رواية انين هوى الفصل الحادي عشر والاخير 11 - بقلم امنية مصطفى
بمرقده، ويستطيع الأمير سليم -الذي لم تحاول مملكته حمايته حتى او الدفاع عنه خوفا من أن يستغل مزدهر تلك الجريمة ومهاجمة أراضيهم أن يرتاح بقبره.
أرهف الدوق السمع يتابع بنود الحكم الذي سيثلج صدره إلى آخر عمره:
" بعد تحري دقة الأدلة، وصدق الشهود، واعترافات سلمى ابنة سهيل، قررت المحكمة المتمثلة في شخصنا، بإعدام المتهم بذات الطريقة التي أعدم بها الأمير سليم أمير مملكة غلوراف."
سكت رئيس المحكمة لهنيهة ينظم أنفاسه ثم أستطرد مقررا ما تبقى من الحكم:
" وبناءا على قرار مجلس الأمة نعلن نحن، المحكمة الملكية العليا تصديقنا على قرار تولي فيروزة ابنة سهيل شئون الحكم بمملكة الجنوب كملكة فعلية دائمة، على أن يتم تتويجها في حدث منفصل قريب…رفعت الجلسة!"
شعر مزدهر بالأرض تميد به، فتلوى يسقط على الارض فاقدا لشتات نفسه الخائنة بداخل القفص.
فتح الباب الموصد، ودخل ثلاثة جنود إلى القفص يعدونه لتنفيذ الحكم في الحال، اخترق الهلع صدره، وأحكمت الصدمة الخناق عليه، وأخذت جرائمه التي ارتكبها بثقة فجة تتابع أمام عينيه وتستفزه بكل آيات الشماتة؛ وباغتته مهجته الآثمة بسؤال لم يخطر على باله المشغول بالكبر يوما؛ ألم تفكر يوما بأن كل ما طمعت به لن يرافقك إلى قبرك ومرقدك الآخير؟
وبينما يدفعه الجنود إلى مركز ساحة القصر الملكي، تلفت حوله يبحث عن وجهها بين جموع الوجوه الشامتة، وحين لم يقدر على إيجادها، فاجأه رد يامن عن تساؤلاته الصامتة:
" لم تقدر شقيقتك على رؤيتك تحتضر أمامها، رغم خيانتك وغدرك بوالدك مازال قلبها يرق نحوك غصبا عن إرادتها…"
سكت الدوق لبعض الوقت يطيل النظر بوجه مزدهر ويراقب رد فعله، ثم استطرد يشدد على كلماته:
ـ لكنها أوصتني بالتأكد من أن تلفظ أنفاسك الأخيرة أمامي..
ـ فلتذهبا للجحيم سويا إذن..
وضربه رغم قيود يديه بكتفه الأيمن في صدره.
فقهقه الدوق متشفيا ثم اردف:
" أخبرنا إذن حين تصل بأحوال الحياة هناك..بما أنك ستسبقنا."
لم يعره مزدهر اهتمام وسار بنفسه حتى منصة الأعدام دون أن يجبره أحد على ذلك، وركع مغترا بنفسه رافعا رأسه، يوحي للجميع بأنه لم يهزم شر هزيمة على أرضه وبداخل قصره منذ ساعات قليلة فقط.
وسأله القاضي قبل أن يبدأ تنفيذ الحكم:
" أتندم على جرائمك؟"
فرد هو بثبات لا يعكس عواصف الخزي بقلبه:
" لست بنادم.."
فعاد القاضي يسأله السؤال الأخير:
" ألك أمنية أخيرة ننفذها لك قبل الموت؟"
لم يكلف نفسه عناء النطق بالإجابة، واكتفى فقط بهز رأسه نافيا بجمود.
وفي تلك اللحظة أشار الدوق يامن على جندي المقصلة بتنفيذ الحكم أخيرا على الخائن.
"كانت طعنة بروتوس هي الطعنة القاتلة، بخلاف كل الطعنات الأخرى، لم يطعنه في جسده وإنما في شخصه، في إرادته وآماله."
جبران خليل جبران
حين تلقت فيروزة العلاج وأستفاقت تماما عقب إصابتها، أجبرها الطبيب على ملازمة الفراش لأسبوع بعدها حتى يتأكد من سلامتها هي وجنينها الذي كادت أن تفقده إثر تلك الإصابة.
وفي اللحظة التي تمكنت بها من ترتيب شتات أفكارها، طلبت من يامن أن يؤجل محاكمة سلمى حتى تستعيد قوتها وتتمكن من مواجهتها وجها لوجه..فهناك حقائق لا تعد ولا تحصى لن يهدأ لها بال قبل التأكد من صحة كل حقيقة منها على حدى.
واليوم آن أوان الحساب الذي تأجل منذ أعوام. توقفت فيروزة عن السير بالممر على بعد أمتار من زنزانة شقيقتها، كانت بكل خطوة تخطوها يزداد الخناق على قلبها المكلوم.
كان يامن يسير خلفها على بعد خطوتين بناءً على رجائها بالمواجهة وحدها، كانت تود أن تضرب الضربة الأخيرة بحربها بنفسها.
وحين طال توقفها عن السير اقترب منها وربت على كاهله المنحني ونبس مشجعا:
ـ ليبق ظهر ملكة مملكة الجنوب مستقيما دائما، فحتى الجدران هنا تتربص لكِ وتترقب إنحناء جزعك الصلب.
ـ لم أكن أدرك أنني مرهقة لهذه الدرجة يا يامن..
ـ أستندي على ساعدي إذن، وبدلا من أن تسير قدماكِ المتعبتان وحدهما، لتعينهما قدماي حتى تتمكني من السير دون عون أحد كما كنتِ دائما.
شدَّ على كفها، وحثها على مواصلة السير وإنهاء أمر هذه المهمة الأخيرة.
وأمام باب الزنزانة أشار للحارس بفتحها، ترك كفها بهدوء ودفعها بخفة نحو الأمام.
وقبل أخذ الخطوة الأولى نفذت نصيحة زوجها، رفعت رأسها، وجعلت ظهرها مستقيما أمام أعدائها المتربصين؛ الجدران، سلاسل الأصفاد، وشقيقتها..
وحين استجمعت جسارتها ودلفت أخيرا، أطالت النظر بوجه سلمى دون أن تنطق، فكل المفردات تبخرت فجأة من رأسها.
" إلى متى تنوين تركي معلقة هكذا؟ فلتأمري بقتلي ولننهي هذه المسرحية المقرفة.."
سهلت سلمى عليها الأمر حين لم تسطع ترك أحد غيرها يفتتح المشهد كعادتها، ولم يكن منها سوى الابتسام مستهزئة ومردفة:
" أظنك لن تتغيري أبدا..فحتى وأنتِ خائنة تنتظر مصيرها المظلم، مازلتِ تلقين بأوامرك عليّ بخيلاء."
تفكرت فيروزة لوهلة ثم واصلت مقررة:
" أجيبي على أسئلتي بصدق للمرة الأخيرة بحياتك، ولكِ مني وعد بإنهاء أمرك في اسرع وقت.."
طالعتها سلمى حينها بوجه خالٍ من التعابير، فتجاهلتها فيروزة وألقت بسؤالها الأول الذي أرق نومها لشهور:
ـ أكنتِ أنتِ من جلب تلك المشعوذة إلى قصري؟
ـ نعم، أنا من دفعت لها لتخدعك، ودعيني أضيف لكِ معلومة جديدة..
صعقتها الثقة الكامنة بكل حرف من إجابات أختها، وأقشعر بدنها إثر الرضا الواضح عن أفعالها الذي حرصت على إظهاره أمامها.
تركت لها المجال لتكمل إجابتها المبتورة، فهمست سلمى بتشفٍ:
" كنت أنا من وضعت خصلات الشعر الأشقر على ثوب يامن بيدي.."
زعزعت نبرتها المستفزة من ثبات فيروزة النفسي، ولكنها كانت خير من يعرف ألاعيب أختها وبراعتها في تحريك الجميع حولها كعرائس الماريونيت الميتة.
فردت عليها بوقار شخصية الملكة التي أصبحت عليها:
" ممتاز، إنكِ تسهلين علينا الأمور كثيرا، وتجيبين على أسئلة لم أسألها بعد..لذا دعيني أسألك سؤالين أخيرين.."
طالعتها سلمى بترقب، فأحست فيروزة بالكلمات تخنقها وبحلقها غصة تمنع صوتها عن مواصلة الحديث، لكن ورغم كل ذلك العناء سألتها:
ـ هل سممتِ طعام أبي؟
ـ نعم فعلت، ما هو السؤال الأخير؟
ـ لماذا؟
قهقهت سلمى والمرارة تكسو قسماتها المغتاظة، ثم أردفت والغل يقطر من كلمة ينطقها ثغرها:
ـ لقد كنتِ تسرقين مني كل شيء منذ اللحظة التي خلقتِ بها؛ أمي أولا حين ماتت وتركتني بينما تلدك، ثم أبي الذي لم يكن يرى أحد سواكِ منذ توفيت أمي، وأخيرا الرجل الذي أحببت…أليس من الحماقة أن تسأليني هذا السؤال الآن؟
ـ لم أسرق منكِ أيا منهم، أظنكِ يا سلمى استسهلتِ خيار الحقد والصراع على الحب، فذلك الذي يحب لا يؤذي…وذلك الذي أسميته حبا لم تعبري عنه سوى بالحقد والأذى..
لم يأتيها رد من اختها، فحين لم يعجبها مضمون الحوار سدت أذنيها وتجاهلت وجودها.
أما فيروزة فبجزء ضئيل بداخلها كانت تنتظر منها أن تتوسلها أو أن تبدي أي بادرة للندم، كان بداخلها شعور يلح عليها لإلتماس أي عذر لها ومسامحتها قبل إعدامها. لكنها نست لوهلة أن أختها تقدس كرامتها وعزة نفسها وأن تقديسها لتلك المبادئ هو ما أرداها مجرمة مدانة تنتظر أن يتقرر بأي طريقة يمكن أن تعدم أميرة خائنة.
لذلك قررت أن تقلدها، أن تتمسك بقسوة قلبها نحوها للمرة الأولى والأخيرة، أرادت بأعماقها أن تكرهها للأبد..
وعقب تلك المواجهة الباردة ببضع ساعات، كانت سلمى مقتادة نحو المقصلة، تتراقص أمام عينيها المشوشتين أشباح ذكرى يوم كهذا، يوم قضى غدرها على زوجها الذي لم يرتكب في حياته أي جرم سوى أنه لم يثق بغيرها.
وحين أخذت تعد خطواتها التي كانت تخطوها على منصة الاعدام نحو المقصلة، رأت للمرة الأخيرة صورته متجسدة بوضوح أمام ناظريها، وعلى وجهه ذات التعبير الذي طالعها به للمرة الأخيرة قبل أن تختفي أنفاسه.
وقبل أن تهوي المقصلة على عنقها مباشرة، رأته أخيرا يبتسم بحبور ورضا.
●●
بعد مرور عام..
"اللوحة مائلة قليلا نحو اليمين، قم بتحريكها نحو اليسار قليلا.."
صاحت بها زهراء، وصيفة الملكة فيروزة ومساعدتها الشخصية حين انتبهت لإهمالهم بتعليق اللوحة.
ظهر الضجر على وجه أحد العمال الذي رد عليها متأفأفا:
ـ هل سنواصل تعديل وضع هذه اللوحة حتى الصباح؟
ـ إن رأيت أن الامر يتطلب ذلك، فسنفعل…
ـ ولماذا لا تصعدي أنتِ إلى هنا وتضبطيها كما تشاءين؟
ـ يا لك من وقح، أتظنني أعبر عن رأيي الشخصي هنا؟ أتود أن تفسد مفاجأة الدوق للملكة وتواجه عاقبة ذلك معه رجل لرجل؟
ـ دعينا نستريح قليلا إذن يا سيدتي، أنهكنا العمل هنا.
قهقهت زهراء هنا وأشارت نحوهم جميعا تحثهم:
"تعالوا جميعا، أوصيتهم بتحضير كعك الليمون من أجلكم بالمطبخ.."
وبينما يبتعد صوت زهراء وقهقهات العمال مع اقترابهم من المطبخ، دخلت نسمة ربيعية وداعبت الغطاء الذي اخفى معالم اللوحة وأسقطته عنها، كاشفا عن صورة زيتية بديعة للعائلة الملكية الحاكمة، الدوق على اليسار ببذته العسكرية الأنيقة يضم الملكة فيروزة نحوه بذراعه الأيسر، وعن يمين الملكة رسم الفنان تصوير للملك الراحل سهيل يحيط بكتفي ابنته الصغرى في حنان أبوي جم، وعلى ذراع الدوق الأيمن كان الأمير مراد ولي العهد مستقرا نائما.
-تمت بحمد الله
يتبع روايات جديده وحصريه اضغط هنا
•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية