رواية احببت نصابا الفصل العاشر 10 - بقلم نسرين بلعيجلي
**أحببت نصابا**
بقلم نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili
الحلقه 10
توقفت أنفاس نور وهي تسمع الإسم يناديها وسط زحام المطار. إلتفتت، فارتجف قلبها حين وقع نظرها على وجه مألوف… ندى.
ندى، صديقتها البعيدة، كان زوجها صديق زوج نور ، واقفة هناك بحقيبة سفر، عيونها مشدوهة وملامحها ما بين فرحة ودهشة. مدّت يدها وقالت بصوت متلخبط من المفاجأة :
"يا نور؟! سبحان الله، إنتِ هنا؟"
نور ماقدرتش تمسك نفسها، دموعها سالت غصب عنها. جرت عليها، حضنتها بقوة، وهي تهمس :
"الحمد لله… يا رب لك الحمد. يا رب لك الشكر. إنتَ اللي بعثتلي الرسالة دي… إنتَ اللي معايا."
كانت كلماتها دعاء أكثر من كونها حديث. وقفت وسط الزحام، ودموعها تنزل بحرارة، ترفع عينيها للسماء وتقول في سرها :
"يا رب… أنا كنت واقفة بالعافية. أنا كنت ضايعة. وإنتَ دلوقتي بتقول لي إنت مش لوحدك. إنتَ بتجبر بخاطري."
ندى حضنتها من غير ما تفهم التفاصيل، لكن وجودها في اللحظة دي كان كافي يطبطب على جرح عميق.
نور: إنت مسافره فين؟؟
ندى : انا رايحه بيروت في شغل جوزي هشام لازم أمشي و اتابعه.
هنا نور فرحت و ضحكت.
بعد دقائق، نور لملمت نفسها ومسحت دموعها. مشت بخطوات ثابتة ناحية شباك التذاكر. كانت خلاص مقررة تروح الأردن، لكن وقوف ندى قدامها غيّر كل حاجة.
قالت للموظف بصوت واثق :
"غيّر الوجهة.. بيروت."
وأول ما استلمت التذكرة في إيدها، قلبها امتلأ بيقين جديد :
"دي مش صدفة، دي تدابير ربنا. جبر خاطر ماكنتش أتخيله. أنا مسافرة مع ندى، والنجاة قريبة."
نور وقفت قدام البوابة، والدموع مغرقاها. البنات حواليها، حضنوها واحده واحده.
ياسمين مسكت إيدها بقوة وقالت :
"إحنا معاكِ يا نور، حتى لو مشينا من هنا. اتطمني، إنتِ مش لوحدك."
فيروز مسحت دموعها وقالت بابتسامة باهتة :
"شدّي حيلك. إنتِ أقوى من كل اللي حصل."
سلمى ضمّتها وقالت بصوت مبحوح :
"خلي بالك من نفسك ومن مريم، وربنا هينصرك."
نور بصت في عينيهم واحدة واحدة، وقالت وهي مش قادرة تتحكم في شهقاتها :
"أنا عمري ما هنسى وقفتكم معايا، ربنا يجازيكم عني كل خير. إدعولي محتاجة دعواتكم."
مريم مسكت إيدها بقوة، وندى قربت منها. البنات لمّوا الشنط في صمت، ونور مشت معاهم بخطوات ثقيلة، كأن قلبها بيتقطع بين الخوف واليقين.
ولما دخلت الصالة مع ندى، لمحتهم من ورا الزجاج بيرفعوا إيديهم يدعوا لها. لوّحت لهم بإيد مرتعشة، ودموعها نزلت أكثر.
على مقعد الطائرة، لما سكنت الأضواء وانطفىء الضجيج، مدت نور إيديها للمسبحة. دموعها نزلت بحرقة، وبدأت تدعي، صوتها بين الخشوع والانكسار :
"يا رب… إنت العالم بخبايا القلوب. إنت شايف ضعفي ووجعي. اللهم اجعل سفري ده نجاة، واجعل خطوتي دي بداية جديدة. يا رب… إجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه. اللهم أرني فيه يومًا أسود زي ما وجع قلبي وكسّرني."
شهقت، ودموعها غرقت كفوفها وهي ترفعها للسماء :
"يا رب، أرزقني الأمان بعد الخوف، والصدق بعد الكذب، والحب اللي يرضيك بعد الخيانة. يا رب، إحفظ بنتي، احميني معاها، وابعد عنّا كل شر. اللهم لا تتركه يفرح بخداعه، ولا ترحمه من عذابه."
ثم همست وهي تفتح عينيها على نافذة الطائرة والغيوم قدامها :
"دعاء المسافر مستجاب… وأنا مسافرة في سبيل نجاتي. يا رب، اجعل دعائي ده باب خلاص، وافتح لي من عندك أبواب الخير."
مريم كانت نايمة على كتفها، وندى بتبص لها في صمت، لكن نور عاشت اللحظة بكل روحها. لأول مرة من زمن، حسّت إن قلبها بيودع خوفه ويسلّم نفسه كله بين إيدين رب كريم ما بيخونش.
وصلت الطائرة بيروت. نور كانت ماسكة إيد مريم كأنها ماسكة روحها كلها، وعينيها متعلقة بالسماء وكأنها لسه بتناجي ربنا. عند الخروج، لقت ندى واقفة جنبها، ماسكة شنطة صغيرة، مبتسمة ابتسامة فيها طمأنينة :
"يلا يا نور، تعالي معايا، البيت عندي قريب، هتستريحي فيه."
نور هزت راسها بس من غير كلام. خطواتها ثقيلة، قلبها مخنوق، وعقلها لسه بيعيد المشاهد اللي هربت منها.
---
في شقة ندى، دخلوا الصالة. المكان دافي، بسيط، فيه ريحة قهوة متبخرة ولسه طالعة من المطبخ. ندى أخذت مريم بحنية وقالت :
"يلا يا حبيبة، تعالي نامي في الأوضة. ماما محتاجة ترتاح شوية."
دخلت بيها على غرفة صغيرة فيها سرير مرتب، غطتها كويس، وقبلتها على جبينها. رجعت للصالة لقت نور واقفة وسطها زي الغريبة، شنطتها مفتوحة، عينيها مش بتشوف.
ندى بصتلها بقلق، قربت منها وقالت :
"نور؟ مالك؟ في إيه يا أختي؟"
الكلمة دي كسرت السد. فجأة نور وقعت على الأرض، صرخت صرخة من عمق قلبها، صرخة وجع مكبوت من شهور. فضلت تضرب صدرها بإيديها وتخبط في قلبها :
"خدعني يا ندى، ضيّعني، كنت فاكرة لقيت سند، طلع شيطان، طلع كذاب، أنا سلمتله قلبي.. كسّره"
صوتها كان بيرتعش، شهقاتها بتقطع نفسها. دموعها نازلة على الأرض، ويداها بتشد في شعرها.
ندى جريت عليها، قعدت على الأرض جنبها، حاولت تمسك إيديها :
"هدي يا نور، بالله عليكِ هدي. إيه اللي حصل؟ قوليلي"
نور رفعت وشها، عينيها محمرة ومنتفخة، صرخت :
"سمعته بيقول لواحدة تانية مراتي، بيقولها بحبك، وأنا هنا كنت مستنية بكره عشان أتجوز. هو نصاب يا ندى، نصاب وأنا كنت عمياء"
وقعت على حضنها تبكي، وصوتها متكسر :
"أنا ضيعت عمري مع واحد ما يستاهلش، ضيعت نفسي وكنت هضيّع بنتي كمان"
ندى شدتها في حضنها بقوة، تمسح على شعرها وتقول وهي بتحبس دموعها :
"بس إنتِ خرجتي.. إنتِ نجوتي يا نور. ما تفكريش إزاي دخلتي القصة، فكّري إن ربنا خلصك منها قبل فوات الأوان."
نور فضلت تبكي وتصرخ، قلبها بينزف وهي بتقول :
"أنا تعبت يا ندى، والله تعبت. نفسي أرتاح، نفسي أحس بالأمان."
ندى مسكت وشها، بصتلها بعين مليانة حنان :
"الأمان مش مع حد، الأمان من عند ربنا. إنتِ عملتِ أول خطوة، وهنا البداية الجديدة."
نور سكتت للحظة، صوت بكاها بدأ يهدى، لكنها لسه على الأرض، عيونها تدمع وتقول بصوت مبحوح :
"يا رب… يا رب قوّيني. ما تسيبنيش أضيع تاني."
إنهارت نور على الأرض، صوتها يطلع من جوّاها زي زفرة محتقنة بقالها شهور :
"هو ليه عمل فيا كده؟! ليه؟! أنا عملت له إيه؟ أنا حبيته من قلبي، ما ظلمتوش، ما قصّرتش معاه، هو ليه كسرني كده؟!"
قعدت تضرب صدرها، مكان قلبها، كأنها عايزة تطلع منه كل الوجع :
"يا رب.. هو عارف إني مكسورة من زمان، هو عارف إني عشت وجع مالوش آخر، ليه ما صعبتش عليه؟! ليه ما رحمش ضعفي؟!"
صوتها انكسر، دموعها غرّقت وشها، وهي تهمس وتصرخ في نفس الوقت :
"أنا حلمت.. حلمت بيه في النار.. حلمت أكثر من مرة إنه شرير، ومع ذلك كنت بصدّق. ليه يا رب كنت شايفاه مختلف؟ ليه؟!"
رفعت راسها للسماء، بإيدين مرتعشة :
"إنت بتحبني يا رب، بعثت لي ناس تحذرني، واحد قال لي إنه نصاب، والثاني قال لي خذي بالك، وأنا يا غبية ما سمعتش. كنت بقول لأ، هو غير الناس، هو مختلف، لكن الحقيقة طلعت أبشع من أي كابوس"
إنفجرت في بكاء مرير، والصرخة خرجت من قلبها :
"اللهم إني مظلومة، اللهم فانتصر. اللهم اجعل كيده في نحره، وتدبيره تدميرًا عليه.. اللهم اجعل أي فرحة في حياته حسرة.. وأي خطة يرسمها خراب.. اللهم أرني فيه يومًا أسودا يشفي صدري ويبرد قلبي"
وقعت على جنبها، جسمها كله بيرتعش، وصوتها يتهدّج وهي تكرر :
"أنا مش باستاهل كده، مش باستاهل الخيانة، مش باستاهل الخداع يا رب خُذ لي حقي في الدنيا قبل الآخرة."
ندى حضنتها وهي بتبكي معاها، لكن نور فضلت تردد الدعاء بإصرار غريب، كأنها أول مرة في حياتها تحس إنها بتسلّم وجعها كله لإيدين ربنا :
"اللهم اكشف ستره قدام الناس كلها، اللهم اجعله عبرة لكل واحد يفكر يضحك على واحدة بريئة، اللهم احميني أنا وبنتي من شرّه. يا رب أنت حسبي، ونعم الوكيل."
ثم أغمضت عينيها على شهقة طويلة، كأنها سلّمت الألم كله للسماء، وما فضل جواها غير الصمت المبلل بالدموع.
ندى حضنَت نور بشدة، حاولت تقلل من رجفة الخوف اللي لسه بتهزها، وصوتها طالع ناعم وواثق :
"يا نور لو زي ما قلتِ يبقى إنتِ قويّة. ربنا بيحب اللي بينصر نفسه ويكشف الظلم. إنتِ كشفتِيه، ومافيش حد يقدر يقول عليكِ إنك غلطة."
نور بكت وبصّت لها بعينيها الواسعتين، كأنها بتتلمس أرضية أمان جديدة.
ندى كملت بسرعة، كلامها رايق وحازم بنفس الوقت :
"ناس حذرتك منه قبل كده؟ أيوه. بس لسه إنك سمعتِ النهارده، وطلعتِ، وسبتيه وسبتي البلد — دي شجاعة. هو ماعملش حاجة، خلاص، ما عملش. دلوقتي إنتِ اللي هتلعبِيها عليه، بعلمِك. إنتِ هنا في أمان. مافيش حد يعرفك هنا، ومافيش حد يلمسك."
شدّت إيد نور بحنان :
"إنتِ ست قوية يا حبيبتي. هو مجرد نصاب، وخلصنا. إنتِ اللي كشفتيه، ومش هو اللي كشفك. إهدي بس. تعالي نامي شوية، ريّحي قلبك."
نظرت نور ليها بعيون مبللة، وسكتت. ندى طلعت، جابت معاها علبة صغيرة، قالت بحنية:
"هديكِ حاجة تهدي الأعصاب، مش حاجة تضر. نومة بسيطة وتصحى بصباح جديد."
أعطتها الحبة بحذر، وضغطة على كتفها كانت كلها دعم :
"خذيها ونامي. لما تصحي، هنخطط كل حاجة خطوة خطوة."
نور مسكت الحبة بيد مرتعشة، نظرت لندى، وفي صوتها ارتعاشة قوية قالت : – "يا رب…"
بعد شوية، وقفت ندى جنب السرير بتتفرّج عليها وهي تغمض عيونها. نور كانت بتتنفس ببطء، وابتسامتها الصغيرة اللي كانت باردة قبل شوية بدأت ترجع، كأن ثقل كبير اتشال من صدرها. ندى لمّعت عينيها ونفَست وقالت لنفسها ولقلبها :
"نامي يا نور. بكرة يوم جديد. ربنا معاكِ."
وفي هدوء الشقة، نامت نور أخيرًا، وندى قعدت جمبها لحين طلوع الفجر، تقرأ لها أذكار وتهدي قلبها بصوت خافت، وكأنها بتحرس حلمها الوحيد : نجاتها.
إستيقظت نور على ضوء الشمس الخفيف داخل غرفة ندى، وكأن النهار نفسه بيقول لها : "إبتدي من جديد."
عينيها ثقيلة من كثر البكاء والدواء، بس قلبها حس بإنها في مكان مختلف، مكان آمن.
دخلت ندى بهدوء، شايلة صينية عليها شاي بالنعناع وقطعة كيك صغيرة. إبتسمت وقالت :
"صباح الخير يا عروسة، قومي افطري، النهارده يوم جديد."
نور إعتدلت بصعوبة، صوتها مبحوح :
"هو أنا لسه عايشة؟ كنت فاكرة إن قلبي خلاص وقف امبارح."
ندى قعدت جنبها، مسكت إيدها وقالت :
"إنتِ مش بس عايشة.. إنتِ اتولدتِ من جديد. اللي حصل ده مش نهايتك، بالعكس، دي بداية إنك تلاقي نفسك من غير قيود."
نور بصتلها بدموع محبوسة :
"أنا لسه مش مصدقة إني بعدت عنه، هو أكيد دلوقتي بيقلب الدنيا عليا. يمكن بيدور، يمكن بيشتم، يمكن بيخطط."
ندى هزت راسها بثقة :
"سيبيه يقلب زي ما يقلب. إنتِ خلاص خرجت من دايرته. وأهو ربنا جمعنا سوا، صدفة مش صدفة، تدبير ربنا. إنتِ معايا هنا، ومش هخليكِ لوحدك."
نور أخذت نفس عميق، وقالت بصوت مرتجف :
"أنا عايزة أشتغل، أغير حياتي، أعمل حاجة ليا ولبنتي. مش عايزة أكون ضعيفة تاني."
ندى ابتسمت وقالت :
"وهو ده الصح. أنا هساعدك تبتدي من هنا، نخطط سوا. عندك بنت محتاجة تشوف أم قوية، مش مكسورة."
نور عضّت شفايفها، ودموعها نزلت وهي تهمس :
"يارب… إجعل ده بداية جديدة بجد. خليني أكون قد الحمل وأكون أقوى من أي نصاب، من أي وجع."
ندى ضمّتها تاني وقالت :
"إنسي كلمة نصاب، هو خلاص بقا ماضي. المستقبل لسه قدامك."
ونور في اللحظة دي حسّت إن يمكن لأول مرة من شهور، فيه بصيص نور حقيقي بيتسلل لقلبها.
في نفس الوقت، كان رياض في شقته يتمشى كالنمر المحبوس. التليفون في إيده، بيرن مرة واتنين وعشرة… نور ما بتردش.
رمى الموبايل على الكنبة وصرخ :
"مستحيل، نور ما تعملش كده… هي فين؟!"
فتح باب البلكونة، أشعل سيجارة تانية، وبص للسماء بعصبية. رسائل كثير من صفاء : "هي بتضحك عليك، لو ما خلصتش بكرة، الكبار مش هيسيبوك."
ضغط على أسنانه لدرجة إنه حسّ الفكّ هيكسر :
"إزاي؟ إزاي راحت مني؟!"
قعد على الكرسي، مسك راسه بإيديه. للحظة، حس إن قلبه بيتقطع، مش عشان الخطة، لكن عشانها هي. حاول يطرد الفكرة، بس عقله ماكانش سايبه :
"أنا فعلاً حبيتها؟! ولا ده كان جزء من اللعبة واتحول لحقيقة؟"
أما في بيروت، كانت نور قاعدة مع ندى في البلكونة. نسمة بحر بتعدي، وضحكة مريم طالعة من جوه الأوضة وهي بتلعب.
أمسكت نور كوب الشاي، عينيها لسه حمراء من البكاء، لكنها رفعت رأسها لأول مرة وقالت :
"أنا مش هسمح لحد يكسرني تاني. أنا لازم أوقف على رجلي، وأكون سند نفسي وبنتي."
ندى ابتسمت، لمست على إيدها وقالت :
"أهو ده الكلام اللي يفرحني. إنتِ قوية يا نور… ودي بداية جديدة ليكِ."
نور رفعت عينيها للسماء، والدمعة بتنزل من غير ما تحس :
"يا رب… أنا إديتك قلبي المكسور، وإديتك وجعي. ساعدني أبني من تاني. ما تسيبنيش لوحدي."
وفي اللحظة دي، نور حسّت بحاجة غريبة، كأنها رسالة من ربنا، إن اللي جاي أصعب يمكن، لكن جواها طاقة جديدة بدأت تولد.
ليلٌ خانق.
وقف رياض قدام باب شقة نور، إيده على الجرس يضغط بعنف، مرة واتنين وعشرة. صوت الجرس بيرنّ في العمارة كلها، لكن الباب ثابت، صامت.
صرخ بصوت مخنوق :
"يا نور! إفتحي! إنتِ جرى لك إيه؟!"
خبط بإيده على الباب، برجله كمان، وصوته بيتحشرج بين الغضب والهلع.
رجع يبعد خطوة، مسك شعره من فوق، عيونه حمراء من السهر والدخان.
فتح الموبايل، رنّ عليها رنّة طويلة، وبعدها انطفأ الخط.
"مقفول؟!"
قرب الموبايل من وشه، قعد يكتب رسائل زي المجنون :
"إنتِ فين؟!
"ما تلعبيش بالنار يا نور.
"لو فيكِ حاجة قوليلي، أنا جاي في ثواني."
ضغط إرسال، الرسائل تخرج واحدة ورا التانية، ومافيش رد.
دخان سيجارته اختلط بأنفاسه الثقيلة. رجع جلس على سلالم العمارة، ويده تهتز وهو يفتح رسائل صفاء.
"هي بتضحك عليك."
"إلحق خلّص قبل ما يطير كل حاجة."
– "الكبار مش هيسيبواك."
ضرب الموبايل في الأرض بقوة، تفتت الزجاج الجانبي، صرخ بصوت مجروح :
"هي راحت فين؟! ليه عملت كده؟! سمعتني؟! لأ… مستحيل! لو كانت عرفت حاجة كانت واجهتني. نور مش كده!"
وقف، عيونه بتدور حواليه بجنون. طلع السلالم تاني، ضرب الباب برجله، والعرق نازل من جبهته.
– "يا بنت الجن، إفتحي، إنتِ فين؟!"
جاره من فوق فتح الباب نص فتحة وقال بعصبية :
"إيه الصوت ده يا أستاذ؟ هو في إيه؟"
إلتفت له رياض، ووشه مليان غضب مكتوم :
"هي هنا؟ شُفتها؟! شُفت حد خارج من الشقة؟!"
الراجل هز راسه وقال ببرود :
"من بدري مافيش حد، والبيت مظلم."
قفل الباب من غير كلمة زيادة.
رياض وقف وحده في الطرقة، حس إن الجدران بتسخر منه. مسك تليفونه من الأرض، جمع أنفاسه بصعوبة، وصوت داخلي بيصرخ :
"هي مشيت؟ سابتني؟ ولا حد خطفها؟ ولا لعبت عليا؟!"
ضغط على صدره، قلبه كان بيخبط كأنه هيخلع ضلوعه.
ولأول مرة، الخوف الحقيقي خنقه، مش خوف على الخطة، لكن خوف من إنها فعلاً راحت منه.
ثلاثة أيام مرّوا كأنهم ثلاث سنين.
رياض ما نامش فيهم ساعة كاملة. دخانه كان صاحبه، وزجاجات الخمرة مرمية حوالينه زي جثث.
دور في كل مكان. اتصل بكل رقم يعرفه. حتى دخل على فيسبوك يفتّش، كتب إسم سلمى بعد ما شاف صورة قديمة جمعت بينها وبين نور. قلب الصفحة حرف حرف، وبعت لها رسالة طويلة:
"أنا رياض… عايز أطمن على نور. ردي عليا بالله عليكِ."
الرسالة اتشافت لكن الرد ما جاش.
رنّ عليها مرة واثنين وعشرة. التليفون بيرن، وبعدين يتقفل.
فضل يعضّ في صوابعه لحد ما الدم سال من أطرافها. عقله بيصرخ :
"هي عندهم، البنات خبّوها. كلهم ضدي."
…
بعد ثلاثة أيام، كان قاعد في شقته، شعره منكوش، لحيته نابتة بشكل فوضوي، عيونه محمرة ومنتفخة. السيجارة محروقة بين صوابعه، والرماد واقع على هدومه.
دخل توفيق، فتح الباب وشاف المنظر.
وقف لحظة، وبعدين قال بسخرية ثقيلة :
"إيه ده يا رياض؟ ده شكلك مش ناقص غير تمد إيدك تشحت."
رفع رياض عينه ليه ببطء، زي الزومبي. صوته مبحوح :
"هي راحت، نور راحت."
توفيق ضحك ضحكة قصيرة :
"ما إنت اللي كنت عايز تلعب بيها. تلعب، تخسر. البنت طلعت أذكى منك."
رياض مسك راسه بين إيديه، صرخ :
"أنا خسرت كل حاجة يا توفيق! خسرت نور، وخسرت نفسي، والفلوس. كل الخطة راحت."
توفيق جلس قصاده، ولع سيجارة وقال ببرود :
"إنت اللي ضيعت نفسك. دايمًا فاكر نفسك أذكى من الكل، لكن المرة دي، وقعت."
رياض رفع وشه، ودمعة وحيدة نزلت من عينه، مش عارف إذا كانت على حب ضاع ولا على نصبة فشلت.
جلس توفيق قدام رياض، دخّن سيجارته وهو يبصله بعيون كلها سخرية وقال :
"يا رياض، لعبت كثير. نصبت على ستات كثير. كل مرة كنت تطلع كسبان، عايش دور النصاب المحترف. بس أخيرًا، جات واحدة غلبانة، وعلّمت عليك. ضحكت عليك يا صاحبي."
رياض رفع راسه فجأة، عينه كلها دموع ودم وغضب :
"اسكت يا توفيق، إنت ما تعرفش حاجة!"
ضحك توفيق ضحكة ثقيلة، نفث الدخان وقال :
"الفلوس اللي المفروض تسددها هتعمل فيها إيه؟ الناس مش هترحمك. صفقة المشروع راحت. حلمك الكبير فشل. ونور آه يا رياض، نور الغلبانة دي سابت فيك علامة هتفضل تحرقك طول عمرك."
هنا رياض اتشنج. ضرب الطاولة بإيده لدرجة إن الكوب اتكسر. صرخ بجنون :
"نور؟!! نور كسرتني، أنا اللي هكسّرها، مش هسيبها تعيش مبسوطة لحظة. أنا اللي خلّيتها ملاك، وهخليها تعرف جحيم الدنيا!"
توفيق اتكأ ببرود وقال :
"وصفاء؟ مش هي كمان ضحيتك؟ إنت غرّقتها في لعبتك."
صرخ رياض، عروقه نافرة، صوته متقطع من الغضب :
"صفاء مش ضحية، صفاء شيطان، هي ما اتجوزتنيش علشان بتحبني، إتجوزتني علشان تلاقي غطاء قدام الناس. صفاء عمرها ما عرفت يعني إيه حب، بنتها نفسها رمتها. وأنا؟ أنا اللي اتزنقت، اتزنقت واتحاصرت بيها زي الكلب. أنا ما ضربتهاش على إيدها، هي اللي جرّتني، حاصرتني، ربطتني بالجواز ده!"
قعد ثاني، شعره منكوش ووشه غرقان عرق ودموع، وضرب صدره بيده :
"أنا ندمان يا توفيق، ندمان إني دخلت السجن برجلي. اتسجنت معاها وهي السجانة!"
بعدين رفع راسه، عيونه كلها نار، صوته مليان حقد :
"بس نور.. آه يا نور، إنتِ ما تعرفيش أنا مين. لو الدنيا كلها وقفت قصادي أنا هاخليكِ تدفعي الثمن. هتندمي إنك ضحكتِ عليا. أنا هانتقم، وعمري ما هسيبك."
بدأ رياض ينهال بالرسائل، واحدة تلو الأخرى.
تهديدات… شتائم… اتهامات جارحة :
"إنتِ كنتِ بتلعبي بيا."
"إنتِ ست خاينة، عمرك ما حبيتيني."
"أنا فضحتك… وهخليكِ عبرة."
كتب وكأن الكلام نار، يريد أن يحرقها به.
لكن الصدمة أن نور لم ترد.
كانت تقرأ وتصمت.
ولا كلمة.
انسحابها كان جدارًا عاليًا أوقفه أمام نفسه. وجعه أكثر من ألف رد.
كل دقيقة كان يتخيّل ردًّا منها، كل ثانية كان يرجو كلمة. لكن الصمت كان مطبقًا. صمتها جرّده من سلطته.
جرح غروره.
بدأ يحاول أن يقنع نفسه :
"هي اللي خسرتني."
"أنا أقوى منها."
"أنا اللي سيبتها، مش هي."
لكن صوته الداخلي كان يعود صارخًا :
"كذّاب يا رياض… هي اللي كسرتك. صمتها هو اللي حطّمك."
عاد إلى توفيق بعد ثلاثة أيام.
فتح توفيق الباب، فوجد رياض غير الذي عرفه.
لحيته طويلة، شعره منكوش، جسده عارٍ إلا من شورت باهت، يحك جلده كأنه مسموم. وجهه غامق، عيناه حمراوان، وفيهما غضب بركان محبوس.
حاول توفيق أن يهزّه :
"فوق يا رياض! إيه اللي جرالك؟ إنت كنت أسد، إيه اللي خلاك كده؟"
لكن رياض لم يرد.
جلس على الأرض، ماسكًا رأسه بين يديه، يلهث كالمجنون.
حتى صفاء، التي كانت دائمًا ملتصقة به، استغربت حالته.
وجدت وحشًا مكسورًا، لا يثير فيها لا خوفًا ولا رغبة. تركت الشقة وسافرت.
والنساء اللاتي كان يتفق معهن، انسحبن واحدة تلو الأخرى من حياته. هو الذي كان دائمًا الصيّاد، أصبح الفريسة.
أكثر لحظة كسرت قلبه عندما عرف أن نور عملت له "بلوك" من كل شيء.
من الهاتف، من الرسائل، من المواقع.
من حياتها كلها.
وقف أمام المرآة، رأى نفسه جيدًا.
عيون خبيثة، وجه شيطان. ضحك ضحكة مشوهة، ثم تبعتها دموع.
تذكّر الحلم الذي رآه : النار تحيط به من كل جانب. الدوائر التي تسجنه.
شعر بها الآن.
النار لم تكن حلمًا، النار أصبحت داخله.
جلس على طرف السرير، يصرخ في صمت، يحك جلده كأنه يريد أن يخرج من جسده. لكن الحقيقة كانت أوضح من أي وقت مضى :
رياض… إنتهى.
آاند فلاش باك......
رنّ جرس الباب. قامت نور ببطء، قلبها يخبط، فتحت الباب لتجد أمامها سلمى، فيروز، فرح، وياسمين.
إندفعوا ناحيتها وحضنوها بقوة. دموع امتزجت بابتسامات، لحظة دفء بعد عاصفة طويلة. جلسوا جميعًا في الصالة، وكل واحدة عينيها مليانة أسئلة.
ياسمين كانت أول من تكلمت، بصوت مبحوح :
"إحكي يا نور… إيه اللي حصل بعد ما مشيتي؟ إزاي قدرتِ تكملي؟"
نور ابتسمت إبتسامة هادئة، عينيها مليانة نور وإصرار :
"اللي حصل علّمني درس كبير، إن ربنا ما بيسيبش عبده. يمكن الوجع كان كبير، بس ما كانش هيهلكني. أنا سلّمت أمري كله لربنا، قلت : يا رب، إنت الحكم العدل، وانت اللي شايف وبتعوض. ومن هنا حسّيت بالقوة."
فيروز سألتها، بصوتها الحنون :
"يعني… عديتي ازاي؟"
نور أخذت نفس عميق وقالت :
"بكيت… آه، بكيت كثير. يمكن 3 أيام ما عملتش غير دموع. بس بعد كده، حسّيت إن ربنا بيعوضني، بعثلي ناس تقف جنبي، بعثلي رسائل تفتح عيني. عرفت إن اللي كنت عايشاه وهم، وإن الوجع ده مش نهايتي، بالعكس، هو بداية جديدة."
فرح قالت والدموع في عينيها :
"إنتِ بجد قوية يا نور. بس هي بس المكالمه اللي سمعتيها هي اللي صحاتك ؟"
نور هزت راسها :
"قوتي مش مني، قوتي من ربنا. أنا مجرد واحدة قررت ما تستسلمش، قررت أسيب الوجع لربنا وأقول : اللهم دبر لي فإني لا أحسن التدبير.
وكمان ربنا كشف ليا الحقيقه من مكالمه تانيه وصلتني و حقائق اكتشفتها و ورق وحاجات كثيره من ناس ماكنتش متوقعاهم.
رياض كان متعري قدامي بس كان عندي صراع بين عقلي و قلبي "
سادت لحظة صمت، قبل ما ياسمين تبص لها وتقول بهدوء لكن بفضول :
"طب قوليلي يا نور، لو جه يوم من الأيام، وطلب منك تسامحيه، ممكن تعملي كده؟"
Nisrine Bellaajili
نور رفعت راسها، عينيها فيها نار هادية لكنها حاسمة :
"مستحيل. عمري ما هسامحه. لأنه ما عندوش رحمة. اللي ما فيش في قلبه رحمة، ما يعرفش يعني إيه حب، وما يستهلش سماح. أنا هسيبه لربنا، وهو أعدل مني ومن أي بني آدم."
كلماتها وقعت في القلوب زي السكينة. البنات بصّوا لها بإعجاب، حضنوها تاني، وكلهم حاسّين إنهم قدام نور جديدة… أقوى، أنقى، وأقرب لربنا.
الدفء يملأ المكان بعد برد طويل. نظرات البنات تلاحقها بفضول ورحمة، ثم قالت سلمى بصوتٍ متهدج : – «قوليلنا يا نور… النصاب ده بيعمل إزاي؟ هو كان بيضحك عليك ليه لحد ما وقعتِ؟»
نظرت نور إليهن، عينها لامعة بمزيج من ألم وطمأنينة، ثم فتحت فمها ببطء : – «النصاب عنده منهج ثابت. أول حاجة : يبان قدّامك إنّه فارس الأحلام — الكلام الحلو، الاهتمام المفاجئ، التفاهم اللي يحسِّسك إنك لقيتِ مين يفهمك. بعدين يخلّيك تبعدي عن الكل؛ يشكّك في كلام أصحابك، يقصّر معاهم أو ينسى مواعيد، ويبدأ يغيّر روتينك تدريجياً عشان تبقي لوحدك. بعدها يشتغل على ضعفك : يمدحك لحد ما تفتخري بنفسك في عينه، وبعدين يبدأ يسحب، يخليكِ تطلبي تأكيده، وتنسي إنك ليك الحق تقيسي عليه. لو استسلمتي — سواء بالمال أو بالتوقيع أو بالثقة — بيستغل ده علشان يقنّعك إنك مقصّرة أو مجنونة لو شككتِ. وفي الآخر… يسيبك لوحدك تواجهي الفضيحة والخسارة، وإنتِ بتحسّي إنك غلطانة لأنك صدّقتيه.»
فرح هزَّت رأسها بغضب :
«يعني بيلعب على كل حاجة حلوة فينا؟ بيحطها سلاح ضدنا؟»
نور بابتسامةٍ مرّة :
«أيوه. هو ما بيحبش. هو يحب حاجة إسمها المصلحة. الباقي مجرد تمثيل.»
ياسمين، بصوتٍ صارمٍ ينمّ عن حزن وحماية :
«طيب… والعقاب؟ ده اللي مهم. ربنا بيعاقب مين؟»
تنفّست نور، وكأن الكلمات خرجت من عقلٍ مؤمنٍ ثم قلبٍ مجروح :
«العقاب الحقيقي مش دايمًا شكل فوري. ربنا يا حبيباتي لا يترك مظلومًا. النصاب يخسر، مشَ بس مالًا؛ يخسر راحته وسمعته وذاته. اللي يعيش على الخداع، قلبه يعرّى؛ ما ينامش مرتاح. كل خطوة بيعملها تجرحه من جوّة. وفيه كثير من الحالات، الناس تكشفه : ضحاياه تتكلم، أوراق تظهر، عقود تُراجع، وضمائر تنهار. وفي النهاية، القضاء ما يتركش منتهك الحق من غير حساب. وللّه حكمة : ممكن يعاقبه في الدنيا بالفضيحة والخسارة، أو في الآخرة بما لا يعلمه إلا هو؛ لكن العدل حَتميّ.»
سكتت لحظة، ثم قالت بنبرةٍ حازمةٍ لا تبتعد عن الرحمة :
«وإحنا لازم نعرف إن أحسن ردّ على نصاب مش بُكاء دايم، لكن إنك تقومي، تجمعي نفسك، تشفي جروحك، وتثبتِي إنك أحقّ بالكرامة من أي وهم خدعك. ربنا يعوّض اللي خسرتيه، وساعاتك اللي راحت في الحُلم الكذوب ده. وصدقوا : اللي يضحك عليك اليوم، بكرة حد يضحك عليه وتكشفه الناس كلها.»
فيروز أمسكّت يد نور بقوّة وقالت : «يا رب… يجي يوم ما حدش يقدر يعمل في حد زي ده تاني.»
سلمى أضافت بصوتٍ منخفضٍ لكنه حازم :
«واحنا جمبك. مش هتروحي لوحدك في أي طريق مهما كانت القوة.»
ثم صارَت لحظةُ سكون، وكأن البيت نفسه استنشق راحة. نهضت نور، عينها تلمع بإيمانٍ راسخ، وراحت تهمس بدعاءٍ خرج من عمق روحٍ تعبت ولكنّها لم تسقط:
«اللهم إني أسألك أن تُنكِس كلَّ مُستكبرٍ طغِيَ بباطلٍ.. اللهم اجعل كيده في نَحره، وافتح لي باب فرجٍ لا أغلقه. اللهم ارزقني القوة أقاوم ظلمه، والجرأة أُرجِع حقّي ممن سلبه، وامنعه من أن يظلم غيري. اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ونجّني وبنتي بما شئت وكيف شئت يا أرحم الراحمين.»
كانت الكلمات صادحةً، خشوعٌ ومناجاة. البنات صفَّفن حولها، كل واحدة تشاركها الأمل والدعاء.
