهم.
يتبع......... عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية