رواية انين هوى الفصل العاشر 10 - بقلم امنية مصطفى
"يا دهرُ عندكَ لي ثأرٌ سأُدرِكُهُ حتى ونابُكَ في ضِلعيَّ ينتهِشُ".
تميم البرغوثي.
بعد مرور يومين..
" جلالة الملك، الدوق يامن يقود فرقة كاملة من المنشقين عن الجيش نحو القصر الملكي العالي الآن.."
كانت تلك العبارة التي ألقاها مستشار الملك المزدهر على مسامعه مقتحما قاعة العرش إذانا بتعميم النفير العام في كل أنحاء المملكة.
لم يقدر مزدهر على أن يواري شتات نفسه وشدوهه إثر ما سمع. فرغم الهلع الذي لازمه منذ الليلة التي تسللت فيها فيروزة إلى جناحه بقصرها ومحاولتها قتله، لم تصل مخيلته بالاستنتاجات إلى هذا الحد…لقد استهان بيامن دائما، والآن يدرك عاقبة ذلك…لقد كان الدوق جريئا حازما، ودقيقا طوال الوقت، أما هو فكان متحفظا مختالا، لا يهمه شيء سوى فرض سيطرته على كل من يفوقونه فطنة…عاش مزدهر حياته كلها يحاول إثبات جدارته دون أن يبذل أي جهد…ظل يؤمن حتى لحظته هذه بأن دمه الملكي الرفيع، وقدره الذي جعله يولد أميرا ووريثا للعرش يعطي له الحق بالدوس على رأس أي مجتهد يحاول إثبات جدارته على حسابه.
الآن غروره لن يسعفه في إنقاذ عرشه، وسرعة بديهته التي أدرك أهميتها اليوم لن يعينه الوقت على استدراك مصيبته بها، لأن سلمى بزوبعتها وجنونها اقتحمت عليه قاعة العرش وقطعت حبل أفكاره المتشابك صارخة:
ـ أرأيت؟ يامن وجنوده على أعتاب القصر…
ـ ما هذا الهراء الآن؟
ـ أنظر بنفسك…
تركته مشلول عن الحركة موضعه، وهرعت تفتح الستائر وتشير من النافذة نحو بوابة القصر العالية.
اقترب بخطى متلجلجة نحو النافذة، ورأى حراس القصر يقعون واحدا خلف الآخر، لمح النهايات تلوح له على مرمى البصر وتحكم الخناق عليه في كل لحظة تمر عليه هنا…لم يكن يتوقع أن تكون حركته سريعة هكذا، فلم يمضي سوى ساعة واحدة منذ علم بأنه سيقتحم القصر قريبا.
أما سلمى، فتركته والتفتت راكضة من فورها حين لمحت الحارس الأخير لبوابة القصر يسقط مصابا تحت نصل يامن، اوقفها مزدهر ممسكا برسغها مشدوها:
ـ إلى أين؟
ـ لن أدعه يدمر ما عشت أحاول تحقيقه…
ثم نفضت كفه عن معصمها وولت مدبرة..
وحينها فقط استجمعت رأسه شتاتها وأخذت توجهه بالتصرف في الحال. صرخ بحارسه الخاص في حزم:
ـ أحضروا سيفي والدرع في الحال…هذه المملكة لن تحمل على أرضها سوى أحدنا اليوم..إما أنا أو أنت يا يامن.
ـ أمرك يا جلالة الملك.
مرت الدقائق التالية عليه كسنين عجاف، ترش مخيلته على جروح هلعه أطنان من ملح اليأس والهزيمة.
تولى مستشاره الذي عينه بعدما عزل يامن من المنصب أمر جمع القوات المسئولة عن أمن القصر وسلامة الملك، وحين دلف مزدهر لغرف الاجتماعات تلك، رأى فقدان الأمل يبتسم له في شماتة على وجه كل جندي من جنوده، وكان ذلك كافيا ليلجم لسانه عن النطق.
حمحم مستشاره حين طال صمته، فأطال النظر نحوه في وجوم ثم أردف:
ـ ليقدم كل منا روحه فداء لمملكة الجنوب اليوم…ولنضرب الخونة بيد من حديد.
ثم ضرب بقبضته على الطاولة أمامه، قبل أن يستطرد:
ـ لكم مني كل الصلاحيات في تفادي هذا الهجوم..
