رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني 2 الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب

 

  رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني 2 الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب  

 « ضمير غائب ….»

تظن أنك تعرفني جيدًا، لكنك لم ترى جانبي المظلم بعد، تعلَّم كيف تكون غائبًا حاضرًا بدلًا من أن يكون حضورك غائبًا، أرشدني إليك فقد كنت في جواري متقاربين لكن بيننا شرخ بإتساع الأرض كافة، كن حاضرًا معي فـ لأول مرة أدرك أن اللغة العربية خاطئة، فليس للغائب ضمير …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

هل هناك شيء إختلف بداخلي أم أنها مجرد مفاجأة لم أستطع تحملها، إحساس ما بين الصدمة والرهبة جعل “نغم” ترتجف بغصة سرعان ما حاولت إخفائها وهي تنظر نحو “مأمون” متسائله …

– إيه ده يا “مأمون” ..؟!!

بدون أن تتغير تعبيراته كما لو أنه لا يدري ما المفاجئ وما سبب إنزعاجها ليجيب تساؤلها بتساؤل مستنكر …

– إيه ده إيه ؟!! مالك يا “نغم” ؟!!

عادت بسوداوتيها الواسعتان وهي تناظر هذا البيت المتهالك وهذا الحي المنزوي بنظرات مصدومة مما تراه فهل هذا بيتها الجديد، أين وقع كلمة (الجديد) من هذا البيت المتهالك لتتسائل بنبرة متحشرجة …

– هو ده البيت ؟!!

تفهم “مأمون” تساؤل “نغم” ليجيب بإيضاح …

– أيوه يا “نغم” ، هو ده البيت ، هو ده إللي أقدر أعيش فيه ، وبعدين هو المهم البيت ولا إللي ساكن فيه ؟!!

بقلم رشا روميه قوت القلوب

سؤال يجبرها على قبول ما ترفضه نفسها، أن تظهر تَقَبُلها ورضاها رغم هذا الرفض المتصارع بداخلها، فإن أجابت بالرفض فهي تَحطُ من قدرة وإن تقبلت الأمر فهي ليست سعيدة بالمرة، لكن عليها إظهار السعادة رغم ذلك …

– لأ طبعًا يا “مأمون” باللي ساكن فيه، أنا بس كنت فاكره إنك ساكن في شقة قريبة من بيتنا، وغير هنا خالص …

نظرة جامدة إستوطنت عينيه وهو يردف موضحًا …

– من بعد ما سبت بيت العيلة وطلعت أدور على شقة كانت هي دي إللي تناسب ظروفي خصوصًا إن والدي ووالدتي كانوا رافضين أسيب البيت، وإنتِ عارفه أنا أه بشتغل مع الحاج في الوكالة بس باخد مرتبي منه زيي زي العمال، ووالدتي منعت عني فلوسها عشان سبت البيت …

بتفهم للأمر أومأت تلك الحالمة بمستقبل جديد يبنونه سويًا …

– حقك عليا، متزعلش مني، أنا بس إتفاجئت، لكن أنا أعيش معاك في أي مكان ..

رسم “مأمون” إبتسامة خفيفة فوق ثغره وهو يدعوها للتقدم …

– طيب مش ندخل البيت بقى …


بقلم رشا روميه قوت القلوب

دلفت “نغم” ترفع طرف فستان زفافها حتى لا يتلطخ بالوحل وهي تخطو لداخل البيت ذو درجات السلم المتكسرة غير المستوية، صعدت نحو الدور الأول، ثم توقفت لتسائله عن أي من الشقتين يسكن بها …

– دي ولا دي ؟!!

رفع “مأمون” عيناه للأعلى وهو يجيبها ..

– لأ لسه فوق ، إطلعي …

جاهدت إظهار تلك البسمة فوق ثغرها لتتحرك مرة أخرى عبر درج السلم المتهالك نحو الأعلى ، وصلت للدور الثالث والأخير ليتقدم “مأمون” نحو تلك الشقة الوحيدة بهذا الطابق ليفتح بابها يدعوها للدخول …

ولجت “نغم” وبداخلها أمل أن تجد زهرة بحوض يابس، لكن ما لاقته بالداخل لم يختلف كثيرًا عما كان خارجه، شقة بسيطة للغاية فربما شقتهم ببيت النجار أفضل حالًا من تلك التي تسمي جديدة، لكنها تغاضت عن ذلك مدعية لنفسها بأنها تتصرف بعقلانية فيكفيها أنها مع من أحبه قلبها …

إلتفتت نحو “مأمون” برقة تناسب لطافتها وإلتزمت الصمت بينما أشار “مأمون” نحو إحدى الغرف …

– معلش بقى زي ما قلت لك ، الشقة على قدها شوية ، يلا إدخلي الأوضة غيري فستانك براحتك …

أومأت “نغم” بخفة لتتملكها مشاعرها الخجولة من تلك الليلة التي كثيرًا ما سمعت عنها ممن حولها ، فالليلة ليلة زفافها …

دلفت للغرفة دون تعقيب على بساطة الشقة وخلوها من أي مظهر بذخ وحداثة فقد تقبلت الأمر وإمكانيات “مأمون” بالوقت الحالي بعيدًا عن والده ووالدته بينما ظل “مأمون” منتظرًا خارج الغرفة يترك لها مساحة من الحرية لتبديل ملابسها ..

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

“هكذا أنا حين أحب أقسو، وحين أغار أجن، وحين أخاف أبتعد، وحين يرضخ كبريائي للحظة -أرحل- ، سأتميز بقوتي دون الرجوع لأحدهم فأنا لدي القدرة والقوة معًا …”

هكذا تحفزت “عهد” حين بدأت المناوشات وإطلاق الرصاص بينهم وبين هذا التشكيل ، فبتلك اللحظة لن تنتظر بإستكانة أن يقوم “معتصم” بحمايتها ، فهي متمردة بطبعها ، لن تستكين بل ستواجه وبقوة أيضًا …


بقلم رشا روميه قوت القلوب

رفعت سلاحها وهي تستقيم بمواجهة أحد أفراد التشكيل والذي كان يصوب ضرباته النارية نحو الفريق، صوبت تجاهه سلاحها الناري لتطلق النار بثبات و حِدة، لم تأبه لتلك الرصاصات المتطايرة من حولها …

“مجازفة متهورة ” هكذا رآها “معتصم” حين تمردت على أمره لها بالبقاء قُربه حتى يستطيع حمايتها، كم هي مرهقة بكل أحوالها وجوانبها، لن تريح قلبه ونفسه وعقله أيضًا كما لو أنها أقسمت على شتاته و إعلان سيطرتها عليه حتى لو لم تقصد ذلك ..

هتف بها “معتصم” بحنق من بين أسنانه …

– “عهد” ، إنزلي في الساتر، كدة خطر …

لكنها لم تستمع له فصوت عقلها وأفكارها يرفض الإختباء وعليها إحراز أى تقدم، إستدارت توليه ظهرها مستكملة تصيدها لهؤلاء المجرمين بينما مط “معتصم” شفتيه الممتلئتان وهو يغمغم بضجر …

– بقولك إنزلي، ده أمر يا حضرة الظابط …

إلتفت نحوه بأعين محتدة وهي تثني جذعها لتصبح مغطاة تمامًا بهذا الساتر لكنها نهرته بقوة …

– مينفعش نفضل مستخبيين كدة ، حيصطادونا واحد واحد ، لازم نضرب …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

حتى لو كان الحق معها لكنه يخشى عليها، لن يجازف بها حتى لو هي أرادت ذلك، لقد أصبحت نقطة ضعفه الوحيدة ولا يمكنه إخفاء ذلك، لاحظ بثاقبتيه أحدهم يصوب مسدسه نحوها ليمد كفه ضاغطًا فوق رأسها ليرغمها على البقاء بكامل جسدها خلف الحاجز ليصرخ بها بتخوف محب …

– حاسبي يا “عهد” !!!!

شعرت كما لو أن طلقة الرصاص عبرت فوق رأسها بالفعل لتتسارع ضربات قلبها وتحفزت بشكل قوي للغاية لتدرك أنه أنقذها للتو …

إستدرات نحو الخلف تنظر بإتجاه مطلق الرصاص بينما رفع “معتصم” قامته يصوب مسدسه تجاهه ليصيبه في الحال فهو قناص بارع …

عنادها جعلها ترفع قامتها مرة أخرى لتتبادل مع “معتصم” بإطلاق الرصاص عليهم كما لو كانا متفقان على تقسيم الأدوار بينهم …


إلتف بقية رجال الشرطة للقبض على هؤلاء المجرمين ليتم الإمساك بهم والقبض عليهم إلا إثنان منهما، أحدهم ظل يطلق الرصاص بإتجاه “معتصم” الذي كان يصوب تجاهه تارة ويختبئ خلف الحاجز تارة أخرى، والآخر لم يجد بُد من الهرب والنجاة بنفسه قبل إلقاء القبض عليه …

أطلق لساقيه العنان للركض هاربًا لتتبعه “عهد” بخفة ورشاقة تركض من خلفه فلن تسمح له بالهرب، كلما قفز فوق أحد الموانع كانت تلحقه بخفة فلن تتركه يهرب من بين يديها مهما كلفها الأمر، لكن ما لم تحسب له حساب هو أن هناك ثالث لحق بها دون أن تنتبه له لينقذ رفيقه ويتخلص من “عهد” التي كانت قوتها تماثل قوة قائد المعركة تمامًا …

تعثر الرجل ليسقط أرضًا وكانت “عهد” من السرعة للحاق به تمنعه من النهوض مرة أخرى …

– عندك !! سلم نفسك …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

جثت فوق ركبتها وهي تسحب الأصفاد لتكبل بها يديه من خلفه لتردد بقوة …

– إنت مقبوض عليك ، ولا حركة …

فور أن أنهت جملتها سمعت صوت حركة زر أمان مسدس موجه نحو رأسها إستعدادًا لإطلاق الرصاص ، لتتسع عسليتيها بفزع فيبدو أنها وقعت بمكيدة للتخلص منها …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

بيت محفوظ الأسمر …

عيون متسعة و رجفة جعلت البرودة تحتل جسديهما وهما يناظران “وعد” التى وقفت قِبالهما تردد إسم زوجها بإندهاش …

– “محب”….!!!

إبتلع “محب” ريقة وهو يلتفت بسرعة تجاه “عتاب” ثم يعود ببصره تجاه “وعد” وقد إمتلأت عيناه بنظرات الحِيرة ، فهل تعافت “وعد” وإستطاعت سماعهم ورؤيتهم أم أنها مجرد صدفة ستجعل الدماء تتهرب من عروقهم ..

بنبرة خفيضة نطق “محب” بإسمها …


– “وعد” …!!!

تقدمت “وعد” نحوهما وهي تدور بخضراوتيها بين كلاهما ثم تحدثت بصوت عال بنبرة مترردة للغاية …

– إنت بتقول حاجة ؟!!!!

بقلم رشا روميه قوت القلوب

جفل بعينيه لوهلة فهي مازالت لا تستطيع سماعهم بينما أولتهما “عتاب” ظهرها تبتلع ريقها الذي تحجر بحنجرتها متمتمة بسباب لتلك الغافلة …

– نشفتي دمي إلهي ينشف دمك، أعوذ بالله…

دنا “محب” من “وعد” يحاول إستيضاح ما أدركته بوجودهما معًا …

– جيتي إمتى ، تصدقي محستش بيكِ خالص !!

ضيقت “وعد” جبينها بدون إدراك ثم تساءلت بإستفسار لتتفاوت نبرتها بين العالية والضعيفة …

– بتقول إيه يا “محب” ، مش سامعاك ؟

تنفس ببعض الأريحية فهي لم تستطع سماعهم ليبتسم بمحبة …

– بس شايفاني، صح ؟!!

حاول نطقها ببطء شديد حتى تتفهم ما نطقت به شفتيه وهو يشير بيده مستكملًا الإيضاح بإشارته نحو عينيها، أومأت “وعد” بالإيجاب قائله …

– أيوه ، شايفاكم، بس مش سامعة حاجة، أنا أصلي إتخبطت في رأسي ولما فوقت لقيت نفسي شايفة كل حاجة …

لوت “عتاب” فمها بضجر فحتى حين حاولت أن تؤذيها يعود الأمر لصالحها وتبصر مرة أخرى، لكنها إنتبهت لأن عودة البصر إليها سيسهل عليهم أمر توقيع التنازل ، لتُحدث “محب” بإطمئنان أنها لن تفهم ما تقوله فهي لا تستطيع سماعها …

– حلو ، أهي فرجت وفَتَحِت تاني، خليها تمضي الورق، ماشي …

نظرت نحوها “وعد” ببلاهة متسائلة …

– بتقولي حاجة يا “عتاب” …؟؟


رمقتها “عتاب” بإستهزاء ثم أجابتها بنفس متهكمة …

– لا يا أختى ، مبقولش …

دفعت بالورق بيد “محب” ثم هتفت به قبل أن تلج لغرفتها …

– خد يا سبع البرمبة، مضي المدام، ماشي …

سحب “محب” الورق وهو يكتم غيظه منها ليعود بوجهه الملائكي تجاه “وعد” محيطًا ظهرها بذراعه يصطحبها نحو غرفته القديمة التى تمكث بها …

– تعالي حبيبي إرتاحي، الحمد لله إنك قدرتِ تشوفي تاني ، تعالي الأوضة …

إبتسمت “وعد” بحالمية ناعمة لتتحرك نحو الغرفة بصحبة “محب” غافلة عما يحاك من خلف ظهرها، ليبقى عليه إيجاد طريقة مناسبة لجعلها توقع هذه الأوراق الخاصة بالتنازل، فحين تضع ثقتك بضمير غاب عن وجوده يصبح الطريق مغروسًا بأشواك لا تنتهي …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

لحظات من حبس الأنفاس كاد يتوقف بها الزمن ، إنها لا تخشى المواجهة فهي قوية لا تهاب ، لكنها أصبحت وشيكة من فقدان حياتها بضغطة زناد واحدة ، هذا المسدس المصوب بمؤخرة رأسها لا يمزح …

لكل قوي رجفة ورهبة، خاصة عندما يشعر بالتهديد، لكن هناك في أعماق نفسها قوة تجعلها تدافع وتغامر وتتهور أيضًا، لن تستسلم لهذا المجرم وتنحني خضوعًا خوفًا من أن يقتلها …

قضبت “عهد” ملامحها بحدة تحاول الإستقامة لأعلى رافضة هذا التهديد، لكن إصرار هذا المعتدي على أن يرضخها بالقوة مهددًا إياها بجذب الزناد …

– إرجعي مكانك …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

إضطرت للثبات بموضعها مرغمة، لأول مرة تشعر بالعجز بهذه الدرجة، تخشى من المواجهة فالتهور الآن لن يكون بصالحها بالمرة، إرتجاف داخلي لا يظهر للعلن تتمنى لو أن تجد يَّد المساعدة، لكن ممن ؟!!! ليس هناك من يمكنه مساعدتها إنها دومًا وحيدة ، بحياتها وعملها متفرده بقوتها، لم تعتمد على الغير فلا يوجد غير، فأي سند هو غائب …


رغم تكبيلها لهذا الرجل إلا أن شريكه له الغلبة عليها، كاد أن يُكتب لهما النصر بتلك المعركة بخضوع “عهد” التي على وشك فقدان حياتها بطلقة رصاص رخيصة إلا أن تفاجئ الجميع بهجوم شرس من خلفهم، جسد تطاير بالهواء لينقض على حامل السلاح بقوة وبضربة قوية منه أسقط السلاح أرضًا ثم إنهال عليه بلكمات قوية لم يقوى على ردها ليفترش الأرض مستسلمًا وقد سالت الدماء من فمه وأنفه إثر تلك الضربات القوية المتتالية …

ومضات كما لو كانت حلمًا ، نظرت “عهد” للسلاح المنزلق فوق الأرض معلنًا تحررها من هذا التهديد لتسرع بإلتقاطه وهي تستدير بتوجيهها للسلاح تجاه هذا المجرم وبالتأكيد حثها فضولها معرفة مُنقذها …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

لا تدري هل كانت تتمنى أن يكون هو، أم أنها متيقنة بأنه هو فقط من سيهمهُ أمرها ويحاول إنقاذها، نظرت تجاه “معتصم” المنقض بضراوة على المجرم يكيل له اللكمات بقوة يلقنه درسًا قاسيًا بتعرضه لها …

يحميها ويدافع عنها ويهتم لأمرها، ترى هل ذلك بدافع نجاح المهمة أم أمر آخر، شعور مختلف حين تجد من يساندك و يهمه أمرك إلى جوارك، لكنه شعور حبيس داخل أسوارها المغلقة وهي تطالعه بتنفس مضطرب وبعض نظرات الإمتنان …

إقترب أفراد الشرطة للقبض على هذان المجرمان لإلحاقهم بأقرانهم وتكتمل المجموعة كاملة تحت سيطرتهم، بينما إعتدل “معتصم” يقترب من “عهد” التي وقفت مشهرة السلاح وتيبس تام تناظرهم على بعد خطوات …

مسح قطرة عرق تلألات فوق جبهته القمحية كادت تصل لعيناه المشعة بلونها القاتم، تلك المقلتان اللاتي تركزا على وجهها الناعم رغم ما تحاول كسبه من خشونة متسائلًا بقلق بالغ …

– إنتِ كويسة ؟ أذاكِ في حاجة الـ***** ده ؟!!

بإجابة مقتضبة دون غيرها ، فهي مازالت لا تصدق أنه تم إنقاذ حياتها للتو ..

– لأ …

تذكر “معتصم” حين تهورت تلك المتمردة منطلقة بركضها خلف أحدهم ملقية بسلامتها عرض الحائط ثم رأى آخر يتبعها، علم تمامًا بأنها مكيدة للإيقاع بها، ترك موضعه على الفور ليلحق بها فلن يتركها بين أيديهم، كانت حمايتها أهم ما يريده الآن حتى لو على حساب أمنه وكشف الحماية عنه …


بقلم رشا روميه قوت القلوب

زفر “معتصم” بإرهاق فقد أنهكته بعنادها وتمردها ورفضها لكل ما ييسره لها …

– تعبتيني والله، مش عارف لحد إمتى حتفضلي تتعبيني كدة ؟

رغم تتوقها لأن يلحق بها وإنقاذ حياتها، هي التي لم تنتظر من أحدهم يومًا مساعدتها إلا أنها أجابته بإنكار مصطنع …

– أتعبك في إيه !! هو أنا طلبت منك مساعدة !!!

مال برأسه حتى كادت عيناه تتوهج من تملصها طيلة الوقت ليردف بإنفعال لإنكارها الدائم …

– إنتِ إيه، مش حتتغيري أبدًا، أعملك إيه تاني عشان تصدقي إني بخاف عليكِ وبحميكِ من أي حاجة حتى لو مطلبتيش ده مني ..

رفعت رأسها بتهرب …

– ده عشان مهمتك تنجح مش عشاني أبدًا …

تهدجت أنفاس “معتصم” بقوة غير مبالي لما يحيط به من تخبط ووصول بقية أفراد الشرطة للقبض على هؤلاء المجرمين …

– مهمة !!! يعني إنتِ شايفه إن كل إللي أنا بعمله عشانك ده عشان المهمة !!!! إنتِ حتفهمي إمتى إني بحبك وبس، إني مقدرش أشوف حد ممكن يأذيكِ، “عهد” إنتِ بقيتي أغلى من نفسي عليا، مستعد أضحي بحياتي وروحي عشانك، حتنكري لحد إمتى، ليه مش قادرة تتحكمي في عنادك ده …

لملمت شفتيها وهي تناظره ببعض الجمود الذي سرعان ما كاد يتحول ليكشف تعلق قلبها المنتفض به، فؤادها الذي يصرخ من داخلها بـ”يكفي”، إنها بحاجة إليه و إلى قُربه، هو فقط من تشعر بذلك الأحساس الغريب المتناقض بداخلها تجاهه، تريد قُربه وأمانه وعشقه المتوهج وأيضًا ترفض وتخشى أن تُكسر وتُحطم كبقية نساء عائلتها …

نطقت عيناها “أحبك” بينما لم يتجاوز لسانها عن عقدته لتردف بغير حديث العين والقلب …

– أيوه هي المهمة، ولولا كدة ولا كنت حتيجي تنقذني ولا كنت حتفكر فيا، الموضوع كله شغل ومصلحة، لكن لو في إيدك الإختيار مكنتش حتختارني أنا …

إعتدل بأعين يملؤها اللوم وقد شعر بالغضب من تلك العنيدة، فإلى متى سيظل يحارب رفضها وإنكارها، إستغل كل الطرق لإثبات لها أنه قادر على إحتلال قلبها، وأنه مصدر قوتها وأمانها تستطيع أن تلقي بحمولها وأثقالها فوق كتفيه، أثار غيظها وغيرتها، أخرج عشقها الذي تخفيه، ألقى بنفسه بداخل النيران وتوسط طلقات الرصاص لأجلها هي فقط، نعم إستهلك كل الطرق لإقتحام نفسها المتمردة، لكن ليس جميعها، لقد بقي طريق اللامبالاة كما تفعل هي …


صَمَتَ للحظات قبل أن يحدق بها بسوداوتيه قائلًا بصوت شجي يقرب للهمس …

– يعني إنتِ شايفه كدة ؟!! إن كل ده عشان المهمة برضه ؟!! طيب أول مرة عديتها لك عشان كنت بقول متعرفنيش كويس، ومكنش عندي أوامر أوضح لك طبيعة المهمة في الكوخ، دلوقتِ برضه شايفه إن كل ده عشان المهمة، يعني أنا مستغل ووصولي للدرجة دي، كل إللي يهمني نجاح شغلي وبس !!!!!

إحتلت عيناه نظرات عاشقة معاتبة غُرست الألم بقلبها على الفور لما سببته له، لقد أصبح مجنون بها متنازلًا عن قوته وتمرده لأجلها أكمل مستطردًا …

– يعني لحد دلوقتِ مش متأكدة إني بعمل ده عشانك إنتِ وعشان بحبك، إني بعمل كدة عشان تحسي إني فعلًا السند والأمان إللي إنتِ محتاجاهم !!!! قلت ووضحت وحاربت عشانك، قلتها صريحة من غير لف ولا ملاوعة وده مش طبعي إني أقول بسهولة إني بحبك وعايزك وشاريكِ، عندي إستعداد أفجر الصخر عشانك وإنتِ برضه شايفه إن كل ده بعمله عشان الشغل !!!!!!

بقلم رشا روميه قوت القلوب

زاغت عيناها بين عينيه بنظرات متألمة لصدق إحساسه وعقدة لسانها الذي أخذت تجاهده لينطق، لكن شفتيها لم تسمح لها بأن تتفوه بها، بل إبتلعت كل الكلمات لتبقى صامتة مضطربة الأنفاس حائرة الأعين …

لست كما تظن وليتني أستطيع أن أكون كما ترغب، بداخلي صراع لا تعلم عنه شيئًا، حنين لأن أكون لك ويقين بأنني لن أكون، فأي تناقض أوقعتني به …

جفلت بعينيها لوهلة حتى ظن أنها ستنطق بها أخيرًا بعد طول صمت، لكنها أشاحت بوجهها مرة أخري متهربة، لم يبقى أمامه سوى إقتناص حبها عُنوة، أن يخرجها من قوقعتها بالإجبار إن لزم الأمر، ليتخذ إسلوب الممنوع ليصبح مرغوبًا …

سحب نفسًا متهدجًا طويلًا متحليًا بقوة وشموخ كما لو أن كرامته قد جُرحت من رفضها قائلًا ببعض النظرات التمثيلية البارعة …

– أنا شايف إني ضغطت عليكِ كتير أوي، وواضح إنك رافضه قُربي و حبي ليكِ، وأنا محبش إني أفرض نفسي بالشكل ده، طالما مش عاوزاني، أنا مش حعترض طريقك تاني، الظاهر إني كنت تقيل على قلبك، بس خلاص، من اللحظة دي مش حضايقك بكلامي تاني، ولو عايزة تسيبي المجموعة وتشتغلي مع حد تاني براحتك، بعد إذنك …

أنهى عبارته وسط ذهول “عهد” من حديثه وتركه لها، هل أصابه الملل من رفضها المستمر ؟!! هل ظن أنها لا تكن له أية مشاعر على الإطلاق لينسحب ؟! هل ظن أن بـ وداعه لها ستسعد وترتاح نفسها، لكن بعض الظن إثم …


إبتلعت ريقها المتحجر وخرجت أخيرًا الكلمات من حلقها المتيبس بنبرة هامسة لا يسمعها سواها وهي تناظر رحيله عنها …

– إوعى تسيبني يا “معتصم” ، أنا …. أنا …. (طأطأت رأسها على ما خسرته ولن تستطيع تعويضه)، بحبك ….

حين قلت وداعًا تمنيت أن تبقى بقربي ولا تختفي ، فوداعك يهشم روحي …

عاد “معتصم” لبقية المجموعة يستكمل عمله فبرغم صمتها إلا أنه يشعر بالإنتصار، فقريبًا سيُجبرها على أن تخطو خطواتها الأولى تجاهه، فهناك أبواب عليها أن تغلق بالوجوه حتى تتعلم إحترام الفرص، فهو أيضًا ليس سهل المنال ….

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

بيت المستشار خالد دويدار…

أحيانًا يكون كل ما نحتاجه هو الشعور بالطمأنينية وليس الحقيقية والمنطق، نبحث عن أمل بكلمة حانية حتى لو كانت مجرد كذب …

جلس “رؤوف” بغرفته يحاول أن يستجمع كل شجاعته لمواجهة الغد لكن شيئًا ما بداخله يسبب له الإرتباك والتوتر مهما حاول بث روح الشجاعة بنفسه ..

حتى أن جائت تلك الفارسة التى تنير طريق عتمته بضيائها الذي لا ينطفئ، وضع هاتفه فوق أذنه وقد إحتل ثغره بسمة راحة مستكملًا حديثه مع “موده” …

– أنا الحاجة الوحيدة إللي مطمناني إنك حتكوني معايا …

بيقين تام وحماس يغلبه التفاؤل …

– أكيد معاك إن شاء الله ، وحفضل جنبك لحد ما تقوم بالسلامة متقلقش …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

نكس عيناه باحثًا عن طيفها يتمنى لو أن يراها الآن أمامه …

– أنا مش قلقان خلاص، لما بتتكلمي معايا بحس إني مش قلقان خالص، أنا حاسس إني متغير أوي، حسيت إن الدنيا دي مش بالسهولة إللي كنت بتعامل معاها، حاسس إني بدأت أعقل شوية، نظرتي لكل إللي حواليا إختلفت خالص …

ضمت شفتيها بشقاوة وهي تسأله لتحثه على ذكر تغير مشاعره تجاهها …


– كل إللي حواليك ؟!!!! حتى أنا ؟؟

– ده إنتِ أولهم، مكنتش متخيل إزاي مكنتش شايفك زي ما أنا شايفك دلوقتِ، الغشاوة إختفت من عيني، حاسس إني أول مرة بفتح عنيا وأعرف الناس كويس، حاسس إني أول مرة أحب بجد …

توردت وجنتيها لتسعل بخفة وهي تخفي تغزله بها لتردف بجدية …

– قوم بس بالسلامة ونتكلم في كل ده، أنا أول ما تفتح عينك الصبح حكون معاك ونروح المستشفى سوا …

تنهد “رؤوف” ببعض القلق رغم ما تحاول من طمأنة تبثها بروحه …

– ربنا يعديها على خير …

– تصبح على خير بقى ونام كويس عشان تقدر تقوم فايق ومش تعبان …

بالتأكيد هي محقة فعليه الراحة الآن والإستعداد للغد ليردف بالإيجاب ..

– تمام ، تصبحي على خير …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

أنهت “موده” مكالمتها مع “رؤوف” وقد تعلقت عيناها بتلك البائسة الحزينة التي صعدت للتو وجلست بتعاسة أمامها …

نظرت “موده” بإشفاق نحو “غدير” التى أخذت تحملق بالسقف دون أن تتفوه بكلمة ثم سألتها بإهتمام …

– إيه يا “غدير”، “عيسى” مجاش تحت برضه ؟؟

حركت “غدير” رأسها بالنفي لتصمت لوهلة ثم أخرجت كلماتها المختنقة …

– فضلت قاعدة عند طنط “منار” وهي بتكلمه تقوله على العملية بكرة ومجاش وحتى مقالهاش هو قاعد فين ..

منذ ذلك اليوم و”عيسى” يتهرب من لقائه بـ”غدير”، تتمنى لو فقط يسمح لها بفرصة للإقتراب فربما وقتها ستوضح له الأمر وتستعيد قلبه الذي تتيقن أنها تسكن بين جنباته وحدها، تنهدت “موده” بضيق من حال أختها فيا ليتها تملك وسيلة للإصلاح بينها وبين “عيسى”، حتى مبيتها اليوم معها بشقة “غدير” ما هو إلا لإنتظار الصباح لمساندة “رؤوف” قبل إجراء جراحته و تخفيف حدة بقاء “غدير” وحيدة ككل يوم …


– كلميه يا “غدير” ، قوليله يرجع، وأنا حرجع البيت ، بس يرضى …

لملمت شفتيها المرتعشتان دون أن تنظر لأختها مجيبة إياها بإحباط شديد …

– حاولت وحاولت كتير أوي، مش بيرد عليا، عشان كدة كنت قاعدة جنب طنط “منار” أطمن بس إنه بخير، لكنه زعلان مني أوي ومش بيرد عليا ..

نهضت “موده” لتجلس فوق مسند المقعد الذي تتخذه “غدير” لتحيطها بذراعها لتضمها برفق …

– يمكن لما تشوفوا بعض بكره ساعة العملية يتكلم معاكِ وتتصالحوا …

تعلقت عينا “غدير” الواسعتين بأختها متحلية ولو بأمل ضعيف …

– يا ريت يا “دودا” ، يا ريت …

قبلتها “موده” برفق فوق رأسها لتحفزها بروحها المتفائلة…

– هو “عيسى” بيحب حد قدك، أصبري بس وأول لما يشوفك لوحده حـ يلين وتتكلموا وتتعاتبوا وتتفاهموا، والمياه ترجع لمجاريها زي زمان …

– يا رب ..

إعتدلت “موده” بتحذير فرغم صغر سنها إلا أنها تتمتع بعقلانية راجحة …

– بس كفاية كدب بقى، لازم تقولي لـ”عيسى” كل إللي حصل، هو حيفهمك كويس، يا “دورا” ما بُنىَّ على باطل فهو باطل، موضوع الحمل إللي مش موجود ده حيزود الزعل بينكم …

بهشاشتها وقلة حيلتها أخذت “غدير” تبرر تصرفها …

– لو مكنتش قلت له كدة كان إتهور وطلقني، أنا كنت بحافظ عليه لحد ما أقدر أفهمُه، يعني أنا مبسوطة لما كدبت عليه يا “موده” !!!!!

ربتت “موده” بلطف فهذا الوقت خصيصًا لا داعي لأن تلومها لأكثر من ذلك فالطَرقْ وقت الهشاشة يحط النفوس وعليها أن تُلطف لا تزيد من سوء الأمر على أختها …

– خلاص حبيبتي ، قومي نامي والصباح رباح، وأنا متأكدة إن “عيسى” حيسمع لك وتتصلح الأمور …

بإيمائة خفيفة حركت “غدير” رأسها لتنهض نحو غرفتها مدعية النوم لكن بداخلها أمل لإصلاح ما أفسدته بإخفائها للحقيقة وكذبها على “عيسى”، فيا ليتها كانت صريحة معه منذ البداية ما كان وجد الظن طريقًا لقلبه …


بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

كادت الليلة أن تنتهي إلا لصاحب الفكر المنشغل يقضي ساعات الليل متفكرًا بصمت …

جلس “محب” ينظر لتلك المستغرقة بالنوم إلى جواره متمعنًا بملامحها الهادئة قبل أن يسحب نفسًا مطولًا محدثًا نفسه …

ـ( لازم أفكر في طريقة، وفي نفس الوقت مش عايزها تفقد الثقة فيا، بس ده أمر مطلوب ) …

عاد ببصره بإتجاه “وعد” ليجدها مستغرقة تمامًا فيعود تجاه درج الكومود المجاور له ليفتحه ببطء وهدوء حذر ليخرج منه تلك الأوراق التي أعطتها له “عتاب” ليقرأ فحواها باحثًا عن مخرج لتلك الأزمة دون أن يفقد ثقة “وعد” به …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

سطعت عيناه بوميض وحماس فقد وجد ضالته بفكرة إتقدت بذهنه ليستكمل محدثًا نفسه …

ـ( أيوة ، هو كدة ، تمام ، كدة أبقى مخسرتش “وعد” وضبطت الأمور مع “عتاب” …

بوصوله لتلك الفكرة شعر “محب” بالرضا والراحة لينزلق إلى جوار “وعد” غافيًا لأنهاء تلك الليلة …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

مع صباح يوم جديد بالكاد مرت ساعاته وبدأ يومهم الروتيني الجديد، وكصباح معتاد للعمل والرتابة بعطارة النجار، بدأ “فخري” يومه بالذهاب لمتجره، تفاجئ بوجود “فريد” من قبله يتابع العاملين بالعطارة بجدية وإخلاص جديدين تمامًا عليه …

وقف “فخري” شاردًا للحظات وهو يتابع ولده الأكبر بعين ورؤية مختلفة كما لو كان يراه للوهلة الأولى …

تمعن “فخري” بملامح “فريد” ووجهه الثمين ليرى كم هو مستكين قليل الحيلة، ليس متجبرًا طاغيًا كما ظن به كوالدته “صباح”، بل يكاد يجزم أنه يراه يميل لطيبة القلب ليتمتم محدثًا نفسه …

-( شكلك غلبان كدة ليه يا “فريد” ، هو أنا ظلمتك يا إبني ولا إيه ؟!!!!) ..


بقلم رشا روميه قوت القلوب

ثم تعجب من نفسه حين تلفظ بها ليستكمل مندهشًا كما لو كانت الكلمة تمر بعقله لأول مرة …

-( إبني !!! ، حاسس زي ما أكون بقولها لأول مرة، أول مرة أحس إنه إبني وأنا أبوه ) …

طأطأ “فخري” رأسه قليلًا لتضربه صفعات الندم …

-( أنا السبب، أنا إللي كان مفروض أربيه وأقربه مني مش أبعده عني زي ما أكون قرفان منه ومتضايق من إنه يشبه أمه، وهو كان ذنبه إيه إن ملامحه شكل ملامحها، مكانش لازم أهرب وأبعد، كان لازم أحاوط ولادي في حضني وأربيهم زي ما أنا عاوز مش زي ما “صباح” عاوزه …) …

إنتهى شروده بإقتراب “فريد” نحوه مبتسمًا …

– صباح الخير يا حاج، مالك واقف كدة، ما تقعد على الكرسي بتاعك …

أشار “فريد” نحو مكتب والده ومقعده الوثير ثم أكمل …

– ده أنا خليت العمال ينظفوهولك ويظبطوه …

زاغت عينا “فخري” بولده كما لو كان يريد الإعتذار منه عن نبذه له وظنه السئ به، نعم لقد ترك نفسه ينجرف خلف الظنون ونسي أن بعض الظن إثم، طالت نظرته نحو “فريد” الذي جعل الأخير يقتضب متسائلًا …

– مالك يا بابا، إنت لسه زعلان مني ولا إيه ؟!!!!

تنهد “فخري” وهو يربت بكتف ولده …

– لا يا إبني، مش زعلان منك ولا حاجة، يا ريت بس إنت إللي متزعلش مني …

حرك “فريد” رأسه بدون فهم وهو يضيق عينيه الصغيرتين …

– أزعل منك ليه ؟! مش فاهم ؟؟!

– عشان مكنتش الأب إللي إنت محتاجه، كنت دايمًا ببعد عنك وأبعدك عني، حقك عليا يا إبني …

كلمات إعتذار لامست قلبه ليتأثر بشدة لحديث والده، أسرته عبارات والده البسيطة وإحساسه بالتقصير تجاهه، ليته كان صريحًا مع والده منذ زمن طويل، ليته أخبره بما يشعر به من تفرقه بينه وبين “مأمون” فربما الصراحة كانت ستجعله يتراجع عن مجاراته لمطالب “حنين”، ولكان أصبح “فريد” آخر …


بقلم رشا روميه قوت القلوب

لم لا نترك إثم الظنون ويكون طريق الوضوح هو المسيطر على حياتنا وترابطنا، لو إنعدمت ظنوننا لكنا نحيا بواقع أجمل دون المرور بتلك العثرات التي نُشيدها بأنفسنا …

لمعت عينا “فريد” بعبرة متأثرة ليلقي بنفسه فوق صدر والده يتلمس منه حنان أبوي حُرم منه منذ طفولته …

– يا حبيبي يا بابا …

عناق إحتاجه “فخري” قبل “فريد” ليزيل الحواجز بينهم بشكل تام ويعيد القوة والترابط لعلاقتهم، فها هو وثاق أبوي متين يربط بينهم لتبدأ رحلة من جانب جديد، رحلة رحل عنها ضمير الغائب ويصبح للحضور محبة ورباط …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

حي النعماني ….

لقد كنت شيئًا يسعدني ، كيف أصبحت شيئًا يفتت قلبي وجعًا، كل ما يمر بك بالحياة تتعلمه بنفسك إلا القسوة سيتكفل شخص آخر بتعليمها لك، لكن هل مع تلك القسوة هل يمكن للغياب أن يجذبك لطريق النسيان أم أن الغائب حاضر بالقلب فإن تناسى العقل فذاكرة القلب لا تنسى …

طرقت والدة “بحر” باب غرفته للمرة الثالثة دون رد لتهتف به بإشفاق …

– كدة برضه يا “بحر”، أهون عليك من إمبارح وإنت قافل عليك باب أوضتك كدة ..

مالت برأسها تستند بجبهتها فوق الباب المغلق فمنذ أن عاد ليلة الأمس بعد رؤيته لزفاف “نغم” و “مأمون” وهو حبيس غرفته ..

أكملت بنبرة حزينة على حال ولدها تحاول أن تخرجه من حالة الحزن التي سيطرت عليه …

– يا إبني قوم شوف شغلك وحياتك، شوف المكتبة وعيش دنيتك، حتفضل قافل على نفسك لحد إمتى، هي خلاص إتجوزت ومبسوطه، تعمل في نفسك ليه كدة !!!! حتستفاد إيه غير وجع القلب …

كلمات تتلو كلمات لكن “بحر” لم تؤثر به توسلات والدته وحثها له على الخروج والتناسي، كان يجلس بنفس مجروحه وقلب مفطور على خسارته، يشعر بأن الحياة قد إنتهت عند هذا الحد، توقفت حياته عند “نغم”، نعم هو لا يرى ما يدفعه لإستكمال حياته بدونها بعد الآن، كيف يعيش المرء بقلب متألم، كيف يتجاوز عن غصته وإختناقه ويكمل حياته الرتيبة التي كانت قبل تلك الساذجة …


بقلم رشا روميه قوت القلوب

هو لا يريد إغضاب والدته لكنه متألم، متألم بشدة ليلزم الصمت والهروب للنوم رغم أن الشمس قد توسطت السماء ليردف بعد وقت طويل بنبرة متألمة متحشرجة خرجت من حنجرته بغصة …

– سيبيني يا ماما، أنا عاوز أنام شوية …

إضطرت والدته للإبتعاد قليلًا لكنها بالتأكيد ستعود مرة وإثنان والعديد من المرات حتى يخرج من محبسه الإختياري الذي وضع نفسه به ….

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

شقة مأمون …

حين تنتظر الأشياء بلهفة يجب عليك الحرص أولًا من قدومها البارد، وقفت “وعد” ترتدي جلبابها الجديد الذي إبتاعته خصيصًا لصباح اليوم، جلباب أبيض هادئ ذو نقوش ورديه لامعه يظهر جمال عينيها السوداوتين وبريق ملامحها الناعمة تمامًا كحبة اللؤلؤ …

نكست رأسها بتعبير متضايق إحتل ملامحها فقد كان من المتوقع أن تكون في قمة سعادتها اليوم، لكنها تشعر بالنقيض تمامًا، تذكرت ليلة الأمس والمسماه بليلة زفافها وهي تدلف لتلك الغرفة لتبديل فستانها الأبيض بملابس مريحة، إستغرقت بعض الوقت حتى نظرت برضا لإنعكاس صورتها بالمرآة لتلتفت نحو باب الغرفة لتفتح الباب لمعشوقها وزوجها الذي ينتظرها بالخارج …

تفاجئت بـ”مأمون” مستلقي فوق الأريكة غارقًا بالنوم، تهدلت ملامحها بإحباط شديد فقد غفى وتركها بليلة زفافهم …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

البعض يبدأ يُقَيِّم علاقاته بمن حوله من ردود أفعالهم وإهتمامهم، البعض يدرك المحب من المخادع من اللامبالي، إلا من سقطت غشاوة الحب لتغطي عيناه وإدراكه وتفكيره أيضًا، فالشخص الذي يشعرك بالحزن وينام مرتاح البال تأكد أنه لا يستحقك بأي شكل من الأشكال …

لكن “نغم” تغاضت تلك الليلة عن فهمها لرد فعله البارد وأنها لم تكن من أولوياته بليلة العمر، بحثت لا إراديًا له عن عُذر مقبول بأنه لابد وأنه مرهق، متعب من الأعمال والأحداث من حوله حتى يسقط غافيًا بليلة زفافه …


تطلعت به “نغم” بعدما خرجت من الغرفة بنظراتها المحبة مُنحية غصتها من تَركِه لها ليلة الأمس لتدنو منه لبضع خطوات …

تمطأ “مأمون” بتكاسل وهو يفتح عيناه ليجد “نغم” تقف أمامه تبتسم له بوله، إعتدل جالسًا قائلًا بهدوء …

– صباح الخير …

– صباح النور …

توقعت منه ولو كلمة إعتذار عن نومه وتركها، لكنه نظر من فوق رأسها نحو الغرفة متسائلًا دون إنتظار إجابتها …

– حدخل أنا أغير هدومي، الواحد مش مرتاح كدة خالص …

رغم هذا الضيق الذي حل بها إلا أنها إبتسمت برضا فلا داعي لأن تعبس بوجهه فمازال العمر بأكمله أمامهما …

– أه طبعًا …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

بدون تأخير كان “مأمون” قد بدل ملابسه بمنامة مريحه ثم خرج لـ”نغم” التى توردت وجنتيها بحُمرة خجل، دفع بكفه يتلمس مقدمة شعره الأسود وهو يرفع من ذقنه للأعلى ببعض الغرور الواثق من نفسه كعادته …

– مبسوطة يا “نغم” ؟؟

سؤال جعلها ترفع وجهها الخجول وقد تعالت ضربات قلبها بقوة حتى كادت تحلق من فرط حماسها وهي تجيبه بعشق صارخ …

– مبسوطة أوي، أنا أساسًا مش مصدقه لحد دلوقتِ …

إبتسم بخفة بإبتسامته الجانبية المميزة ثم أردف …

– ولسه ، حتنبسطي أوي أوي …

ضحكت “نغم” بخجل لتنتبه ومعها “مأمون” لطرقات صدحت بباب شقتهم، قضبت “نغم” جبهتها فترى من هذا الذي جاء لزيارتهم بهذا الوقت المبكر …

تقدم “مأمون” نحو الباب ليفتح لهذا الزائر الصباحي ليقبض فوق المقبض بهدوء مثير للأعصاب ..

فتح الباب ببطء وهو يطالع من زارهم بثبات وعدم تأثر، بينما تجهمت “نغم” بقوة لتعقد ذراعيها بحدة أمام صدرها بإستنكار هاتفه بحنق …


– ده إسمه إيه ده بقى …!!!!!


يتبع…. 

 •تابع الفصل التالي "رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني 2" اضغط على اسم الرواية

تعليقات