رواية قصر خازور الفصل العاشر 10 - بقلم سماهر جمال

 رواية قصر خازور الفصل العاشر 10 - بقلم سماهر جمال

الفصل العاشر
ظهرت الصدمة بوضوح على وجوه الجميع عقب حديث الرجل المسن، إذ تبادلوا نظرات يكسوها الذهول والاستفهام، غير أنّ الشعور السائد كان الشفقة لما آلت إليه حال المرأة. كانت تغفو بعمقٍ، غافلةً عمّا يدور حولها تمامًا، ترتدي عباءةً سوداء وشعرها الأسود ينسدل على الوسادة التي ترقد فوقها، بينما ازدادت الهالات السوداء تحت عينيها وضوحًا.

خفضت ليلى جسدها حتى جلست على الأرضية الباردة في تلك الغرفة، تتأمل المرأة المجهولة التي لا تزال هويتها غامضة عنهم حتى الآن. وفي المقابل، أمسك عمران يد الرجل المدعو "ربيع" بقوة طفيفة، وقال بتحذير صارم:
_"الآن، أخبرنا عمّا تعرفه عن هذا القصر، وعن تلك السيدة التي ترقد على الفراش بلا حولٍ ولا قوة. كيف تكون السرّ الذي أخفاه السيد حسن قبل موته بخمس عشرة سنة؟ هل تقصد أنّه لم يمت مع باقي أفراد أسرته قبل ثلاثين عامًا، بل مات بعدها بخمس عشرة سنة فقط؟! ابدأ بالحديث، ولا تُخفِ حرفًا واحدًا مما تعرفه، فأنا الآن أمامي جريمةٌ مكتملة الأركان، ويمكنني الزجّ بك في السجن لتنال العقوبة التي تليق بك نظير حبسك لتلك المرأة كل هذه السنوات!"

ابتلع الرجل ريقه بصعوبة من شدّة الصرامة في صوت عمران ونظراته الثاقبة، فلم يجد بُدًّا من البوح بما يعرفه. بدأ حديثه مترددًا، وصوته يختلط بالخوف والندم:
_"عندما كنت في بداية عقدي الثاني، كنت أعمل سائقًا لدى السيد حسن، ابن السيد توفيق، صاحب القصر. كنت أعلم كل نزواته وأعماله المشبوهة، لكنني لم أملك الجرأة على البوح بشيءٍ منها. لزمت الصمت كعادتي، حتى سمعتُ، مثل سائر الناس، أن السيد هاشم قد تعرّض لحادثٍ مروّعٍ أودى بحياته، وكانت ترافقه حينها زوجته سعاد، التي نجت بأعجوبة كما قيل وقتها.

مرّت أشهرٌ قليلة، وبدأ الناس يسمعون أصواتًا مرتفعة من داخل القصر، تدلّ على وقوع شجارٍ عنيف بين أفراد تلك الأسرة. إلى أن جاء يومٌ لا أنساه ما حييت، كانت العاصفة تعصف بكل ما تجده أمامها، والرياح تضرب النوافذ بقوةٍ تكاد تخلعها. في تلك الليلة طلب مني السيد حسن أن أعود إلى منزلي لأنه لا يحتاجني، فامتثلتُ لأمره، تركت السيارة في جراج القصر وعدت إلى منزلي، الذي لا يبعد سوى خمس دقائق سيرًا على الأقدام."

