رواية هاجس الروح الفصل العاشر 10 - بقلم رباب حسين

 رواية هاجس الروح الفصل العاشر 10 - بقلم رباب حسين

ليتني لم اسمع. وُلدت هذه الجملة في صدره على الفور فالندم الآن يزرع بذوره بداخله ليحصد منها ألمًا كاد أن يقتل كل جميل فيه. ثم تردد سؤال آخر في داخله أكثر إيلامًا: "من أنا؟ من هو أبي؟"
أغلق عينيه على ألمه محاولًا أن يوقف سيل الأسئلة التي انهمرت داخل عقله وكل سؤال يعصف به في اتجاهٍ أشد من الآخر. لكن عقله لم يتوقف، ظلت الأسئلة تتوالى عليه:
هل أمي خانت أبي؟
هل أنا ابن الخطيئة؟
هل حقًا أسعد ليس والدي الحقيقي؟
هل أبي قتلها فعلًا؟
توالت الأسئلة الكثيرة حتى صاح في غضب وبكاء قائلًا: كفــــــــــاية.
قذف المسجل من يده ووضع رأسه بين راحتيه يضغط بقوة عليها كي يُوقف تفكيره حتى سمع آخر سؤال يتردد في ذهنه: " إذن، من هو الشبح الآخر؟"
زرع هذا السؤال بذرة شكٍّ فيما سمع، فإذا كانت أمه خاطئة إذًا فكيف يأتي شبحها لينتقم منه؟ هناك حلقة مفقودة وهذا ما آثار شكوك ريان أكثر، فقرر أن ينهي هذا الصراع ويذهب إلى أسعد ليواجهه ويسمع الحقيقة منه.

ظلَّ ريان على الفراش، يحدِّق في الفراغ، وما زاد حزنه هو احتياجه لتالين. نعم، الآن فقط يشعر بغيابها، ويُدرك كم كانت أهمَّ شخصٍ في حياته، ليزداد ندمه أكثر. تذكَّر ما فعله بها، وتلك النظرة الحزينة التي كانت ترتسم في عينيها عندما رأت حور متعلِّقة بذراعه أمام الجميع.

كان كطائرٍ جريحٍ على يد صاحبه، ينظر إليه في عتابٍ وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة قائلًا: "أنتِ من قتلتني غدرًا." لكنَّه أدرك أخيرًا أنَّ عقابه لها كان أشدَّ قسوةً من القتل، فقد تحملت كلَّ ما فعله بها فقط لتبقى بجواره. رفضت أن تتركه في الوقت الذي كان ينهال عليها ضربًا، وتمسكت به وبحبها له، وفعلت المستحيل كي تصبح زوجته، حتى وإن عرَّضت سمعتها للخطر، فلم تأبه لأيِّ شيءٍ سواه.
نعم، أحبَّتني... صدقًا أحبَّتني، وأنا أيضًا أحببتها.

حلَّ الصباح وبدل ريان ثيابه سريعًا وذهب إلى المشفى. وجد أسعد قد استعاد وعيه بالكامل ووافق الطبيب على زيارته له. دخل ريان الباب وقبل رأسه أولًا ثم قال: حمد الله على السلامة.
لاحظ ريان أن أسعد ليس على طبيعتة، عيناه تجوبان الغرفة كأنه يخاف من ظهور شيء ما فقال ريان: مالك يا بابا؟!
أسعد في ارتباك: أنا شفتهم، الأشباح اللي كنت بتقول عليهم، صدقتك خلاص، قولي إنت شفتهم تاني؟ قالولك حاجة؟!
عقد ريان حاجبيه وقال: هيقولو إيه يعني؟!
أسعد: أي حاجة، لو قالولك أي حاجة قولي عليها.
تنهد ريان وقال: هو إنت خايف من إيه؟ مخبي عليا إيه؟
زاد ارتباك أسعد فقال: أنا؟!..... مش مخبي، هخبي إيه يعني؟!
تنهد ريان بقوة وقال: أنا عرفت الحقيقة يا بابا، عرفت إني مش ابنك.
أسعد: مش ابني إزاي يعني؟!
ريان: شبح ماما قالي كده، قالي إني مش ابنك، وإنها كانت جاية عشان تقولي كده.
أسعد في غضب: يعني أمك كانت بتخوني؟! إزاي وإمتى؟!
ريان: مسألتهاش، بس أنا حابب أتأكد.
أسعد: لا، أمك استحالة تعمل فيا كده، ديه كانت بتتمنى رضايا، كانت بتعشق التراب اللي بمشي عليه.
ريان: طيب قتلتها ليه؟
فتح أسعد عينيه بصدمة ولم يستطع أن يجيب عليه فأردف ريان بغضب: قتلتها ليه؟! طالما أنت متأكد إنها مخانتكش، ليه قتلتها؟ وليه دكتور عادل بيقول إنها كانت خاينة؟
أسعد بتعجب: هو عادل قالك كده؟!
ريان: بابا أنا قولتلك إني عرفت كل حاجة؟ فاضل سؤال واحد بس هيجنني، لو هي مخانتكش، قتلتها ليه؟
أسعد: كنت عارف إنهم مش هيسيبوني، أنا غلطان إني خدت الفيلا، غلطان إني مسبتهاش وهربت.
ريان: بابا، فهمني من غير ألغاز.

دخل عادل الغرفة وهو ينظر إليهما بتعجب وقال: بتزعقو ليه كده؟ فيه إيه يا ريان؟! والدك لسه مخفش وواقف بتتخانق معاه.
زفر ريان بقوة فقال أسعد: لا يا عادل، ده زعلان مني عشان مش واخد بالي من صحتي.
عادل: ماشي بس مش كده، وعلى العموم متخافش عليه، هو بس راحة يومين في البيت وهيبقى زي الفل.
ريان: هو ينفع نروح؟
أسعد خائفًا: مستعجل على إيه؟
كان ريان يرغب بإنهاء هذا الأمر سريعًا لأجل تالين الحبيسة في ذلك الطابق وحدها دون طعام أو شراب فقال ريان: معلش، مش عارف أقعد في البيت من غيرك، وبعدين طالما بقيت كويس هنفضل في المستشفى ليه؟
عادل: أيوة بقى كويس ويقدر يروح، استنى بس الدكتور هيمر على الضهر كده ويكتبله خروج.

دخلت حور الغرفة وابتسمت فور رؤيته ثم ألقت التحية عليهم ووقفت بجواره، نظر لها ريان وحاول أن يهدأ من روعه فلا ذنب لها بما يحدث، وكان شعوره بالغضب من نفسه يسيطر عليه حاليًا بسبب تسرعه بإتمام هذه الخطبة.
عادل: خدي ريان الكافتيريا يا حور وافطرو سوا وأنا عندي شغل هخلصه واجيلك يا أسعد، وهبعتلك ممرضة تشوف لو محتاج حاجة ولو هتغير هدومك هتساعدك.
أومأت له حور وذهبت مع ريان.

كانت تنظر إليه في سعادة وقالت: حمد الله على سلامة عمي.
ريان: الله يسلمك.
حور: أنا زعلانة منك عشان مكلمتنيش إمبارح خالص.
ريان بغضب: إنتِ مش شايفة اللي أنا فيه يا حور، والشغل اللي مرمى على دماغي ده، ده أنا منمتش لحد دلوقتي.
حور: أنا مش قصدي يا حبيبي، أنا عارفة إنك أكيد مضغوط، بس.... كل الحكاية إنك وحشتني.
تنهد ريان وقال: آسف يا حور مش قصدي، حقك عليا إني اتعصبت عليكي.

ذهبا معًا. وعند الظهيرة عاد ريان إلى الغرفة ووجد الطبيب يفحص أسعد قبل خروجه من المشفى، وكتب له بعض الأدوية ثمّ ذهبا إلى المنزل سويًا. ساعد ريان والده حتى صعد إلى غرفته فبدّل ثيابه وجلس أمامه وقال: أظن دلوقتي نقدر نتكلم من غير ما حد يقاطعنا ولا يسمعنا، فهمني اللى حصل كله.
أسعد: أنا مقتلتش حد.
زفر ريان بقوة وقال: بابا، أنا عندي مصيبة أكبر وفيه واحدة ممكن تموت من ورا الموضوع ده، فلو سمحت قولي الحقيقة عشان خلاص أنا عرفت إنك قتلت أمي، كفاية بقى وقولي.
أسعد: مين ديه اللي هتموت؟!
انطفئت الأضواء فجأة وتردّد في الغرفة صوت قوي: أسعد.... أسعد.
نظر أسعد حوله في ذعر وقال: إفتح البلكونة يا ريان، مش شايف حاجة.
لم يجيب ريان فأردف أسعد في خوف: ريان، إنت فين؟!
اشتعلت الأضواء ووجد أسعد شبحًا ينظر إليه عن قرب فصرخ في ذعر ونظر بجواره ليجد تالين وقد تبدّلت ملامحها بشكل مخيف؛ كانت تمسك بريان وهو ينظر إليها وكأنّه فاقد العقل، محدّقًا أمامه دون حراك فقالت تالين: ابني اللي حرمته مني وهو لسه صغير، قتلتني بدم بارد عشان تداري على عملتك، قتلتِني بعد ما عرفت حقيقة اللي عملته، بس خلاص كل شيء وليه آخر يا أسعد، لو معترفتش بالحقيقة وبجرايمك كلها هناخد ريان زي ما خدنا مراته.
نظر لها أسعد في ذعر وقال متلعثمًا: حن.. حنان؟!
تالين: قول الحقيقة، ده آخر إنذار ليك.
أومأ لها أسعد في ذعر واختفت تالين وهذا الشبح الآخر من أمامه وعاد ريان إلى طبيعته فقال: مشيو؟! فين تالين؟
أسعد: هي ديه اللي إنت خايف عليها؟!
ريان: أيوة خايف عليها، عشان بحبها، تالين حبيبتي وروحي متعلقة بيها، لازم تعترف بالحقيقة عشان يسيبوها، أرجوك يا بابا قولي عملت كده ليه؟
تأكّد أسعد أن لا محيص من الحقيقة، فقرر أن يعترف ليرفع هذا الثُقل عن عاتقه فقال: هقولك عشان خلاص مبقاش ينفع أخبّي أكتر من كده، بيهددوني إنهم هياخدوك إنت كمان وأنا مش هستحمل يجرالك حاجة بسببي.

ثم تنهد وقال: أنا لما بدأت شغل وفتحت الشركة ديه كان عندي شريك فيها، بدأنا سوا وكبرنا سوا بس فجأة إتغير وكان عايز يفض الشراكة ويفتح مشروع برا مصر، كان شايف إن السوق في الدول العربية أحسن وكده، وأنا كنت متجوز وإنت كنت في مدرسة وكبرت خلاص وليك حياتك هنا، أما هو مكنش ليه حد أصلًا وأمه ماتت ومكانش ليه غيرها، رفضت إني أخرج لسوق العمل برا وحاولت أقنعه نفضل في مصر وإن الشغل شغال كويس ومفيش مشاكل، وفي يوم كنت جاي أشوف الفيلا ديه عشان اشتريها وهو جيه معايا، وبعد ما شفناها كلها ووصلنا للدور اللي تحت وقفنا نتكلم شوية وقالي: "بس الفيلا غالية وإنت هتحتاج الفلوس ديه لما نفض الشراكة عشان تعرف تقف في السوق لوحدك"
وعرفت إنه قدم على طلب هجرة خلاص وباع شقته وكل حاجة ليه، وقفت بصتله بذهول ولقيته طلع الورق من شنطته وكان مجهز كل حاجة عند المحامي وطلب مني أمضي الورق، محستش بنفسي غير وأنا بضرب فيه، شقى سنين بيضيع قدام عيني في لحظة، الشركة مكنتش هتعرف تقف على رجليها من غير نص رأس المال، قعد يترجاني أسيبه وأنا مش حاسس بنفسي ومش عارف بضربه إزاي، لحد ما لقيته مش بيتحرك ولا بينطق، بصيت في إيدي لقيت حديدة معرفش مسكتها إمتى، وضربته بيها إزاي، بس للأسف كان مات، طلعت كلمت السمسار وقولتله إني هخلص في الفيلا دلوقتي، قفلت عليه ورحت اشتريت الفيلا ورجعت وأنا جايب عدة ودفنته في الدور اللي تحت، وبعدها جبت بلاط جديد وعملت الأرضية كلها بيها، وجبتك إنت وأمك وقعدنا هنا، ومنعت أي حد ينزل الدور ده، وقبل ما ادفنه بصمته على تنازل لكل أملاكه ليا وقلت للناس كلها إنه هاجر برا مصر وساب كل حاجة.
محدش دور عليه ولا سأل وبقت الشركة ليا لوحدي وبس، من ساعتها وأنا الكوابيس مكنتش سيباني واللي لاحظت ده هي أمك، كانت دايمًا تسألني " إيه الكلام اللي بتقوله وإنت نايم ده؟"
وأنا اتهرب منها لحد ما بدأت تجمع الحقيقة ودورت على شريكي، وعرفت إنه مسافرش ولا حاجة زي قلت، وفي يوم وقفت ووجهتني ومعرفتش أنكر، قعدت تصرخ وتعيط وطلبت الطلاق وكانت عايزة تاخدك وتبلغ عني، فااا...
ريان: قتلتها؟! ما اللي يقتل مرة يقتل ألف.
أسعد: مقدرتش أستحمل إني أخسر كل حاجة.
ريان: كمل.
أسعد: خنقتها لحد ما ماتت، استنيت لحد ما البيت كله نام وشلتها ونزلت بيها، بس سعدية شافتني وقولتلها إنها عيانة وهوديها المستشفى، خدتها ودفنتها في الصحرا ورجعت قولت إنها اتحجزت، وفضل قدامي مشكلة واحدة، هقول إنها راحت فين؟! ملقتش قدامي غير عادل، رحت تاني يوم وقولتله إن حنان بتخوني، وإني شفتها بعيني ومحستش بنفسي غير وهي ميتة في إيدي، ساعتها عادل قالي تستاهل، بس وقفنا عند نفس المشكلة، نحلها إزاي؟! وعشان مروحش في داهية، قالي "متقلقش وسيب الحوار ده عليا".
لحد ما في يوم اتصل بيا وقالي إن فيه واحدة متسولة دخلت المستشفى، وعندها ورم خبيث ومفيش أمل في علاجها، وبعد ساعتين، اتصل بيا وقالي إنها ماتت وعمل ملفها باسم حنان عشان مكنش معاها أي إثبات شخصية، وطلب مني أني أجي واستلم الجثة وادفنها مكانها وساعتها محدش هيشك فيا.
ريان: وإيه المقابل؟! فلوس؟
أسعد: خد فلوس طبعًا، وكمان.... اتفق معايا إنك تتجوز حور بنته، عشان عارف إنك الوريث الوحيد ليا، وبكده هيبقى خد كل فلوسي مقابل اللي عمله عشاني، ووافقت.
تنهد ريان بقوة وقال: حتى أنا دخلتني ضمن البيعة؟! كل ده عشان تداري غلط ورا غلط؟! قتلت أمي عشان كشفت حقيقتك؟ حرمتني منها عشان قالتلك لا؟! عشان مقبلتش تعيش مع قاتل زيك، وكمان سوءت سمعتها، إنت إيه؟! معمول من إيه؟! ده أنا لآخر لحظة كنت بدافع عنك، لآخر لحظة كنت بقول لأ، بابا لا يمكن يكون قاتل، طلعت مغفل، وعامل فيها بتحبها ومتجوزتش بعدها إخلاصًا ليها؟!
أسعد: لا أنا فعلًا بحبها...
قاطعه ريان بغضب: لا، إنت متجوزتش عشان خفت مراتك التانية تعرف سرك هي كمان زيها، خفت على نفسك وبس، إنت لو بتحبها لا يمكن كنت تقول عليها كلمة ولا تطعن في شرفها وهي ميتة، وتخلي عادل ده يقف يقولك إتأكد إن ريان ابنك، مكنتش هتقبل تحطني في موقف زي ده، ولا يتقال عليا كده، إنت مش بتحب حد غير نفسك وبس، وعشان كده أنا كمان هقولك نفس اللي قالته أمي، يا تعترف بالحقيقة يا هروح أبلغ عنك.
أسعد: هعترف، خلاص مبقاش فيه حاجة تستخبى، أي سر في الدنيا ولابد يتكشف في يوم من الأيام.
ريان: أنزل أبلغ البوليس ولا تيجي معايا نروحلهم؟
أسعد: هاجي معاك. 

•تابع الفصل التالي "رواية هاجس الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات