رواية نبضات قاتلة الفصل العاشر 10 - بقلم زينب محروس
الفصل العاشر
استقرت راحت يدها على صدره، لتدفعه بعيدًا بضعف، لكنها كانت إشارة كافية لينتبه إلى قسمات وجهها النافرة من قربه، فأصبح ينقل حدقتيه بين وجهها و يدها بنظرات قاتمة، و قد احتدت ملامحه، فتعجلت «غرام» قائلة بخوف:
_ بلاش تفهمني غلط.
ابتعد عنها قائلًا بغيظ:
_ خلاص فهميني الصح؟
منحتها ابتسامة متكلفة، و تحاملت على نفسها عندما لامست خده بأناملها، و أوضحت الأمر قائلة:
_ أنت عارف إني بحبك يا «مالك» ، بس الحقيقة إن أنا حاليًا مش مستعدة لخطوة زي دي، نفسيتي مش أحسن حاجة، فخلينا نأجل الموضوع دا شوية، لأن أنا بجد مش كويسة خالص بسبب فراق بابا و ماما.
أشاح بوجهه بعيدًا عنها، و أغمض عينيه في حركة سريعة، ساعيًا لكبح غضبه عنها، ثم التفت ناظرًا إليها و قد ارتخت ملامحه العابسة، و قال:
_ مفيش مشكلة يا حبيبتي، ارتاحي إنت دلوقت و أنا شوية و راجع.
★★★★★★★
قامت «غرام» باستدعاء «عبير» إلى غرفتها بعدما تأكدت من ذهاب «مالك» إلى عمله، فكانت تحرك قدميها بترددٍ لشعورها بملل الانتظار، و أخيرًا جاءت إليها الخادمة، فطلبت منها التأكد أن الباب محكم الإغلاق.
و أشارت إليها لتجاورها على الأريكة، و بادرت قائلة بترقب:
_ أقدر أثق فيكي و يفضل الكلام اللي هقوله ده سر بينا ميعرفش بيه مخلوق؟
ردت عليها «عبير» بنبرة صادقة:
_ طبعًا يا دكتورة، أخدمك بروحي و الله، دا أنتي جميلك اللي عملتيه مع رجاء أختي في ولادتها، يخلي أوامرك كلها مطاعة.
_ الأمر لله يا حبيبتي، بصي أنا عايزة منك خدمة صغيرة بس بالنسبة لي اكنك بتنقذي حياتي.
ضيقت «عبير» حاجبيها باستغراب، و سألتها بفضول:
_ تحبي أعمل ايه عشانك؟
تحدثت «غرام» بصوت هامس وقالت:
_ الوقت اللي تلاقي فيه «سميرة» طالعة فوق تتصلي عليّ فورًا، و لما أكون مش موجودة تحت و «مالك» يرجع من الشغل بردو تتصلي عليّ......بس لازم محدش منهم ياخد باله بكدا..........تمام؟؟
_ بس كدا!!
_ أيوه، بس لازم تعرفي إن لو حد عرف بالكلام ده أنا هروح فيها، أنا اخترتك عشان بأثق فيكي، بلاش تكسري الثقة دي أرجوكي.
ضربت «عبير» على عنقها و أقسمت بصدق:
_ و الله العظيم يا دكتورة، أنا افديكي برقبتي، متقلقيش.
_ طيب اسمعي ساعديني دلوقت ناخد أكل من المطبخ من غير ما «سميرة» تاخد بالها.
_ «سميرة» بتخرج كتير من البيت، تقدري تقولي كل يوم ممكن تخرج بتاع ساعتين كدا تروح تشوف اولادها و مامتها فلو ينفع تستني عشر دقايق كدا هي كانت بتغير و أنا طالعة.
★★★★★★★
عندما تقدمت خطوتها الأولى داخل غرفته، تسلل عطرها إلى أنفه فأغمض عينيه مستمتعًا بشعور الأمان الذي يجتاحه بتواجدها معه، وضعت أمامه الطعام و ابتسمت قائلة:
_ عامل إيه يا «أحمد» ؟ وحشتني؟
لم تكن تعني كلمتها الأخيرة بالمعنى الحرفي، و لكنها رغبت في منحه شعور الاهتمام، ليعلم أن هناك من يحبه و يريده بخير.
فتح عينيه ناظرًا إليها، فلمعت عينيه بوميضٍ من اللهفة و العتاب، فاستدنت بظهرها على الحائط و قالت:
_ انا آسفة عشان مجتش الأيام اللي فاتت، بس كان عندي مشكلة.
نظر إليها باهتمام؛ ينتظر تفسيرًا لكلماتها، فأكملت بصوت مختنق:
_ فاكر بابا «أحمد» اللي قولتلك عليه المرة اللي فاتت؟ لما خرجت من عندك يومها عرفت إنه مات هو و ماما.
خانتها عيناها عندما فرت الدموع هاربةً على وجنتيها، فتفاجأت به يُزيل دموعها بأنامله النحيفة المرتجفة، و ينطق بخفوت:
_ البقاء لله.
لقد سمعت تلك الجملة من الجميع، لكنه جعلها مميزة، و كأنه طبطب على قلبها، فابتسمت بودٍ و قالت:
_ و نعم بالله.
بدأت تطعمه كما فعلت في المرة السابقة، و قالت بحنان صادق:
_ كدا مبقاش عندي غير «أحمد» واحد، و مش هسمح لحد يؤذيه.
★★★★★★
ظلت على هذا المنوال لمدة أسبوع كامل، اقتصرت في يومها على زيارتها لأحمد و إمداده بالغذاء نهارًا، و في المساء تخلد مبكرًا إلى نومها كي تتحاشى زوجها، و تحافظ على المسافة و الفتور بينهما.
جاءت إليها «منى» لزيارتها في بداية الأسبوع الجديد، ففضلت «غرام» أن تأخذها إلى غرفتها بعيدًا عن «مالك» الذي يشاهد المباراة في حجرة الجلوس.
بادرت «منى» بنبرة جادة:
_ مستعدة تسمعي الكلام اللي هقوله؟
هزت «غرام» رأسها وقالت باستعجال:
_ قولي قولي، جاهزة اسمع أسوأ السيناريوهات، مفيش حاجة هتبقى أشد عليّ من موت أهلي.
_ أنا شوفت تسجيل الكاميرات اللي في محل عم «عبد المجيد» ، أمك رجعت البيت قبل ما المأذون يكتب الكتاب و كانت بعربية «مالك» و الشاب اللي نزل معاها ده شغال في الحراسة اللي عندكم هنا.
_ و بعدين؟
_ الغريب بقى إن والدك ظاهر في الكاميرا و هو بيعيط و بيجري داخل العمارة، و بعد والدك ما طلع بحاولي تلت ساعة الشاب اللي كان مع والدتك ده نزل......يعني اعتقادي إن الشاب دا هو السبب في موتهم.
أيدت «غرام» اعتقاد صديقتها و قالت:
_ و عمل كدا بطلب من «مالك».
_ خلينا نقدم شكوى، و سيبي البيت ده و تعالى معايا.
اعترضت «غرام» قائلة:
_ مينفعش، لسه قاعدة هنا شوية، و موضوع الشكوى ده لا هيقدم و لا هيأخر، لأن «مالك» هيخرج منها زي الشعرة في العجينة.
قالت «منى» باستنكار:
_ ازاي يا بنتي دي جريمة قتل!
تلوى ثغرها ببسمة ساخرة و قالت:
_ ببساطة جدًا الفيديو اللي بتقولي عليه ده مش دليل على إدانة «مالك» ، و كمان مش دليل قوى ضد الشاب اللي ظاهر، ف خلينا نأجل الموضوع دا شوية، كدا كدا هجيب حق أهلي.
حذرتها «منى» قائلة بقلق:
_ بلاش اللي في دماغك دا يا غرام، واضح إن «مالك» صعب و شخص وحشي مش هنعرف نلعب عليه.
قالت «غرام» بغموض:
_ سبيها لله، عملتي الطلب التاني؟
تزامن رد«منى» ، مع إخراجها مفتاحًا من حقيبتها فقالت:
_ اهوه، طلعت نسخة زي اللي كانت مطبوعة على العجينة، أتمنى يكون الصنايعي عرف يعملها مظبوط.
★★★★★★
في تلك الأثناء، قاطعت «سميرة» متابعته للمباراة، عندما جاءت قائلة:
_ مستر «مالك» عايزة أقولك حاجة.
رد عليها و نظره مثبت على شاشة العرض:
_ في ايه؟
أجابته قائلة بحيرة:
_ في حاجة غريبة بتحصل بخصوص «أحمد».
ضيق ما بين حاجبيه سائلًا بترقب:
_ حاجة غريبة ازاي؟
أوضحت «سميرة» قائلة:
_ دلوقت أنا كنت بطلع كل يوم ساعة الصبح و ساعة وش المغرب كدا افكه عشان لو هيستخدم الحمام، و كنت بطلع عيش وحلاوة كل ٣ أيام زي ما أنت قولت لي.
_ فين الغريب في كدا؟
_ الغريب إنه الأول كان بيخلص الأكل اللي بطلعه دلوقت مبقاش يقرب منه أصلا.
قال «مالك» بحقدٍ دون اكتراث:
_ عنه ما أكل يا «سميرة»، خليه يموت و نخلص.
_ ما هو في حاجة كمان.
_ حاجة ايه؟
_ الأسبوع الأخير ده بقيت أسيب الأكل بكميات معينة في التلاجة، و اجي تاني يوم الاقيه ناقص.
هتف «مالك» بحدة خفيفة:
_ هو احنا هنراقب الأكل؟ ما يمكن تكون «عبير» بتاكل أو «غرام» او ممكن «غرام» بتأكل حد من الحرس....فمش هقعد ادور مين أكل و مين لاء!
_ طب حاجة كمان.
تنهد «مالك» بصبر أوشك على النفاذ وقال:
_ انجزي، لسه ايه؟
_ طلعت امبارح لاقيت «أحمد» مفكوك مع اني متأكدة اني كنت قافلة السلاسل الحديد على إيده، و كمان قابلت الدكتورة نازلة من على السطح.
قطب حاحبيه مفكرًا، ثم هب واقفًا بوجه مكفهر، فقد استطاع ربط الخيوط ببعضها، فهدر بغضب مكتوم:
_ «غرام» فين؟؟
_ مع دكتورة «منى» في الأوضة فوق.
تخطاها «مالك» ، صاعدًا إلى غرفته ناويًا الفتك بها، فقد نفذ صبره و لن يغفر لها بعد الآن.
يتبع ......... عرض أقل
•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية