رواية زواج اشتراكي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هيام عمر
الفصل الحادي عشر:
في الغد بعد أن أنهيا عملهما في الشّركة طلبت منى من عزيز أن يقوم بإيصالها الى منزل صديقتها لزيارتها، فلبّى طلبها وغادر بعد أن أوصاها بالاتّصال حالما تعزم المغادرة.
التقتها أحلام بالأحضان وراحت تعدّ عصيرا جلبت معه بعض الحلويّات وجلست معها في غرفة الجلوس ليتشاركا مستجدّاتهما.
صاحت أحلام هاتفة بعد سماع صديقتها:
_" أعتقد أنّ أذني تعاني خطبا ما، أعيدي ما قلت."
ابتسمت منى في خجل وأعادت في صوت خفيض:
_" أعتقد أنّني قد وقعت في حبّ عزيز."
أطلقت صديقتها زغرودة أفاقت بها جيران الحيّ ثمّ أضافت مستفسرة:
_" كيف حدث ذلك، لقد فعلت المستحيل لجعلك تتقبّلينه دون أيّ نتائج تذكر، ما الذي فاتني في هذه الفترة القصيرة."
_" لم تفوّتي شيئا، بل أنا من فعلت. لقد أهدرت الكثير من الوقت متشبّثة في رأي تبنّيته دون تفكير، أن أكون أنا من يختار شريك حياتي.
في تمسّكي بهذا الرّأي المتحجّر نسيت أنّ الاختيار اختيار قلبي ولا رأي فيه لعقلي البتّة."
تبسّمت مسترجعة في ذاكرتها لقطات جمعتها بعزيز ثمّ واصلت:
_" نسيت أنّ قلبي قد اختاره ومال اليه منذ أوّل لقاء، لقاء الطّفولة وكذا اللّقاء الذي أذكره حين تعارفنا لتدبير زواجنا، لكنّه عنادي ما حال بيني وبين قبولي لتلك المشاعر التي دقّت أبواب قلبي رغما عن الأجواء التي كان فيها."
سألت أحلام بلهفة والبسمة لا تزال تعلو وجهها:
_" هل يعرف عزيز بما تكنّين له؟ أيبادلك ذات الشّعور؟"
فركت منى يديها بقلق مجيبة:
_" لا يعلم، لم أخبره بعد. لم يمض الكثير من الوقت منذ أدركت حقيقة مشاعري وأنت أوّل شخص خطر لي اخباره."
_" لا تقلقي، كما أحسنت قراءة مشاعرك حينما كنت تجهلين ترجمتها، أعتقد أنّ نظرتي لعزيز أيضا لن تخيب، لا بدّ أنّه أيضا يكنّ لك المشاعر وربّما أبكر ممّا قد تظنّين."
اقترحت أحلام على صديقتها اعداد عشاء رومنسيّ وجوّ مناسب للاعتراف لعزيز بمشاعرها وأن تبوح له دون التّفكير المفرط بم سيكون ردّه حول الأمر.
رغم صعوبة الأمر عليها الّا أنّ منى قرّرت الأخذ بنصيحة صديقتها ووصيّة والدها أيضا بما أنّ الحياة قد اختارت لها أخيرا هذا التّوقيت لتلك المشاعر.
أنهت الفتاتان حديثهما وغادرت منى على توصيات صديقتها بأن تخبرها بكلّ جديد أوّلا بأوّل. عاد عزيز لمرافقة منى الى المنزل، وحالما ولجت الفتاة الى السيّارة لاحظت مجموعة من الهدايا المغلّفة بين الكراسي الأماميّة والخلفيّة للسيّارة فأحسّت بالغبطة وبصيص من الأمل بأن يكون هو أيضا يبادلها الحبّ والّا فلم يتكبّد عناء الهدايا ولم دائما ما يهتمّ لأمرها ويفكّر براحتها حتّى بعد كلّ محاولاتها الاستفزازيّة لنبذه.
لم تنم منى تلك اللّيلة وهي تفكّر بالطّريقة المثاليّة لقول ذلك وماذا ستعدّ على العشاء وكيف ستزيّن المكان وما عساها ترتدي...
في الغد، بعد أن أنهيا عملهما عادت منى الى المنزل مسرعة لإعداد العشاء مبكّرا حتّى تجد الوقت لتجهيز نفسها.
حين أصبح العشاء حاضرا انتقلت الفتاة الى غرفتها للاستحمام ثمّ موّجت شعرها واختارت تطبيق اطلالة ناعمة بمساحيق التّجميل لإبراز ملامحها، مع لون ورديّ على شفتيها يتماشى مع لون فستانها. ثمّ حملت حذاءها ذو الكعب العالي معها لارتدائه آخر وقت واتّجهت الى الطّاولة التي غيّرت مكانها الى الشّرفة لتنصب عليها الطّعام الذي أعدّته.
كانت قد أنهت كلّ تحضيراتها حين سمعت صوت الباب يفتح معلنا عن عودة عزيز.
دخل عزيز المنزل ليجده محاطا بالظّلام وظنّ أنّ منى قد خلدت الى النّوم، الى أن قادته قدماه نحو بصيص الضّوء المتراقص للشّموع التي احتلّت مكانا على طاولة العشاء.
بقي متجمّدا مكانه ينظر بدهشة لمنى التي تقف بكلّ زينتها أمامه تتفحّصها عيناه بإعجاب كأنّهما تريانها للمرّة الأولى.
تقدّم نحوها بخطوات بطيئة متردّدة وعانقها دون أيّة مقدّمات.
ظلّا على ذلك الحال برهة من الزّمن ودّت منى لو أنّها كانت أطول ثمّ جلس أمامها على الطّاولة وقد تركها واقفة غير مدركة ما تفعل وقال:
_" ما هذا الجمال؟"
وقبل أن تخطأ فهمه أضاف مفسّرا:
_" تبدو هذه الأطباق شهيّة للغاية، منذ متى تخفين هذه الموهبة؟"
لم تعلّق الفتاة على تجاهله لها واكتفت بأن ابتسمت مجيبة:
_" أردت أن ننعم بعشاء هادئ لمرّة على الأقل."
ابتسم عزيز مضيفا:
_" هادئ؟ إذا فقد بالغت قليلا في التّحضير، اذ لا تبدو كلمة هادئ منصفة لوصف كلّ هذه الأجواء."
احمرّ وجهها خجلا وقالت مجيبة ايّاه:
_" دعنا لا نصفها اذن، فلنتناول طعامنا في صمت."
لم يفهم عزيز، رغم محاولته استفزازها للبوح، سرّ هذا العشاء الرومنسي المفاجئ، غير أنّه انصاع لرغبتها في الهدوء ولازم الصّمت بينما يتناول عشاءه متمعّنا النّظر اليها، تتشبّث عيناه بعينيها كلّما التقتا.
أنهيا طعامهما ثمّ أضافت منى ممهّدة:
_" لم أستطع رغم كلّ هذا الوقت بيننا أن أفهمك، الّا أنّني رغم كلّ تصرّفاتي التي تدعوها بالصّبيانية والتي قد تعطيك فهما خاطئا عمّا أكنّه لك، أنا ممنونة كلّ الامتنان لوقفتك مع رغبة والدي أوّلا ولمعاضدتي وحقيقة أنّك صرت سندي بكلّ ما للكلمة من معنى من بعد والدي وطوال الفترة المنصرمة."
صمتت قليلا تجمع كلماتها بينما يكاد قلبها يخرج من بين ضلوعها من فرط توتّرها.
كان عزيز ينظر اليها في صمت يحاول استنتاج ما تريد ايصاله، لكنّ فترة صمتها طالت قليلا فقال مستفسرا:
_" أنا حقّا لا أفهم ما الذي جعلك تتحدّثين عن كلّ هذه الأمور فجأة، أتقولين أنّ هذا العشاء بمثابة تعويض؟ ان كان الأمر كذلك فأنا أريد أن أطلب تعويضا أكبر."
فأجابت الفتاة ملقية برأسها نحو الأرض في صوت خفيض:
_" لا، العشاء لم يكن التّعويض، لقد كان طريقتي لوداعك."
اختفت البسمة التي كانت تعلو وجه الفتى وحلّت محلّها آثار الصّدمة بينما واصلت الفتاة حديثها: _" لقد عملت ما عليك على أحسن وجه وأنا لا أستطيع أن أطلب منك أن تفعل أكثر.
لقد أصبحت الآن مديرة أعمال بشهادتي ومع القليل من الخبرة التي تعلّمتها منك ومن والدي صرت قادرة على التّعويل على نفسي من الآن فصاعدا.
لا أستطيع أن أبقيك حبيسا لهذه العلاقة المزيّفة وأحرمك اكمال حياتك أطول من هذا."
ظلّت عيني عزيز تطالعانها في دهشة بينما انهت جملتها:
_" أريد أن نلغي هذه الزّيجة التي لا أساس لها."
خلعت الفتاة حذاءها وحملته مغادرة، تاركة عزيز صامتا في دهشة لا يدري ما يفعل.
كانت عيناها مغرورقان بالدّموع وهي تهمّ بتغيير ملابسها تنفض عنها عبراتها متذكّرة التفاصيل التي قلبت يومها الرومنسي الى يوم الفراق
•تابع الفصل التالي "رواية زواج اشتراكي" اضغط على اسم الرواية