ثم لاذ بصمت قصير قبل أن يكمل:
ـ ولكم أمري بقطع عنق كل من تخول له نفسه بالوقوف في صف الدوق يامن…حتى وإن كانت الأميرة فيروزة.
وأعطاهم إشارة التحرك وبقى هو خلفهم، وحيد في الغرفة، يستجمع ما بقى لديه من جسارة، ويمني نفسه بعمر طويل على العرش حين يتمكن من الخلاص من هذه الشوكة العالقة بحلقه منذ زمن.
عدل من درعه على صدره، وتمم على سيفه وخنجره، ثم وارى التوتر الذي يفتك بقلبه خلف ثوب الخيلاء وخرج من الغرفة إلى مصيره.
وبساحة القصر الواسعة، كان يامن مايزال يكابد عناء ما تبقى من الحراس المسئولين عن الأمن بداخل القصر.
وحين لمحه مزدهر بينما يخطو خطوته الأولى على بعد عدة أمتار، حث خطاه وركض نحوه يبتغي الخلاص في دقائق الحرب الأولى.
وعلى مسافة خطوات معدودة، أخرج السيف من غمضه، زفر زفرة الأستعداد، ورفع النصل في الهواء، وحين قرر أن يهوي على عنق عدوه اللدود، ظهرت فيروزة أمامه، وحالت بينه وبين زوجها في لحظة خاطفة…
●●
قبل يومين من الاقتحام..
" هل أفسدتُ كل شيء، وانتهى أمرنا؟"
كانت نبرتها ترتعش مع كل كلمة تخرج من بين شفتيها. بدد صوتها المتهدج إثر غصتها التي جاهدت في كتمها الظلام حولهما، وحين طال انتظارها لرده عليها، سرت قشعريرة اليأس بأوصالها.
كانا لا يزالان مستلقيان بالفراش، وكانت هي تستعيد وعيها رويدا رويدا، حتى توصل بها ادراكها إلى استيعاب تهورها الذي أقدمت عليه في ذات الليلة.
استدار يامن نحوها متنهدا وعاود عناقها يمسد على خصلاتها متفكرا، ثم أردف:
" أعلم كم هو مؤلم أن يُصفع المرء بكل هذه الحقائق الفجة فجأة، ولكن يا حبيبتي كدتِ تسمحين لهما بجعلك الخائن الوحيد في هذه القصة.."
تناهى لسمعه همهمات بكائها المكتوم، فشدد العناق، ثم استطرد مقررا:
" محاولة قتل الملك… أمام الجميع ودون دلائل تدينه وتدعم موقفك، كل ذلك كان سيضعنا جميعا في مهب الريح..أنتِ، أنا، وطفلنا…طفلنا الذي لا يستحق واقع كهذا الذي يحاصرنا ويحكم خناقه على أعناقنا."
ثم تسللت أنامله بهدوء تلمس بطنها، يدعم فكرته، ويذكرها بجنينها الذي أسقطته سهوا من حساباتها في خضم رغبتها الجامحة في الانتقام.
واصل مواساتها بنبرة هادئة حين تعالى نشيجها في الظلام:
ـ دعيني أتصرف…دعيني أجعل الجميع يقف لهما بالمرصاد، فلا خائن في هذه المملكة يستحق أن تناله أيادي القصاص بقدرهما.
ـ وماذا ستفعل؟
ـ سأعيد عرش الملك سهيل لمن يستحقه…
●●
قبل يوم واحد من الاقتحام..
كانت أنامل فيروزة الباردة ترتعش براحة يد يامن التي عانقتها منذ تسللا لهذا المكان المعزول عن الناس.
حين أحس بقلقها ينبعث إليه إثر ارتجافاتها المتقطعة بين فينة وأخرى، طالعها بعينين تتوسلان، ونطق متمتما:
ـ لا داعي للقلق…لم يحن موعد الاجتماع بعد، قصدت أن نصل باكرا حتى لا نثير الشكوك بكثرة عددنا.
ـ لماذا أصررت أن آتي معك؟ يامن… سأفسد الأمر مجددا.
أفلت يدها من قبضته ولامس كتفيها يقربها نحوه، ثم تنهد مردفا:
ـ اسمعيني جيدا…لا يجب أن يرى أي مخلوق مخاوفك واضحة هكذا على ملامحك، حتى وإن كان أنا، و….