ثم أتمّت نور بصوتٍ حنونٍ قوي :
«من يعرف قيمة إحسان الله ويؤمن بقضائه، لا يخاف من ظالمٍ مهما طال. ربنا يمهل ولا يهمل. وحين يأتي الوقت، الله يكشف الباطل بقدرته، ويعيد لكل مظلوم حقّه، سواء بالدنيا أو بالآخرة. ونحن هنا — نعيد بناء حياتنا، ونرفض أن نخسر كرامتنا لأجل تمثيل واحد.»
همّ الجميع بالنشيد الداخلي : ثقة، دعاء، وتعاهدن أن لا يسمحن لظلم أن يسكن نُفوسهن بعد اليوم.
إلى كلّ مَن ظنّ أن الخداع مهارة، وأن الكذب بطولة، وأن كسر القلوب لعبة سهلة، أعلم أنّ الله يرى.
أعلم أنّ كل دمعة نزلت، كل قلب انجرح، كل نفس انكسر بسببك هو عند الله مكتوب، ولن يضيع.
يمكن أن تنجو من القضاء البشري، يمكن أن تهرب من العيون، لكنك لن تهرب من عين الحقّ.
> «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ» – (إبراهيم: 42)
أنت تظنّ أنك تركت وراءك امرأة مكسورة.. لكنك لا تدري أنّ الله حين يحب عبدًا يكشف له حقيقة الماكرين قبل أن يُتمّوا مكرهم.
وصدق ربنا :
> «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا» – (الطارق: 15–16)
نسرين بلعجيلي
فلتتذكر جيدًا: دعوة المظلوم لا تُردّ.
ونور… لم تتركك، بل سلّمتك بين يدي من لا يُظلم عنده أحدًا.
فنم هانئًا إن استطعت، لكن تذكّر :
عدالة السماء لا تنام.
النصّاب يظنّ أنه أذكى من ضحيته، يختبئ خلف كلمات منمّقة، ووعود كاذبة، وحبّ مُزيّف. يسرق الثقة قبل أن يسرق المال، يهدم القلب قبل أن يهدم البيوت. يترك وراءه وجعًا لا يزول بسهولة، ويظن أن اللعبة ستستمر إلى الأبد.
لكن ما لا يعرفه أن الله لا ينام، وأن المكر لا يحيط إلا بأهله :
> "ولا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله"
فاطر – 43
وأن كل دمعة، كل دعاء خرج من قلب مكسور، محفوظ عند الله ليومٍ يُقتصّ فيه الحق كاملًا :
> "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"
الأنفال – 30
النصّاب قد يربح لحظات من خداعه، لكن نهايته معروفة : عزلة، فضيحة، وانكسار أمام نفسه قبل الناس.
أما الضحية التي احتمت بالله، فالله يعوّضها، ويبدّل ضعفها قوة، وجرحها شفاء.
هذه القصة ليست عن نور وحدها…
هي صرخة في وجه كل نصّاب :
لن تفلت من عدل الله.
"إلى كل نصاب… إعلم إن دعوة المظلوم ما بينها وبين ربنا حجاب.
اللهم يا جبار، يا منتقم، يا عزيز ذو انتقام، اللهم اجعل كيده في نحره، ودمّره كما دمّر قلوبًا صدّقته، اللهم أرنا فيه قدرتك، واجعله عبرةً لمن يعتبر. اللهم كما لعب بمشاعر بريئة، فلتكن نهايته ذلًا وخسرانًا، اللهم أبدله راحةً إلى عذاب، وطمأنينةً إلى قلق لا ينام، اللهم لا ترفع له راية، ولا تحقق له غاية، واجعل أيامه حسرةً، ولياليه همًّا، وماله وبالًا عليه.
يا رب… خذ حقي منه كاملًا، عاجلًا غير آجل، واجعل دموعي التي أسالها ظلمًا نارًا تحرق قلبه،
واجعل كل سجدة سجدتها وأنا باكية قاضيةً عليه يوم لا ينفع مال ولا بنون."
انطفأ صوتها، لكن وقع الكلمات بقى في المكان كحكمٍ مُحالٍ لا يُردّ. البنات احتضنّها مرةً أخرى، البيت كله صار ملاذًا بعد ليل طويل. في بيوت صغيرة كهذه تُبنى قلوبٌ من جديد — ليس بالنسيان، بل باليقين.
قبل أن تقومّ الليل، قالت نور بصوتٍ منخفضٍ لكن ملؤه قرار : – «إلى كلّ من ظنّ أن الخداع مهارة تبرّرها حاجة : إعلم أنّ الله لا ينام. قد تربح لحظات، لكن النهاية لا بدّ أن تُكتب. ودعوة المظلوم عند ربّنا لها وزن لا يُحكى. أنا سلّمت أمري، وأمشي الآن، وكل خطوة هي اختبار لي، لا انتقامًا مني، بل ثقةً في عدلٍ أكبر.»
ثم خفتت الأنوار، وبقيت الجملة الأخيرة معلّقةً في الهواء، كأنها وعد وبشارة معًا:
«لا تفرحوا بنصرٍ زائف؛ عدالة السماء لا تنام.»
لقراءة ومتابعة روايات جديده وحصريه اضغط هنا
•تابع الفصل التالي "رواية احببت نصابا" اضغط على اسم الرواية