صمت قليلًا ليلتقط أنفاسه، بينما كانت العيون الثلاثة شاخصةً نحوه، يتابعونه بفضولٍ وحذر، كأنهم يعيشون تلك اللحظة معه. ثم أكمل بصوتٍ تأثرَ بما يرويه:
_"في اليوم التالي، تفاجأ الجميع بأن القصر قد احترق من الخلف، لكن تمت السيطرة على الحريق قبل أن يمتدّ إلى باقي أجزائه. ذهبت في الصباح إلى السيد حسن، كعادتي كل يوم، لأرافقه حيث يشاء، إلا أن الخادمة أخبرتني أنه مرهق بسبب الحريق الذي نشب ليلة الأمس ولا يرغب في رؤية أحد.
أتذكر أنني لم ألمحه بعد ذلك أبدًا، ولم أرَ أحدًا من أفراد تلك الأسرة الغريبة. مرّ يومان لم يحدث فيهما جديد، حتى جاء اليوم الثالث، حين وجدنا عناصر الشرطة تحيط بالقصر من كل جانب. والأقاويل التي سمعناها حينها ما زالت تردد في أذهاننا إلى اليوم؛ قالوا إن السيد توفيق قتل جميع أفراد أسرته — حسن، وسعاد، والصغيرة خديجة، وحتى الخادمات اللاتي كنّ يعملن هناك — ثم أنهى حياته.
الغريب أن الشرطة وجدت الجثث متفرقة في أماكن مختلفة من القصر؛ كانت جثة السيدة سعاد في المرحاض الملحق بغرفتها، ملقاة على الأرض وقد اختنقت بكيسٍ بلاستيكيٍّ شفاف، وملامح الرعب مرسومة على وجهها. أما السيد حسن، فوجدوه راقدًا على فراشه وبجواره وسادةٌ خُنق بها. وأما السيد توفيق، فوجدوه في إحدى غرف الدور الأرضي — تلك الغرفة التي قادتكم إليها أقدامكم قبل قليل — جالسًا على كرسيٍّ خشبي، ويده تقبض على مسدسٍ كاتمٍ للصوت خرجت منه طلقةٌ اخترقت ما بين حاجبيه."

تساءلت ليلى بفضول وقد غمرها الرعب:
_"والصغيرة خديجة؟"

تابع الرجل حديثه دون أن يرفع عينيه عن الأرض:
_"وجدو جثتها محروقة، بل كانت مفحمة حتى لم يتعرف عليها أحد، كانت ملقاة في المطبخ الواقع بالدور السفلي. مضت خمسة أشهر على تلك الحادثة التي تداولتها الصحف والجرائد في كل مكان، وامتد صداها حتى إلى بعض الدول العربية. هدأت ألسنة الناس عن الحديث، وخفتت الأقاويل، فأُغلق القصر حينها بأمر من الحكومة، ولم يقترب منه أحد حتى الآن... باستثنائكم أنتم."

توقف لحظة، ثم أكمل بصوت متردد:
_"و بينما كنت جالسًا على فراشي في غرفتي البسيطة، طرق أحدهم الباب بهدوء. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، فتعجبت، إذ أعيش بمفردي، لكنني نهضت لأفتح، فرأيت ما أفقدني القدرة على الكلام لعشر دقائق كاملة... كان السيد حسن واقفًا أمامي بكامل صحته، ويده ممسكة بالصغيرة خديجة.
حين أفقت من صدمتي، دخل منزلي بحذر، وهو يتلفّت حوله كمن يخشى أن يراه أحد، أجلس الصغيرة على أحد المقاعد المتهالكة، ثم أمسك بيدي الباردة كالثلج، وبدأ يحدّثني ببرودٍ غريب، يروي ما فعله وكأنه لم يرتكب مجزرة بشرية منذ أشهر قليلة."

تدخل رفعت وقد أصبح يدرك أغلب خيوط ما حدث:
_"ولماذا ذهب إليك أنت بالتحديد، وهو يعلم أنك لم تكن سوى سائقه الخاص؟"

أجابه العم ربيع وهو يشيح بوجهه خجلاً:
_"لأنني كنت الشاهد على كل أفعاله المخزية السابقة، وبما أنني لم أنطق من قبل بما رأيته، فقد كان على يقين أنني لن أفعل الآن.
قصّ عليّ كل ما حدث، بدءًا بقتله لزوجة أخيه سعاد وخنقها داخل المرحاض، وانتهاءً بقتل والده السيد توفيق. سألته وقتها: كيف قتل أباه، وقد كانت بصمات المسدس راجعة لأبيه لا له؟
فأجابني أن والده هو من أنهى حياته فعلاً، لكنه هو من خطط لذلك منذ البداية."