قاطع استرسال حديثه طرقات خجولة على باب المنزل، فترك فيروزة وتسلل بهدوء نحو الباب، ثم أرهف السمع بعدما طرق هو طرقتين من الداخل، وحينها وصلته الاجابة من الطارق:
" ال..م..ف"
وفي ذات اللحظة، كان يفتح الباب متعجلا ويسمح لذلك الزائر بالدخول على الفور.
"حضرة الدوق، سمو الأميرة، البقية من قادة الجيش المنشقين عن صفوف الملك قادمون خلفي ليعلنوا الولاء الكامل لخطتكما في انقاذ المملكة.."
انحنى القائد أمام الأميرة ثم تقدم لداخل مكان التجمع حين أشار له الدوق بذلك.
التفتت فيروزة نحو يامن بسرعة حين ابتعد الرجل عنهما قليلا، وعيناها تسكبان من بئر الهلع من المجهول دلاء لا تعد ولا تحصى، فرد عليها هو دون أن تنطق:
" سيتضح لكِ كل شيء بعد قليل…لا داعي للهلع."
مرت ربع ساعة، سبقها تسلل باقي الأفراد المعنيين بهذا الاجتماع السري، وتحلقوا حول طاولة تتوسط غرفة داخلية بذلك المنزل المهجور.
دلف مروان بعدما تأكد من وصول جميع القادة الذين تواصل معهم بنفسه من أجل تنفيذ خطة الدوق، وأقترب من يامن هامسا :
ـ سأكون بالخارج مع رجالي..تعرف كيف تناديني حين تحتاجني.
ـ على إشارتنا.
ثم ربت على كتف مروان ممتنا قبل أن يلتفتت الأخير مغادرا المكان.
كانت فيروزة تقف على بعد خطوات من مركز التجمع بركن، وحيدة تراقب بعينين زائغتين في ترقب، ولكن يامن قاطع شرودها في أيكة القلق وسحبها من كفها نحو رأس الطاولة، وأوقفها أمامه بينما افتتح الاجتماع مقررا:
" قبل أن نتفق على خطتنا، ليرفع يده من يبايع الأميرة فيروزة كملكة لمملكة الجنوب.."
وفي تلك اللحظة فقط هوى قلب فيروزة بلج من رعب لا حدود له، والتفتت في هلع نحو زوجها تكذب أذنيها، بينما هو كانت تبث بعقله صور لا تنقطع من ذكرى أيام لها فضل في وصول هذه القصة لنهاية قاسية كتلك التي تقترب…
●●
قبل خمس سنوات..
عاد الدوق لزنزانة الأمير سليم مرة أخرى بعد أيام لا يذكر عددها، أقيم عزاء ضخم للملك الراحل، وضرب ثوب فيروزة الأسود وأساريرها الباهتة فؤاده في مقتل…وما أخر التحقيق أكثر كان صدمته التي منعته عن إستيعاب الجريمة التي سلبته قدوته، قائده وأبوه الروحي قطرات الماء التي يقبض أنامله عليها.
" دعنا نبرم اتفاق يا سمو الأمير؛ أخبرني بكل شيء دون إسقاط حرف واحد، ولك مني تأخير الحكم عليك حتى أثبت براءتك إن أقنعتني.."
رفع سليم رأسه مبتسما باستهزاء بيّن حين سمع اقتراح الدوق، وما لبث إلا أن نطق مقررا:
" أتعلم أنك سبب رئيسي فيما وصلنا إليه اليوم؟"
بانت الدهشة على وجه يامن إثر سؤال الأمير، فبدد الأمير دهشته مستطردا:
"كنت الشخص الوحيد الذي تجرأ ورفض سلمى، لقد تحول حبها لك إلى جنون ساحق حين لم تقبل الزواج بها، وها نحن نجني ثمار هذا الرفض يا حضرة الدوق…"
تلعثم الدوق مصعوقا وسأل متلجلجا:
ـ أتزوجتها وأنت تعلم كل هذا؟
ـ ما كان ليمنع تلك الحرب الوشيكة بين مملكتي ومملكة الجنوب غير هذا الزواج..لكني لم أكن أعلم بالتفاصيل سوى بعد الزفاف، نظراتها المتناقضة نحوك دائما كشفت مكنونات قلبها.
ـ وكيف يثبت كل هذا براءتك من التهم المنسوبة إليك؟
ـ بعض حراسي الشخصيين أسروا إلي بشكوكهم نحوها ولكني كذبتهم…
ـ وما الذي تضمنته هذه الشكوك؟
ـ حارسي الشخصي سمعها تخطط لقتل أحدهم مع الأمير مزدهر بغرفتها القديمة بالقصر الملكي، وكانت الخطة تنتهي باتهامي بهذه الجريمة.
ألجمت الصدمة لسان يامن وأمسكت ثغره عن النطق، أقتل الأميرين الملك بدم بارد؟
هز رأسه في هذه اللحظة، وتبادر لذهنه إحتمالية أن يكون سليم يلعب على عقله الباطن ويخدعه، فالتفت له متشككا وأردف:
ـ وما دليلك على ما أدليت به الآن؟
ـ يمكنك أن تطلب شهادة حراسي الشخصيين..
ـ أولئك الذين جلبتهم معك من مملكة غلوراف وهم على استعداد تام ليفدونك بأرواحهم، هذا يثبت إدانتك يا سمو الأمير.
ـ حارسي الذي سمع خطة سلمى ومزدهر هو نفسه الحارس الذي عينه الملك سهيل لضمان أمني بمملكة الجنوب…
ثم لاذ الأمير بصمت قصير، قبل أن يباغت الدوق مستطردا:
ـ يا حضرة الدوق، أنا محبوس هنا، وفاقد للأمل تماما، أما أنت فلك السلطة وكامل الحرية في تحري حقيقة ما أخبرتك به، وأعرف جيدا أنك رجل صاحب عزم لا يقهر، إذا أردت شيئا نفذته ولو على رقبتك.
حينها فقط، لمس يامن صدق الأمير ويأسه الجم من النجاة من هذا الفخ القاتل..
●●
كانت الذكرى تتبادل الأدوار مع واقعه، وصوت الأمير سليم يتداخل مع أصوات قادة الجيش المنشقين بالاجتماع.
" إذن يا سادة، أظن أن جميعنا متفقون الآن، ألدى أحدكم اعتراض على التنفيذ غدا؟"
ألقى يامن على القادة سؤاله متنهدا، ولكن الوقت لم يسمح له بتلقي الجواب، لأن مروان دخل في عجل وهمس له متوترا:
ـ جواسيس سلمى على بعد أمتار من هنا…
ـ أمن المخارج السرية للسادة فورا يا مروان.
أومأ له مروان مهرولا نحو الخارج، بينما تناهى لمسامع الجميع طرقات الجواسيس العنيفة وأصواتهم الآمرة:
" افتح الباب فورا بأمر الملك مزدهر…لا تجبرنا على العنف يا حضرة الدوق."
●●
يوم الأقتحام..
جحظت عيني مزدهر حين أدرك أن سيفه الذي كاد ينهي حرب قبل أن تقام قد تفادته أخته الصغرى بسيفها ببراعة، وبحركة خاطفة أوقعت نصله من بين يديه وجلجل صوتها بساحة المعركة صائحة.
انتبه يامن لصوتها فالتفت نحوها ورآها في مواجهة مزدهر، ترفع سلاحها بجسارة وتتفادى ضرباته بعدما استعاد سيفه بينما يستهزئ هو بها:
ـ تمسكين السيف ببراعة يا أختي
ـ ألم أتعلم منك يا أخي؟…
تأوهت حين أحست بقوته تفوقها وشعرت بأن مقاومتها تتضاءل في منع سيفه من الوصول لها.
رفع مزدهر رأسه صدفة، فلمح يامن من بعيد يكاد يتمكن من دخول القصر بقواته، فدفع فيروزة أرضا بغتة وتمتم بينما يتخطاها:
"حربي ليست معكِ، ابتعدي عن طريقي…"
وحين انتبه يامن لزوجته التي سقطت على الأرض في طريقه إليها، باغته مزدهر بلكمة قوية أحس على إثرها بالأرض تميد به وبطنين مميت يخترق أذنيه.
رفع يامن رأسه حين خف الطنين عن بث الدوار برأسه، وابتسم مستهزأً بخصمه:
ـ أراك وقد أصبحت جريئا يا جلالة الملك…فاجأتني.
ـ سأحرص أن يكون هذا آخر ما قد تراه عيناك إذن..
ـ وأصبحت تهدد علنا أيضا؟
أستفزه يامن بحديثه، فرفع نصله وحاول إصابته، لكن الدوق كان متيقظا عكس ما بدى عليه وتفادى الهجمة مبتسما:
ـ لدي خبر سعيد لك يا سمو الملك…لابد أن مجلس الأمة الآن يعلنون قرار عزلك في ساحة الاحتفالات بوسط المملكة.
ـ أتظنني سأقع فريسة لأكاذيب خائن مثلك؟
قهقه يامن هنا بينما تواصلت الضربات على جبهتين بينهما، ثم أردف حانقا:
ـ تكذب الكذبة وتصدقها إذن، رائع!
ـ دعني أخرسك للأبد إذن…
وأخرج مزدهر خنجره بغتة من غمضه وكاد يطعن الدوق في غفلة منه، لكن نشوى الزفر التي علت أساريره دمرتها آهات الألم إثر سيف فيروزة الذي أصاب ظهره بجرح على امتداد طوله من الخلف.
صرخت فيروزة حتى يتمكن زوجها من سماعها:
" أستطيع قتلك يا مزدهر، خطأك الوحيد أنك تستصغر أمري دائما.."
سقط أخوها أمامها راكعا من شدة الألم، فالتفت لتواجهه وجها لوجه، ثم أستطردت متشفية:
"قاتل مثلك لا يجب أن يقتل في زحمة القتال هكذا، بل يجب أن يشهد الجميع نهايتك لتكون عبرة ومثال مخجل في تاريخ ملوك المملكة."
وأنهت حديثها بركلة ملؤها الغيظ جعلته يفترش الأرض مخروسا مربوط اللسان.
في ذات الحين كان يامن مشغولا بأمر مستشار مزدهر الذي أتى لنجدته حين رآه في مأزق.
أصبح يامن بعيدا عن زوجته عدة أمتار، ولكنه كان حريصا على أن يكون موقعه يسمح له بمراقبتها والتأكد من سلامها في خضم قتاله المحتدم.
ضاق زرعا بمستشار مزدهر ذاك فلكمه لكمة قاتلة أفقدته الوعي وأبعدته عن طريقه. وحين زفر الضيق الذي تملكه بسبب ذلك الرجل، لمح من بعيد ظل يهرول بطرقات القصر ذات النوافذ المطلة على الساحة الكبيرة..وعندما دقق النظر بذلك الخيال، رآه يثبت قوسه بأحدى الشرفات، ويحدد هدف سهمه بحذر، وحين تتبع الدوق اتجاه السهم تبينت له هوية الظل ذاك.
نبس بهلع جلي:
"سلمى…"
هرع نحو زوجته صارخا ومناديا بحسرة:
" فيروزة….فيروزة…انتب…"
وقبل أن يتم تحذيره لها كان السهم قد انطلق بالفعل نحو الهدف.
وحين تمكن من الوصول لها، أخترقها سهم أختها الغادر وأفقدها التوازن، وعندما كادت تسقط أرضا لحق هو بها وعانقها يحول بينها وبين أي بادرة غدر جديدة…
ركع بجسدها أرضا يتفحصها ملتاعا ومرتعشا، فرأى أن السهم أصاب كتفها، لكنها تعاني لتنظم أنفاسها الآن، رفعت كفها الذي تلون بدمائها القانية ولمست به صدغه، ونبست مختنقة:
" لا بأس…لا بأس، أنا بخير"
خانته عبراته وشوشت رؤيته، وتكالبت الغصة ولسعتها الحارقة على حلقه، وحين رآها تفقد وعيها من شدة الألم، صرخ بالجميع حوله وقد أدرك أقتراب النصر وسقوط غالبية جنود مزدهر:
"أحموا الملكة…أحموا الملكة!"
تمكن بعض القادة المتحالفون من تأمين عربة وبعض الجنود لنقل الأميرة المصابة بعيدا عن ساحة القتال، وفي ذات اللحظة رأى يامن مزدهر يستعيد وعيه ويتجه مترنحا نحو مروان الذي انشغل بأمر أثنين من جنود الأعداء وحيدا.
هب يامن لنجدة صديقه، وباغت مزدهر من الخلف يقرب خنجره من عنق الملك الجريح،كان مزدهر يلهث من شدة الإرهاق والوهن، فصاح يامن بمروان حين انتهى من أمر الجنديين:
" مروان…سلمى، لا تدعها تخطو خطوة خارج القصراليوم…فيروزة تريدها حية."
انهى أوامره مشيرا نحو موقعها، فأومأ له مروان وهرول مسرعا نحو طريق مختصر لا يعلم بأمره سوى حرس القصر أمثاله.
في ذلك الحين تعالت صيحات النصر من عدة جبهات قتالية، حرس القصر سقطوا جميعهم تقريبا، والآن فرغت الساحة على الملك والدوق، وفرغت رأس يامن كذلك من كل شيء سوى كل مواقف مزدهر المخزية منذ توج وريثا للعرش بعمر السادسة عشر..
كل اعتراضاته غير المبررة على قرارات الملك سهيل في أمور الحرب، عناده وغروره وغيرته المستفزة من دعم الملك سهيل لآراء يامن وتقديره لكل كلمة ينطق بها…ورغبته الجامحة في خوض الحرب مع مملكة غلوراف رغم كل المؤشرات التي أكدت أنهم خاسرون لا مفر أمام تطور أسلحة جيرانهم بغلوراف، وأن معاهدة السلام معهم هي الحل الوحيد.
كان مزدهر دائم التكبر، حتى أنه في النهاية صور له غروره بأن والده لم يعد يصلح كملك، ظل يراه جبانا، وواصل مناداته ب"العجوز المتخاذل" في خلواته بعصبته الداعمة لأفعاله المتهورة.
ثم كان ذلك اليوم الذي كاد فيه الدوق يصل للشاهد الوحيد الموثوق في قضية تسمم الملك، وحين حدد موقعه، وهب لاستجوابه، فاجأه مزدهر بيقظته وترقبه لكل خطوة يخطوها هو، كان مزدهر يسبقه بخطوة واحدة للمرة الأولى.
أبلغه مروان بأن مزدهر عثر على الحارس الشخصي للأمير سليم وأمر قواته باعتقاله، استشاط يامن غضبا وتأكد لديه صدق الأمير، لقد وقع الرجل ضحية الغدر بالفعل، وفرصة الدوق الوحيدة لتخليصه تنزلق من بين أنامله بغتة الآن.
أقتحم يامن غرفة العرش دون أن ينتظر إذن الملك الجديد، فألجمته الصدمة حين رأى الشاهد الذي قلب المملكة رأسا على عقب بحثا عنه يقف الآن أمام مزدهر منكس الرأس.
هلل مزدهر حين رأى يامن تتقاطر الدهشة من مقلتيه:
ـ حضرة الدوق، تعال، تعال…بلغني أنك تبحث عن هذا الشاب، فجلبته لك بنفسي.
ـ إذن كان الأمير سليم محقا في كل ما قال؟
ـ ذلك الخائن سيعدم غدا…نسيت اخبارك، انا آسف.
تزعزع ثبات الدوق، وانقبض قلبه، ثم تمتم مقررا:
ـ لا يمكنك فعل ذلك دون أن أشير أنا بنهاية التحقيق، يا سمو الأمير.
ـ التحقيق انتهى بالفعل، دعني أريك…
ثم نزل عن العرش، أخرج خنجره من غمضه، وبحركة غير متوقعة جز عنق الشاب المسكين الذي كان يملك بذرة امل أخيرة لنجاة الأمير سليم بدم بارد.
نفض مزدهر يديه من الدماء التي تناثرت عليها إثر فعلته المتبجحة، ثم نقر بسبابته على كتف الدوق مستطردا:
ـ هل صدقتني الآن؟…إنك عنيد منذ طفولتك يا يامن، وهذا هو ما سينتج عنه عنادك إن واصلت التمسك به.
ـ كنت أبحث عن قاتل الملك بكل مكان، وغاب عن عقلي تماما أن الملك كان يربي قاتله تحت جناحيه.
ـ آهٍ يا حضرة الدوق، يا لك من قليل التركيز، هل ناديتني منذ قليل بسمو الأمير؟
ثم كور قبضته وضرب يامن بها ضربة خفيفة على صدره مردفا بغيظ:
ـ لا تدعني أسمعك تناديني بلقب غير يا جلالة الملك ثانيةً، أفهمت؟
وهكذا، عاد يامن للمرة الأخيرة إلى زنزانة سليم، وعكس المرات السابقة كلها، دلف منكس الرأس، مشتت الذهن، وتغزو رأسه كل الأفكار المتهورة.
طالع الأمير بخيبة أمل جلية، وأردف مقررا:
ـ قتل مزدهر الشاهد الوحيد أمام عيناي.
ـ لا بأس يا حضرة الدوق، لم أكن أتوقع نهاية أخرى لحياتي الحافلة هذه.
تنهد الأمير مبتسما بإنكسار، وواصل بمقلتين مشوشتين إثر الألم الشديد الذي غزا صدره:
"عشتُ حياة طويلة في الظل، وها أنا اليوم أموت تحت أضواء المملكة كلها…أليست تلك نهاية مستحقة؟"
أخفض الدوق رأسه يخفي تأثره الشديد ببكاء الأمير المغدور على أطلاله المؤذية، فاستطرد الأمير ينظر نحو الفراغ كما لو كان شريط حياته يبث أمام ناظريه للمرة الأخيرة:
" كنت أظن أن تولد الأبن الأصغر لحاكم المملكة هو أقصى أنواع الحظ العسير، فلا أنت وريث للعرش، وغالبا لم تكن في حسابات والدك الملك حين قسم المهام على اخوتك الأمراء، وبالتالي لست بشخص يمكن لرأيه أن يهم أحد…ولكني لم أتخيل قط أن بزواجي من سلمى سأكسر رقما قياسيا جديدا في سوء الحظ هكذا.."
طالعه يامن بقلة حيلة حينها، أراد أن يواسيه، ولكنه أدرك في اللحظة الأخيرة أن لا شيء قد يقلل من وطأة موقف كهذا على قلب رجل يسير بخطى متعثرة نحو الموت الأكيد، فتركه يواصل حكاياته، فلابد أنه الشخص الأخير الذي سيستمع له في حياته، وكانت تلك الفكرة باعثة للقشعريرة بجسده ومخزية له ولفشله في انقاذه بشدة.
" لم يتم أخذ رأيي في قرار زواجنا ذاك، تقرر الأمر في اجتماع مجلس الحرب الذي لم يُسمح لي بحضوره، اقترح الملك سهيل أمر المعاهدة، فرأى ابي أنه لا بأس بإرسالي إلى هنا والزواج من ابنة الملك الكبرى. هكذا يكون له عين بأرض حلفائه، ويزفر هو بنسبٍ رفيع."
سكت الأمير لوهلة ثم التفت نحو يامن حين أدرك أمر ما، مردفا:
" ربما لهذا تمكنت سلمى من إيقاعي بفخها، حين تزوجنا أعجبت بشخصيتها القوية، ورأيت أنها الزوجة المناسبة التي لم أكن لأجدها حتى وإن بحثت بمملكتي لنهاية حياتي، أدركت هي هذا، فهمت أنني كنت أنتظر منها أي اشارة بالقبول واستغلت ذلك حين قررتْ فجأة أن تعطي لزواجنا فرصة في زيارتنا الأخيرة هذه للقصر الملكي، كدت أفقد عقلي إثر تصرفاتها التي تثبت صدق اقتراحها، لهذا لم أفكر مرتين حين طلبت مني أن أعاونها في إعداد وجبة والدها المفضلة، طار عقلي لحظتها، أحببت شعور أن يقحمك أحدهم في شيء يخصه، وغمرتني غبطة أن يصبح لرأيي المنبوذ أهمية تذكر."
لاحظ الأمير المخذول صمت الدوق الذي طال، فألقى بكرة الحديث في ملعبه مقترحا:
ـ عليك ألا تترك فيروزة وحدها بينهما، تزوجها في أسرع وقت وأبعدها عن جحر الأفاعي هذا..
ـ فيروزة؟!
ـ من يقتل والده طمعا، ألا يمكنه قتل أي مخلوق يعيق تحقيق رغباته؟…وجميعنا يعلم كم تحبها يا حضرة الدوق.
فهم يامن خطورة الأمر، وتساءل كيف غاب عن ذهنه شيء كهذا، أخذ يقلب الأفكار برأسه بخصوص الأمر الذي ألقاه عليه مزدهر عنوة منذ قليل.
قام الأمير من مجلسه واستقام في وقفته يمد كفه نحو الدوق مودعا:
" كم هو محزن أن يتعرف المرء على قائد فز مثلك يا حضرة الدوق في ساعات حياته الأخيرة، هل سأراك غدا قبل تنفيذ الحكم؟"
صافحه يامن بحرارة، وهز رأسه نافيا بخزي مقررا في أمر مزدهر الذي فرضه عليه:
ـ لن أتمكن من ذلك، سأكون في طريقي لمهمتي الجديدة كسفير خارج المملكة.
