رواية زواج اشتراكي الفصل العاشر 10 - بقلم هيام عمر

 رواية زواج اشتراكي الفصل العاشر 10 - بقلم هيام عمر

الفصل العاشر:
في تلك الليلة، غفا أحمد أخيرًا، مسالمًا، ساكنًا، ووجهه ما زال يحمل ابتسامةً صغيرة تحمل شعورا غامرا بالاطمئنان على وحيدته، تاركا ورائه أحبّائه يعانون ألم الفقد.
وشيّع جثمانه في جنازة مهيبة حضرها كلّ من عرفه يوما واستشعر طيبة قلبه ومكارم أخلاقه. وامتلأ البيت بالمعزّين، وأصوات التلاوة تختلط بأنينٍ مكتومٍ في صدور النساء.
جلست منى إلى جانب أمّها، صامتةً كتمثالٍ ، تأبى عينيها البكاء كما تأبى هي التّسليم بحقيقة رحيله.
حالما غادر الجمع، دخلت الى غرفته تتحسّس أثره، ثمّ حملت صورته تعانقها وتقبّلها وجلست على الأرض ساندة ظهرها على الحائط سامحة أخيرا لجيش عبراتها بالنّزول.
كانت هائمة بين أحزانها حينما اقترب منها عزيز بهدوء، جلس إلى جانبها في صمت يشاركها حزنها واكتفى بأن يمدّ يده ويمسك بيدها المرتجفة.
للمرّة الأولى لم تسحب منى يدها، بل رفعت رأسها نحوه، عيناها غارقتان بالدموع، وقالت دون وعي بصوتٍ خافتٍ متعب:
_" رحل من كان سندي ... لا تتركني انت أيضا."
ضمّها إليه بقوّة، متمنّيًا لو استطاع أن ينتزع من صدرها كلّ ذلك الألم الذي ينهكها ويحمله عنها، وبقيا على ذلك الحال الى أن هدأت أنفاسها وغفت من تعب قلبها على كتفه.
مرّت ستّة أشهر منذ رحيل أحمد، ستّة أشهر من الصمت الطويل وابتسامات المجاملة والليالي التي يملؤها صدى الغياب.
كانت منى تجلس على الشرفة في مساءٍ شتويّ هادئ، كوب الشاي بين يديها يبرد بينما تجول هي بين أسوار ذاكرتها تسترجع اللّحظات الجميلة التي جمعتها بوالدها. كوب الشاي الثاني قد برد هو الآخر بينما كان عزيز يسقي أصص الزهور في الشّرفة، تلك التي ازدهرت على نحوٍ غريب منذ وفاته، وكأنّها تنبت من رحم الرّحمة لتضيف بعض الحياة لحياتهما.
مدّت يدها نحو الدرج الصغير الذي تخبئ فيه وصيّة أبيها، الورقة التي لم تجرؤ على فتحها منذ تلك الليلة.
أخرجتها بهدوء، فتحتها، وتنهدت في ألم بينما تستمع الى صوت والدها بعد مدّة من الفقد:
ابنتي الجميلة، والدك سعيد لرؤية سعادتك، فخور دائمًا بابنته المدلّلة.
بما أنّك تقرئين وصيّتي فأنا الآن قد غادرتك قالبا لا قلبا.
لا تخشي الفقد يا حبيبة والدك، فاللّه لا ينزل بنا من مصيبة إلّا وينزل معها رحمة منه ليلهمنا الصّبر وقوّة التّحمّل.
كنت أعلم أنّك ستأتي يومًا إلى هذه الورقة حين يصبح قلبك قادرًا أخيرا على الإصغاء.
ما تعلّمته من العمر أن قلوبنا لا تُشفى بالزمن، بقدر ما تشفى بالدفء الذي يبعثه حضور من يفهمنا دون سؤال ومن يكون ضمادة لجروح الزّمن.
ولربّما مرّ بحياتك شخص كهذا يشبهك في صبرك وعنادك، يربكك أحيانًا، ويصالحك بالعناية لا بالكلمات، فلا تهملي تلك التفاصيل الصغيرة في محاولة للتشبّث بأفكار ربّما لا تحسنين تفسيرها. تعلمي، منى، أن لا شيء يُعاش أو يقاس بالعقل فقط، فالحياة الاشتراكية لا تعني المساواة بالقسمة فحسب، بل المشاركة في اللحظات الصغيرة، في العناية، في الاهتمام، في وجودك مع من يحبك بلا شروط.
فمن خلال هذه المشاركة يولد الدفء الحقيقي، ومن خلالها نفهم معنى التواصل والوجود المشترك، معنى أن نكون موجودين ليس فقط لأنفسنا، بل للآخرين الذين يستحقون وجودنا. أخاف يا ابنتي أن تُغلقي قلبك خشية الألم، وأن تختصري نفسك في عقلٍ يحسب كلّ شيء دون أن يتمتّع بتجربة أيّ شيء.
أنا هنا لا أوصيكِ بالحبّ، فالحبّ لا يُوصَى به، بل بالحياة، لأنّها وحدها تعرف كيف تختار لكِ توقيت الشعور المناسب.
واعلمي يا حبيبة قلبي أنّني دائما أرافقك بدعواتي وحبّي الذي لا يفنى مع فناء روحي.
ابتسمت بينما تقرأ كلماته الأخيرة وألقت نظرة على عزيز الذي كان يسقي الزّرع كما لطالما سقى قلبها طمأنينة منذ تلك اللّيلة.
خرج الزّوجان معا صباحا الى العمل، وجلسا في المكتب الذي لازالا يتشاركانه وهمّا في العمل بين الملفّات والتّوجيهات.
كانت عيني منى تسترق لحظات من العمل لتتأمّل عزيز شعره الكستنائي الذي ورث كثافته عن أمّه ولحيته الخفيفة التي تزيده جمالا وتلك العينين العسليّتين اللّتان شدّاها منذ أوّل لقاء.
نظر اليها باستغراب فانتبهت أنّها كانت تتفحّصه بابتسامة تعلو ثغرها فاعتذرت ملقية برأسها من جديد بين الملفّات.
لحظات ودخلت مساعدة عزيز لتمدّه ببعض الأوراق التي طلبها، كانا يتناقشان في العمل بينما عيني منى ترافقانهما وقلبها لا يطيق قربها منه وسرعان ما تدخّلت لتتطوّع لإكمال المناقشة بدلا عنه.
رنّ هاتفه في تلك الأثناء فترك لها المجال لإكمال المهمّة عنه وغادر ليجيب صديقه ياسين.
_" أهلا، كيف حالك؟"
سأل ياسين فأجابه عزيز مرحّبا:
_" أهلا بك، الحمد لله، ماذا عنك؟ مرّت مدّة منذ آخر مرّة تقابلنا."
_" لذلك أتّصل بك، أريد أن أدعوك ومنى لتناول العشاء معنا، أنا وسلمى سنكون سعيدين بقدومكما."
أنهى عزيز حديثه مع صديقه مبدئا شوقه للقائهما ووعده الحرص على تلبية دعوته.
في المساء كان عزيز جاهزا ينتظر منى تجهيز نفسها ليغادرا معا نحو منزل صديقه، لحظات وخرجت حاملة بيدها طوق الفراشة الذي أهدته لها أمّه طالبة منه مساعدتها على ارتدائه.
اقترب منها بحذر حاملا عنها الطّوق يطوّق به رقبتها محاولا عدم افساد لفّة حجابها.
قربها منه وصوت أنفاسه القريبة منها جعل قلبها يعزف ألحانا لم تألفها.
وضع العقد ثمّ ابتعد عنها بضع خطوات وقال متغزّلا:
_" تبدين جميلة لدرجة أخاف الخروج معك حتّى لا يحسدونني عليك."
غير أنّها صرّحت متهرّبة من عينيه في طريقها للخروج:
_" حسنا اذن، سأخرج من دونك."
لحقها بسرعة فاتحا لها باب السيّارة وقال بعد أن ولج اليها بدوره:
_" في كلّ مرّة أحاول تحسين مزاجك بمجاملاتي تنجحين في افشالي بردودك الغبيّة."
ضحكت منى في الخفاء من تعبيره ثمّ أجابت معاندة:
_" سأردّ جميلك اذن، يعزّز اللّون البنّي ابراز عينيك العسليّتين ويضيف جمالا وشيئا من الدفء على طلّتك."
_" واو، لقد لامسني وصفك حقّا، لكن، لا تبدو لي هذه مجاملة على الاطلاق، فوصفك الدّقيق يعني اهتماما أعمق بكثير من مجرّد محاولة لتحسين رضائي عن نفسي."
سكتت منى خجلة تلوم نفسها على ردّها الغبيّ.
حين وصلا، استقبلهما كلّ من ياسين وسلمى بحفاوة وجلسوا جميعا يتسامرون أطراف الحديث. غابت سلمى لمدّة طويلة في المطبخ فلحقتها منى لترى ان كان هناك ما يمكن لها أن تساعدها به. حين دخلت، كان التّعب باديا على رفيقتها وهي تنتقل بين تقطيع الخضر وتحريك الطّعام على النّار ومراقبة كعكة التّفاح التي أدخلتها لتوّها في الفرن، فقالت متأسّفة:
_" أعتذر لأنّني أتيت متأخّرة، بماذا يمكنني مساعدتك؟"
أجابت سلمى بابتسامتها الخجولة على وجهها:
_" لا تقولي ذلك فأنت ضيفتي، ثمّ انّي كنت أودّ لو كان باستطاعتي أن أقول أنّه ما من داع لمساعدتي، لكن، كما ترين أنا غارقة هنا وحدي منذ ساعات."
ثمّ ناولتها ميدعة المطبخ حتّى لا تتّسخ ثيابها وكلّفتها بتقطيع ما بقي من الخضر للسّلطة.
أكملا معا بسرعة بين عمل وأحاديث تتخلّلها الضّحكات ثمّ خرجا يعدّان الطّاولة.
أكمل الأصدقاء تناول العشاء وقد استغلّت منى الفرصة لتمدح طبخ سلمى وذوقها في نظام المنزل فقال عزيز مؤكّدا:
_" لقد كان الطّعام لذيذا جدّا حقّا، شكرا لك، لقد اعتدت أن أعمل متذوّقا الفترة الأخيرة بعد الزّواج لذلك اعتبري مدحي هذا مدح مختصّ."
ضحك الجميع بينما أضاف عزيز:
_" لقد عملتنّ ما عليكنّ، يمكنكنّ الانتظار الآن في غرفة الجلوس، الى أن أقوم أنا وياسين بجمع الطّاولة واعداد القهوة."
هزّ ياسين رأسه نحو صديقه في صدمة ثمّ انصاع لقوله آخذا بعض الأطباق نحو المطبخ أين قبع منتظرا قدومه.
_" ما بك؟ لقد ورّطتنا في أعمال المطبخ الآن، لقد خرّب الزّواج عقلك حقّا رغم أنّك لا زلت في بداية الطّريق."
ضحك عزيز على تعليق صديقه ثمّ قال موضّحا:
_" بل أصلحني الزّواج في عدّة مواضع، لقد أدركت مؤخّرا أنّ أبسط مفهوم للزّواج هو أنّه شراكة بين شخصين يتشاركان الحياة بمهامّها وأفراحها وأحزانها. وهذه الحقيقة لا تنقص من رجولة الرّجل شيئا بل تكمّلها."
كان عزيز قد لاحظ اختلال ميزان العلاقة بين ياسين وزوجته وأراد بذلك نصح صديقه وأن يكشف له ما يميّز الزّواج الاشتراكي الذي يعتبر نوعا ما مفهوما جديدا حتّى عليه هو.
لاحظت منى ما كان عزيز يرمي اليه فشكرت صنيعه في نفسها وأخذت تمدح القهوة التي أعدّاها لتشعرهما بطعم الإنجاز، وأكمل الأصدقاء سهرتهم في أجواء طيّبة بين المزاح واسترجاع الذّكريات.

•تابع الفصل التالي "رواية زواج اشتراكي" اضغط على اسم الرواية

تعليقات