هتف عمران بدهشة وقد بدأ يفهم خيوط المأساة:
_"كيف ذلك؟"
فأجاب العم ربيع:
_"قال إنه كان يضع له دواءً محرّمًا دخوله إلى مصر، سُمًَّا ممتدّ الأثر لا يقتل سريعًا، فظل يضعه له في الطعام والشراب مدة ثلاثة أشهر. ومع مرور الوقت بدأ مفعوله يظهر على السيد توفيق.
وفي الليلة الحاسمة، نشب بينهما شجار عنيف، اعترف فيه حسن لأبيه أنه من قتل أخاه هاشم، وزوجة أخيه سعاد قبل ساعة، وأنه ينوي قتل الصغيرة خديجة أيضًا.
وكان الأقسى على الأب أن يسمع اعتراف ابنه بأنه كان يقتله ببطء منذ أشهر، فما إن انتهى من كلامه حتى أخرج مسدسه الخاص من أحد أدراج المكتب، ووضعه على جبينه بعزمٍ وحسرة، ثم ضغط الزناد.
قال حسن إنه حاول منعه، لا حبًّا فيه ولا ندمًا، بل لأن انتحاره سيفسد عليه ما خطط له، غير أن والده لم يصغِ إليه، وخرجت الطلقة لتستقر بين حاجبيه فسقط ميتًا في الحال.
ظل حسن مشدوهاً للحظات، ثم أيقظ عقله الشيطاني خطةً بديلة، فحوّل الجريمة لتبدو كأن والده هو الفاعل والمنفذ، لكن ما لم يحسب حسابه كان الصغيرة خديجة، التي كانت تقف خلف الباب تسمع وترى كل ما حدث.
كانت الصدمة أقوى من قدرتها على الاحتمال، ففقدت النطق تمامًا منذ تلك الليلة."
تحدث عمران، وهو يبدو مشدود الانتباه على المتابعة:
_"تابع… وماذا كان مصير الطفلة بعدما رأت ما لا ينبغي أن تراه؟"

استكمل العمُّ ربيع حديثه بأسفٍٍ:
_"فقدت الوعي من شدة الصدمة، فحملها حسن وخبأها في هذا المكان الذي نقف فيه الآن. وحتى هذه اللحظة لم أعرف كيف علم بهذا المخبأ. أخبرني ذات مرّة أن والده — السيد توفيق — له مكانٌ سريّ لا يعرف موقعه أحد، لكنه استطاع اكتشافه، وفعلاً أخفى الصغيرة هناك. بعد ذلك أرسل إليه شخصٌ كان قد اتفق معه من قبل جثةَ فتاةٍ بالغةٍ من العمر عشر سنوات، واشترا باروكة تُشبه شعر الطفلة في اللون، وضعها على رأس الجثة وأشعل النار فيها حتى تفحمت؛ فبدت للجميع كأنها خديجة، حيث تعذّر التعرف عليها نتيجة التفحّم. ثم صعد حسن إلى غرفته وتمثّل أمام الناس أن الفاجعة قد حدثت وأن والده قد أقبل على خنقه الوسادة، وكان متفقًا مع أحدهم على إيهام الناس بأن صاحب القصر هو من ارتكب الجريمة، ثم أنهى حياته. حتى الآن لا أعلم كيف أوهم الجميع بموته أو ماذا فعل بجثته المصطنعة بعد إخراجها من القصر، كحال باقي الجثث."

تساءلت ليلى بحزنٍ وقد عجز عقلها عن استيعاب الفجيعة:
_"وماذا فعلتما بالصغيرة خديجة؟"

أجابها العمُّ ربيع وهو يواصل بسردٍ موصوفٍ:
_"أخرجها حسن من القبو السريّ، وغادر بها إلى محافظةٍ أخرى حتى لا يتعرّف عليهما أحد. وبعد مرور خمسة أشهر أعادها حسن إليّ وأخبرني بكل ما فعل، وطلب مني أن أُخفيها هنا وأرعاها يوميًا، وكان يرسِل النقود يوميًا بوفرة كي لا أفضح أمرها أو أمره. واقترح عليّ أن أشتري محلَّ البقالة القريب من القصر لأكون قريبًا منه دائمًا دون لفت الأنظار. سار الأمر هكذا حتى أتمّت الصغيرة خمسةً وعشرينَ عامًا، ثم سمعت بخبر موت حسن المفاجئ الذي تغيّر مظهره بعد إجراء جراحة تجميلية غيرت ملامحه تمامًا."

قال عمران بهدوءٍ يحاول إخفاء ما في داخله:
_"وعندما عرفت بموت حسن ألم يحن وقتها الوقت لتخرج الصغيرة من هذا المكان وتذهب بها إلى قسم الشرطة وتبوح بكل ما جرى؟"

تنهد العمُّ ربيع بخوفٍ شديدٍ فأجاب:
_"كنتُ خائفًا آنذاك من الجميع؛ خشيتُ أن ألقى أشد العقوبات، كما أني لم أكن واثقًا أن أحدًا سيصدّق قصةً تبدو كخيال. من سيصدّق أن حسن هو من قتل الجميع بينما الدلائل تشير إلى غيره؟ من سيصدّق أن خديجة التي رأوها جثةً لا تزال على قيد الحياة؟ ومن سيصدّق أن الرجل الذي افتعل المجزرة قد غيّر ملامحه وعاش بين الناس بعد ذلك؟"
انفعلت ليلى غيظًا وغضبًا من حديثه قائلةً:
_"يعني خِفتَ على نفسك وتعايشتَ مع الوضع بشكلٍ عادي، ولم تشفق على هذه الفتاة للحظةٍ واحدة؟! حرمتماها من أبسط حقوقها، فعمُّها قتل أباها وعائلتها بأكملها، أفقدها النطق، واستكمل جرائمه بزجِّها في هذا المكان المقرف! كان بين يديك فرصة لتُعَوِّضها ولو قليلًا عمّا عايشته، إلا أنك لم تختلف عن حسن، بل أكملتَ ما بدأه هو! لعنةُ الله عليكم جميعًا، ليتكم تتعفّنون في الجحيم! لا أصدق ذلك... أشعر أن رأسي يكاد ينفجر من كثرة هذه الحقائق المفجعة!"

وجَّه رفعت سؤاله بحدةٍ محسوبة:
_"ولِمَ أبقى حسنُ الصغيرةَ على قيد الحياة؟ لماذا لم يقتلها مثل البقية؟"

مسح العم ربيع وجهه بتوترٍ ظاهر وقال:
_"لا أعلم الحقيقة تمامًا، لكن في مرةٍ كان يشرب أمامي فأثمل، وبدأ يسبّ والده قائلًا إنه كتب لأخيه كلَّ أملاكه من قبل، ثم تفاجأ بأن توفيق كان يختبرهم جميعًا وكذب عليهم، وكتب للصغيرة خديجة كلَّ ما يملك. استنتجتُ أنه أبقاها على قيد الحياة حتى تكبر فتتنازل له عمّا تملك، وهذا بالفعل ما حدث حين أتمّت الثامنة عشرة."