ـ عدني إذن، عدني بأنك أنت من سيلقي بخطط سلمى ومزدهر في مكب الفشل الذريع…أظن أنني سأكون مستريحا بقبري هكذا.
طال شرود الدوق في كلام سليم، ثم تنهد في إصرار:
" أعدك يا سمو الأمير.."
فتح يامن عينيه حين توقف به سيل الذكريات عند هذا الحد، كان النصر قد تقرر له حينها، وكان مزدهر راكعا في وسط الساحة مقيد اليدين ، مسلسلة عنقه.
شد الدوق شعر مزدهر رافعا رأسه للأعلى وهامسا في أذنه:
" ما رأيك لو استغللت الوقت المتبقي قبل إعدامك في مراجعة جرائمك؟…هناك رجل صالح خصني بوصيته الوحيدة قبل موته غدرا وأوصاني بأن أنال أنا شرف نحر عنقك…دعنا ننتظر شريكتك في الجريمة ثم نبدأ محاكمتكما العاجلة.."
على صعيد آخر كانت سلمى تائهة في ممرات القصر السرية بعدما توارت لبعض الوقت عن أنظار مروان الذي لم يسأم من ملاحقتها منذ ما يقرب من الساعة.
تسللت الطمأنينة إلى دواخلها فجأة وتملكتها الجرأة في مواصلة السير، أحست لوهلة ان النجاة حليفتها الآن، فمستحيل أن يتغلب عليها أحد في الخروج من متاهات الممرات السرية للقصر الذي قضت به طفولتها تكتشف خباياه.
" ألديكِ خطط اليوم يا سمو الأميرة؟"
بدد مروان طمأنينتها الكاذبة مبتسما، وتقدم نحوها بثقة حين تسمرت هي بالأرض وعجزت عن مواصلة الطريق.
" يكفي يا سمو الأميرة، يكفي دماء إلى هذا الحد.."
وحين اقترب كفاية ليلقي القبض عليها، تبددت غيمة الهلع من حول عقلها ورفعت خنجرها تحاول طعنه، وكان مروان رغم غيظه الشديد نحوها حريص على تنفيذ رغبة الاميرة فيروزة في القبض عليها حية.
وفي اللحظة التي اختفت من أمامه جميع الحلول في مواجهتها دون أن يؤذيها، جاءه العون على هيئة ضربة من الخلف أفقدتها وعيها.
حين سقطت سلمى على الأرض ظهرت نيرة خلفها وبيدها عصى غليظة ترفعها في الهواء بحنق، كادت تعاود ضربها رغم فقدانها للوعي تماما، إلا أن مروان منعها في عجل موضحا:
ـ اهدأي…أمرت الأميرة فيروزة بجلبها حية.
ـ تلك المجنونة، كيف تتجرأ وتحاول أذية زوجي؟
ـ لا بأس يا فتاة، لي زوجة كمارد المصباح، تظهر حين يضيق بقلبي السبل.
أحاط بكتفي زوجته الثائرة، وربت على ظهرها لتهدأ، ثم أردف مقررا:
" دعينا ننتهي من هذه المصيبة الآن..لابد أن الدوق ينتظر."
●●
" قرار المحكمة الملكية العليا فيما نسب إلى المتهم مزدهر بن سهيل، أولا…"
اجتمعت المحكمة الملكية العليا بذات الساحة التي شهدت هزيمة الملك مزدهر المخزية قبل عدة ساعات، وبأمر من مجلس الأمة، ألقى رئيس المحكمة الحكم:
" عزله من منصبه كملك لمملكة الجنوب وتجريده من كل الامتيازات التي حصل عليها طوال حياته كحاكم وكوريث للعرش…ثانيا،…"
في ذلك الحين لم تنزل عيني يامن عن وجه مزدهر المكسو بالخزي، أعجبه أن يرى الخيبة واليأس يتدرجان على قسماته بمرور الوقت عليه في قفص الاتهام، وأحس بالرضا يعانق برودة الخذلان التي ملأت دواخله طوال الفترة الماضية، والآن فقط يمكن للملك سهيل أن يهنأ عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية