رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني 2 الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب

  رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني 2 الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب  

« خطة مُحكمة …»

قوة يحكمها فِكر وقيادة نفس ، لكن لا تدري أن خلف تلك القوة التي تراها مني تراكمات لا تعد من إنهزامات وتعافي ، ليس بالضرورة أن تكون قاسيًا لا تبالي فأحيانًا تكمن القوة داخل قلوب مهشمة لكنها مستمرة في العطاء ، وحينها يجب أن تكون له الغلبة والقيادة لا قهر للنفس ، حتي تتصدر المقدمة بخططك المُحكمة …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

بيت محفوظ الأسمر …

بوضع مثير للريبة سقطت “وعد” بسكون تام فوق الأرضية القاسية دون حراك بينما كانت “عتاب” تدنو منها بعد ضربها دون أن تعي تلك المغيبة عما حدث ، بلحظة فارقة فُتح الباب وتعلقت أعين “عتاب” المفزوعة لإكتشاف جرمها تجاه تلك المسكينة ، لكنها على الفور تداركت نفسها وهي تنظر تجاه الطبيبة المعالجة لوالدتها حين دلفت الأخيرة للشقة فلم يكن الباب موصدًا ورأت هيئة “عتاب” المريبة تقف فوق رأس “وعد” التي غابت عن الوعي تمامًا …

أسرعت “عتاب” دون أن تترك الفرصة لها بالتفكير عما حدث ..

– تعالي قوميها معايا بسرعة ، وَقَعِت مرة واحدة ، الظاهر إتكعبلت ولا حاجة …

تركت الطبيبة حقيبتها لتهرع لمساعدة “عتاب” برفع “وعد” عن الأرض ومحاولة إفاقتها وهي تتسائل بتخوف …

– إزاي ده حصل ؟!!!

بقلم رشا روميه قوت القلوب

بأعين زائغة تحمل من الكذب وجوه كثيرة تتفنن بها تلك المتلونة ، إصطنعت التأثر والإشفاق عليها …

– مش عارفه ، دي يا حبيبتي لقيتها وقعت طلعت جري من الأوضة أشوفها مالها لقيتها مرمية كدة في الأرض ، كويس إنك جيتي عشان تقوميها معايا …

بالكاد حملتاها نحو الغرفة فيم أسرع الصغير “زين” بالتعلق بأمه التي وضعتاها فوق الفراش لتسرع “عتاب” بتركها لتبديل ملابسها للمغادرة حتى لا تشك الطبيبة أن لها يد بما حدث لـ”وعد” …

حاولت الطبيبة إفاقة “وعد” أولًا لتتمتم الأخيرة بتشتت …

– اااه ، دماغي ، حاجة خبطتني ، اااه …

مغمضة العينين لا يمكنها سماع ولا رؤية من إلى جوارها فإضطرت الطبيبة بأن تربت فقط على كفها كنوع من المؤازرة قبل أن تتركها بالغرفة لترتاح قليلًا لتمر بـ”قسمت” أيضًا …

مدت “وعد” ذراعها الذي تعلق له “زين” لتسحبه تجاهها وتحيطه بحنو داخل أحضانها تحاول إلتماس السكينة بقرب هذا الصغير منها ثم أغمضت عينيها لتغفو قليلًا وهو إلى جوار قلبها …

بقلم رشا روميه قوت القلوب


❈-❈-❈ــ

يتجلى الصدأ أمام العيون فكيف يخفى ما يظهر بوضوح ، لا تحاول إقناعي بأن الذهب يصدأ ، فقد فضح الصدأ من أوهمونا أنهم ذهبَ …

إتجهت “عتاب” على الفور للقاء “باسم” غير عابئة بما فعلته قبل قليل ، لكنها إصطنعت اللطافة والعذوبة لما تلقاه من إهتمام من هذا الرجل الذي أظهر إعجابه الشديد بها …

دلفت لأحد الكافيهات متجهة صوبه حين أشرقت ملامحه بإبتسامة ظاهرة قبل أن ينهض للترحيب بها …

– أخيرًا جيتي …

رغم إبتسامتها التى عانت بظهورها فوق ثغرها الذي لا يَعرِف الإبتسام لكنها جاهدت لبقائها فـ”باسم” فرصة لن تعوض إذا خسرتها ، فلن تبقى وحيدة إلى الأبد ، كما أن ما تراه منه من إهتمام و ود يجعلها تنساق خلف قُربه بتلهف …

– أيوة جيت ، بس خد بالك ، مش عاوزة أتأخر …

تطلع بها للحظات ما بين إعجاب ظاهر ومكر يخفيه خلف قناع المحبة ، ثم أردف بعملية …

– متخافيش، أنا حفهمك إللي المفروض يتعمل بالضبط عشان تقدري توصلي للتركة كلها …

– وأنا سمعاك يا “باسم” …

سحب نفسًا طويلًا إستعدادًا لشرح ما عليها فعله وتنفيذه بإسلوبها الخاص وبتخطيط منه …

– ده ورق تنازل ، لازم “وعد” تمضي عليه ، بس خدي بالك ، من غير ما تاخد بالها …

إبتسمت “عتاب” بسخرية من وضع “وعد” الذي لا يؤهلها لغير ذلك …

– لا متخافش ، هي في حالتها دي ، لا بتشوف ولا بتسمع ، يعني مش حتعرف أي حاجة …

– تمام ، خليها تمضي عليه وهاتيه ، والباقي كله حيبقى عليا أنا ، عشان نظبط أوراقنا وتبقى سليمة مية في المية …

لم تُخفي نظرات إعجابها بهذا الرجل الذي يبدو لها عوضًا عما لاقته من زيجات فاشلة سابقة ، لتردف بأريحية …

– وأنا معاك يا “باسم” ، أنا المهم عندي آخد الفلوس ، وبعد كدة أشيلهم كلهم من طريقي ، كلهم …


إيمائة خفيفة حرك بها “باسم” رأسه ثم تجاذب معها أطراف الحديث بمواضيع عدة لتبقى معه فترة طويلة تتناسى بها الوقت بصحبته ويستطيع بها السيطرة عليها بشكل كامل وإستدراجها لمستنقع التعلق به ليصل لهدفه المنشود ووضع سيطرته عليها بخطته المُحكمة …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

فيلا الأيوبي النوبارية…

بعد أن لاحظت “شجن” أن “رحيم” يسترق الوقت لمكالماته الغير واضحة لشخص مجهول ، وربما يكون هو هذا الجاسوس الذي أخبرها به “أيوب” لمراقبته وإيصال أخباره لأبناء عمومه للترقب لفرصة سانحة للإستيلاء على أمواله ، قررت “شجن” أن تُقحم نفسها للحفاظ على حق هذا الرجل الذي أكرمها وفتح لها بيته ولن تارك حقه وحق إبنه أو إبنته الغائبة بمال أبيها …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

جريئة مشاكسة بنوع فريد ، عليها التفكير بأمر يجعلها تتأكد أولًا من أن “رحيم” جاسوسًا عليهم قبل أن تتصرف معه …

خرجت من غرفتها لتهبط درجات السلم لاحقة بـ”رحيم” الذي خرج للتو من الباب الرئيسي لبيت “أيوب” …

إستوقفته منادية إياه …

– “رحيم” ، “رحيـــــــم” …

إلتف صوبها متعجبًا منها فقد تركته للتو ودلفت لغرفتها فمن أين أتت الآن …

– خير ، فيه حاجة ؟!!!!

دنت منه تحاول البحث بخيالها عن أية موضوع تخبره به فبهذه اللحظة مُحيت تمامًا من مخيلتها كل الكلمات ، لم تجد سوى أن تطلب منه أن يجلب لها غرضًا معه …

– ااا ، أصل أنا شوفتك خارج ، فقلت يعني لو تقدر تجيب لي معاك ، اااااااا…

حرك رأسه بعدم إستيعاب لتلعثمها الواضح …

– إيه ؟!! أجيب لك معايا إيه ؟!! مالك يا “شجن” ، إنتِ مش عارفه إنتِ عايزة إيه ؟!!


تراجعت بجذعها بإستنكار ساخر …

– إزاي يعني ، طبعًا عارفه ، أنا عايزة ااا ، أه ، أنا عايزة … شبشب …

عقص “رحيم” طرف أنفه بإستغراب مرددًا …

– شبشب !!!!!!

رغم أنها شعرت بغبائها وإختيارها الغريب إلا أنا أصرت على ذلك …

– أيوة ، إيه ، عادي يعني ، بحتاجة هنا ، رجلي بتوجعني …

رفع كتفه وأهدله بتعجب ثم أردف بتشتت ..

– بس أنا معرفش أجيب الحاجات دي ، أعمل إيه ؟!!

وجدتها فرصة لمصاحبته ومحاولة معرفة من الذي حَدثَهُ من قليل ، أو ربما إن إستطاعت أن تسرق هاتفه للنظر به وتفتيشه للتأكد …

– خلاص ، آجي معاك ، مش إنت نازل البلد ، خدني معاك …

تقبل “رحيم” الأمر بتلقائيته مستجيبًا لرغبتها وربما سعيدًا لقضائه معها بعض الوقت …

– تمام ، يلا بينا ، وممكن كمان ناخد العربية لو عايزة تشتري حاجات تانية …

أجابته بحماس كما لو كانت ذاهبة للتنزه …

– أه ، يلا …

إستقلا سيارة العم “أيوب” لتحاول “شجن” حث “رحيم” على الإعتراف بأنه حقًا الجاسوس …

– تعرف ، فيه ناس كتير أوي بيبقوا مش ظاهرين كدة ، متفهمش هم بيخدعوك ولا هم كدة بجد …!!!

كما لو أنها أخذت الكلمات من فوق شفتيه فهذا ما كان يفكر به تجاهها فهي شخصية مُحيرة للغاية ليردف بالإيجاب كما لو كان يحمل من الكلمات الكثير منها مخبأة داخل نفسه …

– ده كلام مظبوط جدًا ، ناس متعرفيش هم جواهم إيه ، وناويين على إيه بالضبط ، ويا ترى الحنية والطيبة دي لله في لله كدة ؟!!!!


ضيقت “شجن” حاجبيها بقوة فكيف يتفوه بما تفكر به تجاهها لتتسائل بريبة ..

– قصدك إيه ؟!!

بقلم رشا روميه قوت القلوب

بينما كان يود لو يسألها هو السؤال ذاته ..

– حيكون قصدي إيه يعني ، بندردش سوا …

تراجعت تناظرة بإرتياب غريب …

– أه ، بحسب …

نظراتها المتفحصة وطريقتها المرتابة جعلته يزداد شكوكًا بنواياها تجاه “أيوب” ، فيبدو أنه محق وما هي إلا مخادعة تظهر عكس ما تحيك في الخفاء من خطط مُحكمة لخداعهم جميعًا …

إلتزم الصمت طوال الطريق بينما أخذت الظنون تصفع كلًا منهما ، ترى من منهما على حق ومن على باطل …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

غرفة العمليات صفر …

تناغم وإنسجام رغم تلك المُشاكسة المستمرة بين “عهد” و “معتصم” ، تفاهم دون حديث وتلك أقصى درجات التوغل بالنفس ، كموجة ترتفع بأغوار المحيط تسحب الأخرى من خلفها في تناغم تام وبمثل قوتها …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

جلست “عهد” تدق بأصابعها الطويلة فوق أزرار لوحة المفاتيح الخاصة بحاسوبها تتحرك مقلتيها بدقة وتركيز شديد بين شاشة الحاسوب تحدد بدقة بعض المعلومات ، بذات اللحظة التى إرتفعت بها عسليتيها تجاه “معتصم” ، هذا القناص المترقب الذي يحدق بسوداوتيه تجاهها منذ بعض الوقت …

رغم إنتظاره ورؤيته لنظراتها تجاهه إلا أنه شعر بالإضطراب فور أن رفعت عينيها نحوه ، بينما أخفت “عهد” لحظة إرتباك حين وجدته يحدق نحوها بتلك الطريقة …


حوار صامت آخر دار بين عيونهما أدرك منه “معتصم” أن لديها معلومات جديدة لينظر تجاه الشرفة كما لو كان يدعوها بدون حديث لمقابلته هناك …

فهمته تلك الذكية من مجرد تحرك لمقلتيه تجاه الشرفة لتهدل رأسها بخفة وهي تغلق الحاسوب أولًا من الدواعي الأمنية التى تحرص عليها بطبعها المتشكك …

تحرك “معتصم” أولًا تجاه الشرفة لتلحق به “عهد” بخطوات بطيئة لا تلفت الأنظار بينما تسلطت عيني “عائشة” على الحاسوب الذي قامت “عهد” بإغلاقه بحركة إستياء واضحة وهي تميل بشفتيها ممتعضة لحرص الأخيرة الدائم على إخفاء المعلومات …

بلمحة خاطفة بثاقبتيه إستطاع التأكد بأن جميع من بالداخل لم ينتبهوا لوجوده مع “عهد” بالشرفة حين دلفت بطولها المميز وجمودها الذي يثير شغفه نحوها ثم تحدث بنبرة منخفضة …

– فيه جديد ؟؟

بحركة سريعة من رأسها أجابته بصوت يماثل صوته المنخفض …

– إتفقوا على الإنتشار الساعة تسعة ، و طلبوا منهم إنهم يكونوا كلهم على إستعداد للتصفية …

دفع “معتصم” الهواء من رئتيه دفعة واحدة يحدد بعقله الحاسوبي بقية الخطة برأسه أولًا مدركًا أن الأمر ليس يسيرًا بالمرة ثم أردف بهدوء…

– طيب تمام ، “عهد” إنتِ الوحيدة إللي عارفة المعاد والمكان ، عشان كدة عايزك تراقبي بقية المجموعة كويس لحد معاد المداهمة ، مينفعش أي معلومة تتسرب المرة دي كمان …

مسئولية ألقاها على عاتقها وثقة كبيرة وضعها بها لتشعر بقيمة نفسها بهذا العمل الذي كانت دومًا به مهمشة ، إحساس مُرضي لنفسها حين شعرت بمدى ثقته بقدراتها ومشاركته لها بأمر بغاية السرية والخطورة …

– تمام ، متقلقش …

تبقى أمر وحيد طغى على عقله وقلبه المتيم معًا ، دارت عيناه بتفرس بملامحها التي أصبحت ملاذًا لعينيه يطفئ بها غُربته بوجودها معه ، ثم تحدث بنبرة لينة قلقة …

– أنا عارف إن إللي بقوله ده بعيد عن المهنية في شغلنا ، بس ممكن أطلب منك متجيش المداهمة دي !!

إتسعت عيناها بإندهاش فمنذ وهلة كان يثق بها وبقدراتها فلم يطلب منها ألا تشارك بمداهمة هامة كتلك ، إحتدت نظرتها لتهتف بإستنكار شديد …

– ليه بقى إن شاء الله ؟ ما إنت كنت لسه كويس أهو ، بتقلب كدة ليه ؟!!!


إمتعض بإبتسامة لكلماتها التى تراشقه بها كعادتها ليردف بهدوء يسبب إستفزازها دومًا …

– حاج “فتحي” ، بلاش الدبش ده ، أنا واثق إنك أجدع من أجدع ظابط هنا ، بس بجد أنا خايف عليكِ من الخطر ، إفرضي حصل زي ما حصل في إسكندرية !!!

“إنه قلق على سلامتها ” ، هكذا فهمت الأمر متأخرًا ، لتتراجع عن ملامحها الحادة نوعًا ثم عادت وتذكرت الإسم الذي أطلقه عليها مرة أخرى للتو لتردف بإستنكار مرة أخرى …

– حاج “فتحي” !!!!!! تاني ؟!!!

لولا تلك الإبتسامة التي تعلقت بشفتيه الممتلئتين ونظرته العابثة الشقية التي تطلع بها نحوها لكانت تركت العنان لإبتسامتها لتخرج من بين ثنايا قلبها المرتجف بقُربه لكنها تصنعت الغضب الذي أثار هذا القوي ، فكم يعشق تلك الصورة الغاضبة المتمردة منها ، أجابها بهمس تكاد بصعوبة تمييزه إلي جوار أذنها …

– أحلى حاج “فتحي” شوفته في حياتي …

هل يمكن للعيون أن تغيم عن البصر وتعمى تمامًا عن الرؤية لمجرد كلمة غزل من نوع فريد ، غابت الصورة تمامًا من أمام عينيها وتعالت ضربات قلبها بقوة فلم تعد تحكم سيطرتها عليه بحضوره وهمسه من وقت لآخر ، تهدج صدرها لعدة مرات تحاول بها إنتظام تنفسها المضطرب ثم أعلت من شموخ رأسها قائله …

– أنا جاية المداهمة يعني جاية …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

إستقام “معتصم” متحليًا بالجدية ..

– يبقى تكوني معايا خطوة بخطوة ، فاهمة !!

أومأت بالإيجاب فهذا شيء تريده بالفعل ..

– فاهمة …

أكمل بعملية وتخطيط تشيد به بالفعل لسرعة إنتقاله من حالة لأخرى بذات الدقة والتركيز …

– الساعة ثمانية حنتحرك من هنا ، ونبدأ ساعة الصفر ، حتكوني معايا مهما حصل ، بقية المجموعة حتتوزع زي ما حددت الصبح ، محدش نهائي يعرف بأي تفاصيل أنا مش عاوز مخاطرة أكتر من كدة ، حتدخلي دلوقتِ وتكملي شغلك عادي جدًا ولا كأننا إتكلمنا في حاجة …


– تمام …

قالتها بإنصياع له ثم عادت لموضعها حين مالت “عائشة” بسماجة تريد معرفة عما كانا يتحدثان …

– كنتوا بتقولوا إيه ؟؟!

سؤال مستفز كانت إجابته رمقة قوية من عيني “عهد” المقاضبتان جعلتها تبتلع كلماتها متراجعه بمقعدها بعيدًا عنها لكنها أخذت تفكر بكيفية معرفة عما كانا يتحدثان بعيدًا عن بقية المجموعة …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

النوبارية …

تجول وتودد ظاهر لكن هناك توجس وإرتياب ظل ينهش بالعقول والقلوب ، وصل “رحيم” و “شجن” إلى البلدة يتجولون ويتبضعون لكن كل منهم ينتظر فرصة لمعرفة ما الحقيقة خلف هذا القناع المزيف ، لكن من المؤكد أن كلًا منهما لا يظهر إلا جزء ضئيل من نواياه تجاه الآخر …

وقفت “شجن” تطالع الهاتف الذي وضعه “رحيم” للتو بداخل جيبه بينما توقف “رحيم” عن السير مناظرًا “شجن” التى رفعت رأسها للأعلى حتى لا ينتبه لها “رحيم” تنظر بدون تركيز بإتجاه مغاير حتى لا يشك بها …

نظر بالإتجاه الذي تناظره “شجن” ليفاجئ بوجود هذا المهندس الزراعي الغثيث الذي زارهم بالبيت منذ عدة أيام ، لحظات من الغضب والغيرة التى تملكت منه للمرة الثانية ..

تطلع نحو “شجن” بإقتضاب ثم عقد ذراعيه بضيق متسائلًا ببعض الحنق من مطالعة هذا الرجل …

– طب ما تقولي كدة من الأول ، مكنش له لزوم موضوع الشبشب ومش الشبشب !!!!

ظنت أنه علم بإهتمامها بهاتفه لتبتلع ريقها بتوتر ثم أجابته بتلعثم …

– مفيش حاجة يعني ، مالك عامل مشكلة ليه !!!

رفع رأسه متمالكًا غضبه من إختيارها لهذا السخيف وجعله أضحوكة لأن يوصلها إليه …


– لو كنتِ قولتيلي مش كان حيبقى أحسن ما تحطيني في الموقف السخيف ده ، أنا محبش أكون طرطور كدة …

فاهت “شجن” به ليتدخل صوت غريب بينهم يلقى التحية جعلها تنتبه له …

– صباح الخير ، ده إيه الصدفة إللي زي القمر دي …

إلتفت “شجن” برأسها تجاه هذا السخيف متعجبة من وجوده هنا لتضيق جبينها بإمتعاض لرؤيته …

– مش إنت .. اااااا ، المهندس ده ، إسمك اااااا …

– أيوه أنا الباشمهندس “عادل” ، معقول نسيتي إسمي …

دار “رحيم” بعينيه بينهما لتظهر علامات الإستخفاف بتلك الصدفة المفتعلة فهو لا يصدق تظاهرهما بالمفاجأة لرؤية بعضهما البعض …

– لا والله ، وأنا مصدق إنها صدفة …

تطلعت به “شجن” بذهول فكيف يظن أنها كاذبة تتظاهر بذلك ، ليكمل “رحيم” …

– مفيش داعي يا أستاذة ، كنتِ قولي إنك جايه تقابليه وخلاص ، مش تقوليلي شبشب !!!!

إستطاعت فهم مقصده الآن وأنه يظن بها أنها قد دبرت موعدًا مع هذا السخيف وليس لإهتمامها بهاتفه لترتاح نوعًا وتغضب لكونه يظن بها ذلك لتردف بإنفعال …

– بقولك إيه !!!! إوعى تكون مفكر إني متفقة مع البتاع ده (ثم نظرت لـ”عادل”) سوري يا باشمهندس ( عادت لتكمل حديثها مع “رحيم” ) ، أنا مش حخاف منك ولو جايه أشوفه حقول ، أنا نازلة عشان أجيب حاجتي وبس …

شعر المهندس بالإهانة للإستخفاف به ليعتذر منسحبًا …

– طب بعد إذنكم أنا ، عشان ورايا مشوار مهم ..

لم يهتم كلاهما لإبتعاد “عادل” بل ظلا يستكملان حوارهما دون الإهتمام له ، برغم أن إبتعاد “عادل” عنهم أشعر “رحيم” ببعض الرضا برغم تضايق “شجن” الظاهر على ملامحها التي تشيح بوجهها عنه ، تقدم “رحيم” تجاه أحد الباعة ليسحب خُف لطيف الشكل قائلًا بلطافة وتلقائية …

– حلو الشبشب ده ؟؟؟

نظرت “شجن” نحوه بإندهاش لتحوله المفاجئ من الإنفعال لهذا الهدوء والليونة ، أهكذا يراضيها !!! ، كم له من إسلوب غريب ولطيف بذات الوقت ، تقدمت نحوه ومازالت تتظاهر بالضيق لتسحبه من يده وتسأل البائع عن ثمنه والمقاس المناسب تحت أنظار “رحيم” المتتوق لرضاها القريب ….


ثم أردفت مُحدثة البائع مصطنعة الضيق من “رحيم” …

– بكام ده لو سمحت ؟!!

ظل “رحيم” يراقبها بأعين معتذرة وهي تتدلل بغضبها اللطيف لكنه ظل متتوق لأن تمرر الأمر وتتغاضى عن ظنه المخطئ بغير محله ..

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

بيت محفوظ الأسمر …

لم أعد أريد أن أعني لأحدهم شيئًا فقط كل ما أريده الآن هو أن أشعر بالأمان والطمأنينة ، أسقطت كل دفاعاتي وكل ما أردته هو السلام …

إستلقت “وعد” بفراشها لفترة من الزمن دون أن تعى أين هي ، لكنها كانت تتشبث بولدها بأحضانها ترفض تركه مهما حدث …

فحصتها الطبيبة إثر سقوطها المزعوم الذي أخبرتها به “عتاب” قبل مغادرتها لتتركها تغفو لبعض الوقت لتتابع حالة مريضتها الأصلية “قسمت” …

فُتح باب الغرفة ليطل منها هذا المحب الذي أصبحت محبته نوعًا من الحيرة وتغلفها الكثير من التساؤلات ، نظر نحو تلك النائمة بأعين غامضة يملؤها مشاعر غير مفهومة ، دنا بقُربها يناديها رغم تيقنه إنها لا يمكنها سماعه …

– “وعد” ، “وعد” …

مد يده برفق نحو وجهها الساكن لتنتفض بنومتها لتلك اللمسة كما لو أن عقرب قد لدغها للتو ، إنتفاضة جعلت وجهه يقتضب بقوة وهو يقضم شفتيه ببعض الغيظ المكتوم …

غمغمت بنعاس أثناء إنتفاضها ..

– “زين” ، “زين” خليك معايا …

كما لو أن كل إهتمامها هو هذا الطفل فقط ، إحساس غريب جعله يخرج من الغرفة مباشرة قبل إستيقاظها ، دار بأرجاء الشقة بإنفعال لم يُفهم سببه خاصة عندما دلف غرفة والدته وأخرج الطبيبة عنوة مغلقًا الباب من خلفها فأمر “وعد” أصبح يشكل عائقًا أمامه ، فهي لا تري ولا تسمع وبالكاد تشعر به …

بقلم رشا روميه قوت القلوب


❈-❈-❈ــ

غرفة العمليات (صفر) …

بعد مرور بعض الوقت إنشغل به الجميع بالمراقبة الصامتة إلا تلك المتحفزة منذ بداية اليوم تنتظر فرصة مميزة للإنقضاض لتحقيق غايتها دون أن ينتبه الآخرون …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

إتجه “معتصم” لداخل أحد الغرف المغلقة لتستقيم “عائشة” واقفه تتحرك بخطوات بطيئة حتى لا تلفت الأنظار إليها لكنها عقدت العزم للتحدث مع هذا الأسطوري منفردًا …

دلفت لذات الغرفة ليلتفت “معتصم” بهدوء كما لو كان لا يكترث بمن لحقه حتى بعد رؤيتها بالداخل لم يهتم بالصورة التى تُصورتها “عائشة” بخيالها …

أكمل إطلاعه على الورق الذي بحوزته وهو يتسائل برزانة …

– خير يا “عائشة” ، سايبه مكانك وجاية هنا ليه ؟؟ فيه معلومات جديدة ؟؟

سحبت “عائشة” نفسًا متهدجًا وهي تُحفز نفسها على الحديث فلهذا الرجل طبيعة مُربكة للغاية تسبب لها الإضطراب ، أجابته محاولة التحلي بالهدوء …

– كنت عايزة أقولك يا قائد إنك مش لازم تثق في “عهد” …

مجرد سماعه لإسمها جعله يستدير بكامل جسده لمقابلة “عائشة” وقد إقتضب حاجباه بطريقة غريبة جعلت سوداوتيه تضيئان ببريق عجيب لكنه مخيف للغاية …

– “عهد” !!!!! ، ليه ؟؟؟

لملمت شفتيها وهي تحاول إخراج الكلمات بحشرجة لكنها تحدثت بالنهاية …

– “عهد” بلغتني بمعاد المداهمة ، ومكانها كمان ، وعشان أنا عارفة إنك مخلي المعلومات دي سرية ومحدش فينا يعرفها قلت أبلغك إنها مش أمينة وإنك مينفعش تثق فيها ، دي ممكن تكون هي الخاينة إللي بتبلغ أخبارنا لهم …

تشدق “معتصم” بجذعه للأعلى وهو يعقد ذراعيه أمام صدره بثبات مريب ودون أن يهتز له شعره حتى لو كان مجرد فضول …

– بقى كدة ، “عهد” سربت معلومات المداهمة ، معقول ده ، طب قالت لك فين وإمتى ؟!!

إنها ليست سطحية محدودة الذكاء فهي بالنهاية ضابط مثلهم بهذا المجال ، حاولت الربط بين المعلومات التى تحصلت عليها وبعض من تلك التى جاهدت لإستراق النظر بحاسوب “عهد” لتنطق بالنهاية بموعد ومكان كادا أن يكونا قريبان للغاية من الموعد الحقيقي ، لكنها أخطأت حين نطقت بإسم مصدر التعقب بصورة خاطئة..


– قالت لي إن المداهمة زي ما عرفت من تعقب “سالم” و “مجاهد” وإننا كلنا حنكون معاك يا قائد …

بحنكة شديدة لم يظهر أى تعبير عن إدراكه لكذبها وأنها ربما تكون هي الجاسوس تلك المرة ، أومأ مصطنعًا التصديق لذلك …

– كويس أوي إنك قولتي لي ، أنا حتصرف ، إتفضلي إنتِ يا حضرة الظابط …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

غادرت “عائشة” كما دخلت لتشعر ببصيص من السعادة فإن لم تفسد المهمة ستقترب من هذا المثير وبكلا الحالتين هي الرابحة …

تقابلت بعودتها مع “عبد الرحمن” الذي دلف لـ”معتصم” فقد أرسل الأخير بطلبه …

– إقفل الباب يا “عبد الرحمن” …

أغلق “عبد الرحمن” الباب من خلفه ليقف أمامه بإبانة وإنصياع لأوامره …

– مداهمة النهاردة إنت مسئول عن مراقبة “عائشة” لأني شاكك إنها جاسوس للتشكيل ، عينك متنزلش من عليها ولو حكم الأمر ، إضرب في المليان …

بقوة صدق “عبد الرحمن” أمر قائده بدون مراجعة أو مناقشة …

– علم يا قائد …

– إتفضل دلوقتِ نكمل آخر مراقباتنا قبل ما نتحرك …

لم يتبقى سوى بعض الساعات التى ستمر وعليه أن يكون بكامل تحفزه وتركيزه لنجاح المهمة اليوم وألا يحقق خطأ كما في المهمة السابقة بالأسكندرية ….

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

مكتب عيسى للمحاماة …

ليس من اليسير أن يتحول من النقيض للنقيض ، كيف سيجبر قلبًا عشق الهوى حتى النخاع بأن عليه أن يكره وينفر ، كيف سيستطيع أن يبتعد ومازالت دقات القلب المتمردة تعلن عشقها الصريح لنبع حياته ، كيف إستطاع أن يغفل عن خيانتها و سوئها …

أجبر “عيسى” نفسه لليوم أيضًا بالبقاء بمكتبه مختفيًا ومنزويًا عن الجميع ، فلا طاقة له بأعينهم المتسائلة ، ولا قدرة له على لقائها الذي يتهرب منه …


يوم عطلة ولن ينتبه له أحد ليقضي اليوم بالمكتب ، ترك ملفاته وقضاياه ليلقى بنفسه فوق الأريكة بالزاوية وقد رفع ساقيه الطويلتان فوقها مغطيًا أعينه بذراعه ليعيش بتلك الحالة من الظلام فربما يجد نفسه مستيقظًا بعد قليل من هذا الكابوس ليعود كل شيء كما كان ويكون هو المتوهم بهذا الأمر كافة …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

لكن تلك الغدير لم تتركه يهنأ بظنه أنه نائم يحلم فقد قفزت بذكراها لتمر بعينيه المغمضتين بضحكتها المرحة وحديثها الذي يختلج له قلبه المهشم …

ذكرى تمنى لو يقدر محوها فبعد أن كانت هي كل ما يتمنى أصبحت هي مصدر الألم وضيق النفس …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

بيت المستشار خالد دويدار …

تنهدت “منار” بنفس ضائقة وهي تحاول جمع شتات نفسها فقد تبدلت حالتهم بشكل جذري من حال لآخر بليلة واحدة ، خبر مشؤوم جعلها لا تفكر بسواه ، كما لو كان مرض “رؤوف” شاغلها الوحيد حتى عن أخوته …

حزنها على ما حل بـ”رؤوف” جعلها لم تنتبه بالشكل الكافي لما حدث بين “عيسى” و “غدير” ، لم تنتبه كون بقاء كل منهما بمفرده ومبيت “عيسى” بغرفته القديمة وتهربه من زوجته المحبة …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

رفعت “منار” مقلتيها البائستان تجاه تلك الصامتة على غير المعتاد ثم تساءلت بنبرة مختنقة …

– أمال فين “عيسى” ..؟!!

تشدقت “غدير” تتوق لمعرفة تلك الإجابة ، فأين هو “عيسى” !!! ، أين الذي غاب حاضرًا عن عينيها قبل قلبها ، أين روحها الساكنة ، لقد أتت إلى هنا خصيصًا لرؤيته ، فكم إشتاقت له ، وتخيلت أنها ستجده اليوم بعطلته مع والديه ، إبتلعت “غدير” ريقها و غِصتها العالقة بحلقها وهي تجيبها بأنفاس متألمة فيبدو أن تلك الأزمة لن تتركها بعد اليوم …

– مش عارفه …


كانت تود لو كانت تعلم أين هو ، لما تركته إذا كانت لديها معرفة عن مكان تواجده الآن ، أومأت “منار” برأسها بخفة ثم دفعت بهاتفها نحو أذنها بعد أن ضغطت على الإتصال به …

– ألو ، أيوة يا “عيسى” ….

محادثة أنهت بشكل مؤقت ثرثرة عقله ليجيب والدته بإهتمام …

– خير يا ماما ، فيه حاجة ؟!!

مجرد نطق “منار” بإسم حبيبها مالك فؤادها المشتاق شعرت “غدير” بأن دقات قلبها عادت للحياة ، فهل يتعافى المرء بصوت من يحب ، بل وبسماع إسمه فقط ، إنتبهت “غدير” بتحفز لتلك المكالمة التى تعلقت بها روحها ، بينما أكملت “منار” …

– أصلك مش باين ، عايزة أأكد عليك إن بكره معاد العملية بتاعة “رؤوف” ، إوعى متكونش موجود !!

زم “عيسى” شفتيه بضيق فها هو أمر آخر يزيد من إختناقه لمرض أخيه ..

– متقلقيش يا ماما ، أنا فاكر كويس ، وحكون معاكم في المستشفى الصبح في المعاد بالضبط …

– ماشي يا حبيبي ، حنستناك هناك …

أنهت مكالمتها القصيرة لتعود لصمتها الحزين بينما تتوق قلب “غدير” لرؤية “عيسى” غدًا ولو كان بالمستشفى ، فهي تود رؤيته وكفى …

تسائل “خالد” بإقتضاب معلقًا على مكالمتها مع “عيسى” …

– “عيسى” أكيد حيكون موجود إن شاء الله ، عمره ما حيتأخر عن أخوه ، “معتصم” هو إللي مش عارف ظروفه إيه !! شغله مش مضمون ، بس أكيد لو عنده فرصة حيكون موجود ، هو فاهم كويس إن العيلة أهم من أي حاجة تانية …

تطلعت “منار” تجاه غرف النوم مشيرة بعينيها رغم تساؤلها …

– مش حتتكلم شوية مع “رؤوف” ، أنا عارفة زمانه قلقان أوي ..؟!

أمر محير لكنه فضل أن يكون هذا الحديث اللين من جانب “منار” كعادتها معه ليجيبها بتفهم …

– إنتِ تقدري تطمنيه أحسن مني ، تعالي ندخل له وكلميه إنتِ عشان يهدا شوية وميقلقش (ثم نظر بتحذير لزوجته قائلًا بجدية ) ، وبقولك إيه بلاش تحسسيه بقلقك ده ، المفروض نديه القوة مش العكس …


حركت “منار” رأسها بتفاهم لتتحرك برفقة زوجها متجهان لغرفة “رؤوف” لبث به بعض القوة لمواجهة جراحة الغد بنفس هادئة …

لكن نفس تلك مقوسة الشفتين لم تكن هادئة مطلقًا فـ بالكاد تتمالك دموعها من الإنهمار ، تتمنى ساعات اليوم تنقضي بسرعة فربما يكون لها لقاء مع “عيسى” بالغد …

تقدمت نحوها السيدة “أم مجدي” متسائلة …

– نحضر العشا يا ست “غدير” ؟!!

نظرت لها “غدير” بتشتت قبل أن تبتلع كلماتها المعلقة بجوفها فمن أين تأتي الشهية للطعام لتردف بعدم إكتراث …

– مش عارفه ، إسالي طنط ، أنا طالعة شقتي …

خرجت “غدير” لتصعد نحو شقتها لتمضي بقية الليلة برفقة أختها “موده” التي ستبيت معها اليوم لمؤازرة “رؤوف” ، لكنها على أمل أن تتصالح مع “عيسى” حين تراه بالغد بالمستشفى …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

حي النعماني …

لكل مساء غاية ونهاية ، ولعل بنهايته بداية جديدة ، بداية لحياة مختلفة كصفحة جديدة سيسطر بها قصة من نوع مختلف …

بعد إستعداد وتجهيز لتلك العروس التي ظلت طوال ساعات اليوم الطويلة تنتظر وتترقب حلول المساء ، إرتدت “نغم” فستانها الأبيض البسيط الذي أحضره لها “مأمون” وتحضرت لزفافها المنتظر ، هبطت درجات السلم فها هو عريسها وزوجها المستقبلي ينتظرها أمام البيت ، ستخرج أخيرًا من بيت النجار ، سيصبح لها بيت جديد ، بيت جميل تبدأ به حلمها مع فارسها المغوار …

لم تكن تحتاج لكل تلك اللمسات التجميلة فهي لها طلة بهية كالقمر ، لكن شأنها مثل أي عروس تتجمل وتتزين لتصبح كالأميرات بيوم زفافها …

نحت حزنها ووحدتها جانبًا حتى لا تضيع فرحتها اليوم ، لكن ياليت كانت معها أمها وأختها لكانت سعادتها ستتضاعف بالتأكيد ، تحركت بخطوات قلقة وإحساس بالرهبة والحرج والخجل أيضًا من هذا المتأنق الذي يقف قبالها في إنتظارها ، لكن فجأة إجتاحها شعور السعادة ، فقط السعادة فها هو اليوم ، يوم زفافها على من أحبه قلبها …


حملت طرف فستانها لتخطو أولى خطواتها خارج بيت النجار ، لم تلتفت لتودعه فقد قاست أيامها بداخله بل تتوقت للتقدم نحو الأمام هروبًا منه …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

كما لو كانت تمر من خلال ممر يقف على جانبيه نقيضان فعلى يمينها وقفت “راويه” بعيدًا عنها تناظرها وهي ترتدي فستان زفافها وملامحها مقتضبة للغاية تناظرها بنظرات مستاءة للغاية لكنها إلتزمت الضيق والصمت من بعيد ، بينما على يسارها لمحت “بحر” الذي تطلع نحوها بنظرات يائسة مهزومة فاليوم يُعلن إسدال الستار عن قصة عشقة التي إنتهت قبل بدايتها ، لقد إختارت “نغم” وأصرت على الإختيار …

وقف ليثبت لنفسه أنه عليه منذ هذه اللحظة إعلان إستسلامه وإنهاء الأمر كافة فاليوم هي زوجة آخر بمحض إرادتها بل وبسعادة أيضًا ، لم يستطع البقاء لأكثر من ذلك ليتحرك بخطوات متخاذلة عائدًا للبيت ليغلق هذا الباب بشكل نهائي ويقبع بمحرابه يحاول تقبل هزيمة قلبه المجروح …

دنا “مأمون” من “نغم” بإبتسامة ثابتة ليعلق كفها بذراعه رافعًا من رأسه بشموخ يتجاوب بإبتسامات مجاملة لهؤلاء المحيطين به لتبدأ دقات بعض الطبول وتراقص أصدقائهم وجيرانهم إحتفالًا بزفاف “مأمون” ، شاركه الإحتفال والده “فخري” وأخيه “فريد” بينما إنسحبت “راويه” لداخل البيت فلم تعد تطيق التطلع إليهم بهذا الشكل …

وكعادة “صباح” أطلقت نفير غيظها لهذا الزفاف الكريه بإبنتها “راويه” تعنفها بقساوة وصوتها الغليظ من بقائها بالأسفل كل هذا الوقت بما يسمى بحفل الزفاف ، لكن “راويه” تلقت الأمر بالصمت التام فهي حانقة صامتة على تلك المهزلة كاملة من أولها لآخرها …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

فريق المداهمة ..

ليس كل مرة سيقع بنفس الأخطاء خاصة لهذا المتمرس الذكي ، قسم “معتصم” فريقه لمجموعات ومنع عنهم إستخدام أي نوع من وسائل الإتصال الخارجية بل إستخدموا تلك الموجات اللاسلكية الخاصة بهم للتواصل …

رفع سلاحه وإرتدي السترة الواقية من الرصاص لتبدأ خطواتهم المحسوبة تجاه موقع المداهمة ، كقدوة يحتذى بها فعل بقية المجموعة ما يفعله تمامًا ممتثلين لأوامره التى ألقاها عليهم اليوم …


بقلم رشا روميه قوت القلوب

رافقه بالطبع “عهد” وأحد الضباط بينما توزع البقية على جميع الجوانب حتى يتم القبض على هذا التشكيل اليوم كما خطط …

رغم تركيزه الشديد ونظراته الموزعة كالصقر يحدد بها أهدافه إلا أنه كان أولها تلك التى تصاحبه ، لم يشعر قط بأية مهمة بهذا القلق على أحدهم كما يشعر بالخوف عليها ، سلامتها وأمانها كانا يشغلان فكره دون إكتراث لسلامته هو ، نظر أولًا بجانب عينه اللامعة يلاحظ تمركزها بموضعها الذى حدده لها لضمان سلامتها ثم عاد ببصره تجاه تلك البناية ينتظر بترقب ومراقبة لظهور أفراد التشكيل …

كانت “عهد” بدورها في قمة تركيزها وجديتها تنتظر هؤلاء المجرمين جنبًا إلى جنب معه ، كما لو أن وجوده درع حامي لها ، وبرغم ذلك حاولت أن تنهر نفسها عن تلك الفكرة ، فهي قوية بذاتها لا تحتاج إليه ولا لحمايته فهي قادرة على إنجاز المهمة بمفردها كما كانت دومًا …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

تخاذل “عائشة” ومحاولتها لأكثر من مرة التراجع بتخوف كان واضحًا لـ”عبد الرحمن” المكلف بمراقبتها بل وللسيطرة عليها ومنعها بالقوة إذا لزم الأمر كما طلب منه “معتصم” لهذا شعرت بالتقيد لوجودها برفقة “عبد الرحمن” …

وسط كل هذا التأهب بدأ أفراد التشكيل بالولوج لداخل البناية التى يقطن بها الوزير الذي حُدد كهدف لإغتياله اليوم ، وبمجرد رؤيتهم أطلق “معتصم” إشارة البدء للتحرك تجاههم للقبض عليهم و إنهاء المهمة …

لكن يبدو أن الأمر لم يكن بالسهولة التي يتخيلها البعض فمع تحركهم الخفي أظهرت “عائشة” نفسها بصورة خاطئة يبدو أنها متعمدة لتحذيرهم وإثبات أنها مجرد عنصر مندس بينهم ، كان “عبد الرحمن” لها بالمرصاد لتكون أول المقبوض عليهم وهو يحاوطها بكفيه القويتين ويزج بها بداخل إحدي سيارات الشرطة فلن يترك الأمر للظن ، فإن كانت كذلك فعليه منعها وإن لم تكن فقد أخطأت بإظهار نفسها بهذه الصورة وستسبب فشل المهمة مرة أخرى …

ملاحظة أفراد التشكيل لـ”عائشة” كان بوق خطر لتبدأ طلقات النار العشوائية مرة أخرى كوسيلة للهرب ، لكن ترى من سيتأذى هذه المرة وهل سيكتب لهم الفشل أم النجاح بمهمتهم الغير يسيرة …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ


بيت محفوظ الأسمر …

خرج “محب” من غرفة والدته بينما دلفت الطبيبة وبرفقتها الممرضة الخاصة بها مرة أخرى للمرور بـ”قسمت” قبل مغادرة البيت فقد حل المساء ، ومع رحيلهم كان موعد عودة “عتاب” من لقائها بـ”باسم” لا تعبأ ببناتها اللاتي تركتهم طيلة اليوم دون الإهتمام بهن ، هذا الحمل الثقيل الذي لا تستطيع حمله بعد الآن ، تريد الشعور بالسعادة و الإنطلاق ، وها هي قد واتتها الفرصة مع “باسم” …

إستوقفها “محب” وهو يطالعها بملامح صامتة لا تعبر عن شيء سواء إستياء أو تقبل لأفعالها ليسألها ..

– كنتِ فين لحد دلوقتِ ؟!!

رفعت حاجباها بإندهاش لتجيبه بإستهزاء …

– جرى إيه ؟!! إنت حتفتح لي تحقيق ولا إيه ؟! كنت مطرح ما كنت ، حاجة غريبة والله !!!

نهرها “محب” متحدثًا من بين أسنانه وهو يخفض من نبرة صوته …

– هو إيه أصله ده ، ما أنا لازم أعرف كنتِ فين ومع مين ؟!!

رفعت “عتاب” صوتها صارخة بأخيها فهي لا تريد تقييد لحريتها بعد اليوم …

– وده إيه أصله ده !!! … لااااااا … بقولك إيه متعملش عليا أنا راجل حمش ، أنا مش مستنيه حد يعد عليا خطواتي ، أنا حره ، ما لكش فيه ، وبعدين أنا أصلًا عايزاك في موضوع تاني ، مادخلنيش في حوارات تلخبط لي دماغي …

زفر “محب” بقوة من طريقتها التى أصبحت تضيق نفسه …

– عايزة إيه يا “عتاب” …

لوت فمها بإمتعاض لتبدأ بإلقاء أوامرها عليه والتي تلقتها من “باسم” من قبله كما لو أنها تتحرك من تلقاء ذاتها وليست كالدمية بين أصابع هذا المحامي …

– عايزين نمضي “وعد” على ورق التنازل ده ، ضروري ، وعليك إنت تعمل كدة ، ومتقوليش إزاي ، إتصرف …

فتح “محب” عيناه بإندهاش مردفًا بنبرة صادمة …

– تنازل !!!!! طب إزاي ؟؟!!! ، حتمضيه إزاي ، إنتِ مش شايفه إنها لا سامعة حاجة ولا شايفة حاجة !!!!


زاغت عيناها بما ينم عن غبائها فكيف تناست عرقلة هذا الأمر لتوقيعها على الورق ، أردفت بعنجهية دون الإعتراف بخطئها هذا …

– ما هي لازم تمضي يعني لازم تمضي ، مفيش غير كدة ، وإلا كل حاجة عملناها حتروح في الأرض ، ده كان خلاص مش باقي غير تكه وكل حاجة ترجع لنا …

طالت نظرة “محب” المتجهمة بأخته التى يحركها شيطانها ، صمت غاضب حانق لتضربه “عتاب” بخفة فوق كتفه مذكرة إياه وهي تلوح بالأوراق أمام مرآه …

– ميبقاش قلبك خفيف ، متنساش إن كـــــــل ده بقى بتاع المحروس إبنها ، ولو سكتنا مش حنوصل لفلوسنا أبدًا ، “وعد” لازم تمضي …

طأطأ “محب” عيناه للحظة لكن فوجئ كلاهما بصوت “وعد” يهتف بهم …

– “محب” !!!!!

إتسعت عيونهما بهلع لرؤيتها ليتردد إسمها بنبرة خفيضة نابعة من صدمتهم بوجودها فهل عادت لطبيعتها وإستطاعت سماعهم …

– “وعد” ……!!!!!!!!!!

بقلم رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

ليست السعادة شعور مجرد ، بل هو أن يعي من تحب لما يُحزنك ويجنبك إياه ، لكن وإن كان لا يدرك أسباب حزنك فمن المحقق أنه ليس مصدر سعادتك ، فالحب تضحية وبذل وعطاء وليس أنانية وإمتلاك ، فهنيئًا لمن حصل على شخص يبذل جهده ليرسم فقط بعيونك إبتسامة ..

كان حفل الزفاف مقتصرًا على تلك الأجواء الإحتفالية البسيطة والتي شارك بها أهل الحي للعروسين “مأمون” و “نغم” قبل أن يتفرق هذا الجمع مودعين العروسين ليستقلا السيارة نحو بيت “مأمون” ، بيت زوجيتهم السعيد …

عاد “فخري” لشقته المستأجرة بعيدًا عن “صباح” وإتجه “فريد” لشقته ببيت النجار لقضاء الليلة مع أبنائه بعد أن أصبح وحيدًا منذ طلاقه لـ”حنين” …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

إمتزجت مشاعر مختلطة بنفس “نغم” فهي مُقبلة على حياة جديدة برفقة من تحب ، لكن رهبة وخوف علقا بقلبها من تلك الحياة ، نظرت نحو “مأمون” الجالس إلى جوارها بالسيارة تطالع وسامته الرجولية التي سرقت قلبها ممنية نفسها بأن عليها ألا تقلق ، فما الداعي لذلك وهو بذاته إلي جوارها …

تطلع “مأمون” من نافذة السيارة دون الإنتباه لعيون المها التي تطالعه بتلك المحبة حتى كادت تتطاير منها الفراشات ، لكن تركيزه كان منصبًا بالطريق حتى هتف بسائق السيارة …


– إدخل شمال إللي جاي يا أسطى “جابر” …

نظرت “نغم” نحو الحي الذي ولج إليه السائق للتو ثم دارت بعينيها بهذا المكان الغريب عنها متسائلة بلطف …

– هو إحنا رايحين فين يا “مأمون” ؟؟

تطلع نحوها بوجه مبتسم مردفًا بأريحية طمأنتها …

– مروحين بيتنا يا “نغم” …

عادت لتناظر هذا الطريق وهذه الشوارع والمنازل التي لم ترها من قبل لتعيد تساؤلها بروح طفولية تمتاز بها …

– بس إحنا في حتة معرفهاش ، شقتك مكانتش هنا ؟؟!!!

أومأ “مأمون” بالإيجاب ليجيبها بكلماته التي أسرتها تمامًا حتى أنها غابت عن المنطق والفكر ، فيكفيها أنها معه …

– إحنا كفاية مع بعض ، ودي شقتي الجديدة بعيد عن أي حد ممكن يضايقنا ، ده أنا إخترتها مخصوص عشان نحس فيها أنا وإنتِ بالراحة بعيد عن الدوشة والناس هنا وهناك ، إيه مش عايزة تبقى معايا لوحدنا ولا إيه ؟؟

توردت وجنتيها بحُمرة خجل لتكتفي بإبتسامة وإيمائة إيجاب خفيفة لتعود لتطالع المكان من حولها ، وبعد السير لفترة إنتبهت لصوت “مأمون” محدثًا السائق …

– بس يا أسطى “جابر” ، وقف العربية هنا ( ثم نظر نحو “نغم” بحالمية ) ، يلا بينا يا عروسة …

ترجل “مأمون” من السيارة ليلتف نحو الباب الذي تجلس “نغم” قربه منتظرًا إياها ليرافقها لداخل بيتهم الجديد …

بقلم رشا روميه قوت القلوب

ترجلت “نغم” ببطء وهي تعدل من طرف فستان زفافها الأبيض منشغلة به تناظر طرفه حتى لا يلوث ببقع الوحل والمياه أسفل قدمها والتي تناثرت فوق تلك الأرضية الترابية ، خشيتها على تلوث فستانها لم يجعلها تنتبه أين البيت تحديدًا …

إعتدلت أخيرًا بوقفتها لتغادر السيارة وسائقها لترفع بهذا الوقت رأسها للأعلى تنظر لبيت زوجيتها الجديد ، تلاشت إبتسامتها ببطء وهي تناظر أمامها بقلب منقبض ووجه لا يختلف عما شعرت به ، زمت شفتيها لينطلق بعبارة منصدمة ونفس باهتة …

– إيه ده ؟؟!!!!!!!!


يتبع…. 

 •تابع الفصل التالي "رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني 2" اضغط على اسم الرواية

تعليقات