لاحقه رفعت بسؤالٍ آخر:
_"وأصواتُ البكاء التي كانت تُسمَع ليلًا؟ والأضواء التي كانت تظهر في الطابق العلوي ثم تختفي؟ والظلال التي تتحرك خلف النوافذ؟ كلّ تلك الأشياء التي تحدّث عنها الجميع، ما حقيقتها؟ وأخيراً الحريق الأخير الذي وقع منذ خمسِ سنواتٍ مَن اٌفتعله؟"

رد العم ربيع قائلًا:
_"كان لا بد أن يصدق الناس أنّ القصر تسكنه الأرواح والجن، حتى لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه خوفًا مما يظنونه لعنةً أو أرواحًا هائمة. ففكّرنا أنا والسيد حسن في تنفيذ هذه الخطة، فجلبنا سماعاتٍ ضخمة وأوصلنا بها أصواتًا مخيفة يسمعها جميع أهل الحي فيرتعبون، أمّا الظلال التي كانت تُرى خلف النوافذ فكنتُ أنا من يفتعلها، والأضواء كان يُشعلها السيد حسن في اللحظة ذاتها ليُعزِّز الوهم أكثر، أما بالنسبة للحريق الأخير، فأنا من تسببتُ به؛ ولكن حدث ذلك دون قصدٍ مني."
سأله عمران رغم علمه المسبق بالإجابة:
_"هل كنتَ أنتَ من يراقبنا عندما دخلنا القصر قبل يومين، وكنتَ تضع الأقفال تارةً وتنزعها تارةً أخرى؟"
أجابه ربيع موافقًا:
_"نعم، كنتُ أنا. حاولتُ تشتيتكما وإخافتكما بشتى الطرق فور أن لاحظتُ اختفاء مذكّرات السيد توفيق، لكنكما لم تتراجعا، بل جئتما الليلةَ واكتشفتما السرَّ المخبأ منذ ثلاثين عامًا، السرَّ الذي لم يعلم به أحدٌ قبلكما."
صمتوا جميعًا، واكتفت نظراتهم بوصف ما يعيشونه الآن من صدمةٍ، عدمِ تصديقٍ، جنونٍ، حزنٍ، حسرةٍ، شفقةٍ… مشاعرُ متباينةٌ تكاتفت على وجوههم المصعوقة لما استمعوا إليه من حقائق لا يصدقها عاقلٌ أو مختلّ!

هتفت ليلى وهي تنظر إلى تلك الراقدة، التي كانت عيناها الباهتتان تحدقان في السقف بشرودٍ عميق، غير منتبهة لما يدور حولها:
_"والآن ماذا بعد؟ ما الخطوة التالية؟ وتلك الراقدة على الفراش، غير الواعية لحديثنا، ما مصيرها؟"
تحدث عمران بغضبٍ وهو يمسك بربيع بقوة، ويسلمه لأبيه الذي أحكم قبضته عليه:
_"لا توجد خطوة تالية، انتهت جميع الخطوات، ولا يوجد حلٌّ آخر سوى تسليم تلك الحُثالة لقسم الشرطة ليعترف بكل جرائمه."
ارتعب العم ربيع، وارتعش جسده بخوفٍ بالغ وهو يقول راجيًا:
_"لا، لا، لا تفعل ذلك أرجوك! لم يكن أمامي طريقٌ آخر أسلكه، فعلت ذلك رغماً عني!"

لم يهتم أحدٌ بما يقوله، بل خاطبه رفعت بصرامةٍ:
_"أمام ضابط الشرطة يمكنك أن ترجوه وتطلب العفو منه، وإن عفا عنك ولم يعاقبك، فاعلم أن عقاب الآخرة أشد وأقسى."
حمل عمران تلك الغافية بتعبٍ بين ذراعيه، وتحرك بها إلى خارج ذلك المكان الموحش، وفي الخلف أمسك والده بهذا الجاحد بقوةٍ وإحكامٍ حتى لا يتمكن من الهرب، وخلفهما كانت ليلى تسير شاردةَ الفكر، لا يصدق عقلها ما استمعت إليه، وقلبها يبكي على تلك المأساة.
زارت أغلب المحافظات، وكتبت أحداثًا صحفية عن حوادث كثيرةٍ ومتنوعة، لكن هذه كانت أغربها وأفجعها.

خرج الجميع من ذلك المكان المظلم بالطريقة ذاتها التي دخلوه بها، ولم يتوقف عمران عن السير حتى تجاوز بوابة القصر، وخلفه أبوه وليلى.
كان الحي ساكنًا إلا من صوت صرير أوراق الشجر، وكانت وجهة عمران محددة؛ الوصول إلى سيارته المركونة أمام البناية التي تقيم بها ليلى.
لم يُعر اهتمامًا لنظرات الناس المتعجبة ممن يحملها بين يديه، وازداد تعجبهم حين رأوا رفعت يُمسك بالعم ربيع جارهم وكأنه مجرمٌ أُلقي القبض عليه.
ورغم علامات الاستفهام التي ارتسمت على وجوههم، لم يجرؤ أحدٌ على السؤال.

أخيرًا، اقترب عمران من سيارته، ففتح الباب الخلفي وآمال بجسده ممددًا تلك الغافية بحذرٍ على الكرسي، ثم أدخل والده ذاك المسنّ بقوةٍ، مجبرًا إياه على الانصياع له، فجلس بجوار خديجة، وجلس رفعت إلى جانبه، بينما استقر عمران خلف عجلة القيادة، وجاورته ليلى بالمقعد الأمامي الآخر.

فور أن سكن الجميع أماكنهم، انطلق عمران بسرعةٍ كبيرة. وبعد عشر دقائق توقفت السيارة أمام إحدى مستشفيات منطقة كيمان فارس بمحافظة الفيوم.
أخبر أباه أن ينتظره في السيارة، وحمل السيدة خديجة بمساعدة ليلى.
تقدما حتى وقفا أمام الباب الداخلي للمشفى، وتتابعت الإجراءات المكثفة حتى انتهى الأمر بليلى ترافق السيدة بالمشفى، وعمران يعود مرةً أخرى لأبيه، واعدًا إياها بالرجوع سريعًا.

انطلق مجددًا بسيارته إلى وجهته التالية، وبالخلف كان الرعب سيد الموقف بالنسبة للعم ربيع؛ شفتاه ترتجفان خوفًا ولسان حاله يلعن نفسه في الساعة التي قَبِلَ فيها طلب حسن.
وصل عمران إلى قسم الشرطة، ونزل من السيارة ممسكًا بالمجرم بإحكامٍ، بمساعدة أبيه.
وصلا إلى أحد المكاتب بالجانب الأيمن من القسم، وقال عمران للعسكري الماثل أمامه:
_"من فضلك، نريد الدخول إلى الضابط يوسف في أمرٍ عاجلٍ للغاية."

تطلع العسكري إلى الرجل الذي بين أيديهم، ثم عاد بنظره إلى عمران قائلًا:
_"أخبره بمن يريد لقاؤه؟"

قال عمران بهدوءٍ:
_"أخبره أن عمران رفعت قاسم، المحامي، يريد رؤيته."

تركهم الشرطي ودخل إلى قائده، ولم تمضِ سوى بضع دقائق حتى خرج يدعوهم للدخول.
دخل عمران أولًا، فوقف الضابط احترامًا له، صافحه عمران بحرارةٍ نظرًا لمعرفتهما السابقة، وبعد أن تبادل التحية مع رفعت أيضًا، وجه الضابط أنظاره المتسائلة إلى ذلك الرجل المرتجف في الخلف، فأوضح له عمران وهو يجلس بعد إشارة الضابط:
_"هذه قصةٌ طويلة، سيدي، وأنا في عجالةٍ من أمري لسردها عليك."
فأذن له الضابط بالبدء بالحديث، تنحنح عمران قليلًا قبل أن يبدأ، بينما كانت عيناه تتابع ارتجاف العم ربيع الذي بدا كمن يوشك على الانهيار.
قال بصوتٍ ثابت رغم اضطراب أنفاسه:
_"منذ يومين فقط كنا نبحث عن ماضي قصرٍ قديم في مديتنا هجره الجميع خوفًا من قصصٍ نُسجت حوله، واليوم أقف أمامك حاملاً بيدي نهاية حكايةٍ دامية عمرها ثلاثون عامًا."

مال الضابط يوسف للأمام باهتمامٍ بالغ، وأسند ذقنه إلى كفيه قائلاً:
_"ثلاثون عامًا؟! أكمل يا أستاذ عمران، أريد أن أفهم كل شيء بدقّة."
تابع عمران:
_"هذا الرجل، العم ربيع، كان شريكًا في جريمةٍ فاقت الوصف. ساعد القاتل الرئيسي — المسمى حسن توفيق — على إخفاء ابنة أخيه الطفلة “خديجة” بعد أن قتل والدها وعائلتها بأكملها. الجميع ظن أنها ماتت، وصدر لها شهادة وفاة، بينما كانت في الحقيقة محتجزة في قبوٍ مظلم داخل القصر. ثلاثون عامًا من العزلة، من الخوف، من انعدام الحياة، حتى عثرنا عليها الليلة وهي في حالةٍ يُرثى لها."

رفع الضابط يوسف حاجبيه بدهشةٍ حادة:
_"هل تقول إن الفتاة ما زالت على قيد الحياة؟"

_"نعم سيدي، نُقلت الآن إلى مستشفى بمنطقة كيمان فارس، والطبيب يؤكد أن حالتها حرجة، لكن هناك أمل في نجاتها. أما هذا الرجل... فقد اعترف لي ولشهودٍ آخرين بكل ما حدث، وبأن حسن توفيق تظاهر بموته قبل سنوات ليُخفي جريمته."

أخرج عمران من حقيبته ملفًا صغيرًا، وضعه أمام الضابط وهو يقول:
_"هذا كل ما جمعناه من أدلةٍ وشهادات، أرجو أن تبدأوا فورًا بالإجراءات القانونية."

أخذ الضابط نفسًا عميقًا، وأشار لأحد العساكر قائلًا:
_"ضع هذا الرجل في غرفة الاحتجاز، لا أريد أن يخرج من هنا قبل أن أستمع لكل كلمة منه بنفسي."

أومأ العسكري، فتراجع العم ربيع خطوتين وهو يقول بصوتٍ مرتعش:
_"سيدي... صدقني، لم أكن أملك خيارًا آخر، كنت أخاف... كنت عبدًا لأوامر حسن!"

رد الضابط يوسف بصرامةٍ قاطعة:
_"الصمت الآن، ستتحدث حين أطلب منك ذلك."

اقتادوه خارج المكتب، وبقي عمران ورفعت أمام الضابط الذي أسند ظهره للكرسي وقال بنبرةٍ مندهشة:
_"ما سمعتُه يفوق كل تصور، سنحتاج إلى أمر من النيابة للتحقيق في موقع القصر، وفتح ملف القضية القديمة التي أُغلقت على أنها قتل جماعي."

تبادل عمران ورفعت نظراتٍ حازمة، ثم قال عمران بثقةٍ لا تخلو من الغضب:
_"افتحوا القبر المزيف الذي دفن فيه “حسن توفيق”، وستجدون الحقيقة بأكملها."

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن ينهض الضابط يوسف قائلًا:
_"إن صحّ ما تقول، فهذه ليست مجرد جريمة، بل مأساة إنسانية كاملة. سنعيد فتح القضية فورًا."

*******
بعد أن غادر العم ربيع غرفة التحقيق، خرج عمران ورفعت من القسم بصمتٍ ثقيل يقطعه صوت خطواتهما المتسارعة نحو السيارة. كانت الأفكار تتزاحم في رأس عمران، وكأن عقله يرفض أن يستوعب حجم ما سمعه طوال الساعتين الماضيين .
قاد السيارة نحو المستشفى مجددًا، والليل بدأ ينسدل على المدينة كستارٍ كثيف يخنق أنفاسها. لم يتحدث أحدهما بكلمة طوال الطريق، إلى أن وصلا إلى البوابة الرئيسية، فنزلا مسرعين نحو الطابق الذي ترقد فيه خديجة.

استوقفتهما الممرضة أمام الغرفة قائلةً بصوتٍ هادئ يحمل شيئًا من الحذر:
_"أرجو ألا تُطيلوا المكوث، حالتها غير مستقرة."

أومأ عمران شاكرًا، ثم دفع الباب ببطءٍ شديد. كانت الغرفة تفيض برائحة المطهّرات، والضوء الأبيض الباهت ينسكب على وجه خديجة الشاحب. بدت كمن أُنهِكَت روحها قبل جسدها، نحيلة إلى حدٍ يوجع القلب، وعيناها نصف مغمضتين كأنهما تريان العالم ولا تراه في آنٍ واحد.
جلست ليلى إلى جوارها تُمسك بيدها برفقٍ، بينما اقترب عمران مترددًا وسأل الطبيب الذي كان يقف بجانب السرير:
_"كيف حالها الآن، دكتور؟"

تنهد الطبيب وأجاب بصوتٍ منخفض:
_"من الناحية الجسدية، نُحاول إنعاشها بالعلاج والغذاء، لكنها... تعاني من صدمةٍ عصبية حادة. حاولنا التحدث إليها، إلا أنها لا تنطق بكلمة واحدة. يبدو أن فقدانها للنطق ناتج عن صدمة نفسية قديمة جدًا، ترسّخت في وعيها حتى بات الكلام عبئًا على جهازها العصبي."
قال رفعت بقلقٍ ظاهر:
_"وهل يمكن أن تستعيد قدرتها على الكلام؟"
أجابه الطبيب وهو يضع يده في جيبه بتأنٍ:
_"ربما، لكن الأمر ليس سهلاً. ما مرت به يُعرف في الطب النفسي باسم (اضطراب الكرب ما بعد الصدمة)، وهو اضطرابٌ يُصيب من شهدوا أو عاشوا أحداثًا تفوق قدرة العقل على الاحتمال. في مثل حالتها، قد تتكرّر الكوابيس، أو تستعيد المشاهد القديمة بصورةٍ فجائية، وقد تفقد الإحساس بالزمن والمكان، بل وتدخل في نوباتٍ من الذهول التام."

اقترب عمران من السرير بخطواتٍ بطيئة، نظر إلى وجهها طويلاً وقال بصوتٍ خافتٍ كأنما يخاطب نفسه:
_"ثلاثون عامًا وهي سجينة الماضي، لم تخرج من القبو إلا لتسكن قبوًا آخر داخل عقلها!. "

سرت رجفة في يد ليلى وهي تُربّت على كفّ خديجة بحنانٍ ابنة حنونة، ثم همست:
_"سنُعيد لك صوتك، وحقك، وكل ما سُلب منك، أعدك بذلك."
اكتفى عمران بالنظر إليها نظرةً طويلة، ثم التفت إلى أبيه قائلًا:
_"علينا ألا نُضيع الوقت، يجب أن نُبلغ النيابة فورًا بحالتها، فهذه الشهادة — وإن كانت صامتة — قد تنطق بالعدل يومًا ما."
غادر الثلاثة الغرفة، بينما بقيت خديجة على حالها، تحدّق في السقف بعينين خاليتين من التعبير، وكأنها ترى ما لا يُرى… الماضي كله يمر أمامها في صمتٍ مؤلم لا صوت له.

•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية

تعليقات